الدم والعِرض والمال والتحكيم.. قراءة في 527 صفحة من أعراف القبائل اليمنية

على مر التاريخ في اليمن، لم يكن العرف القبلي مجرد تقاليد متوارثة، بل منظومة اجتماعية متكاملة نشأت لحماية الحقوق، واحتواء النزاعات، ومنع الخصومات من التحول إلى ثارات مفتوحة، لذلك فإن وراء كل قاعدة عرفية تاريخ طويل من التجربة الاجتماعية؛ خلفها خصومة جرى احتواؤها، وحق سعى المجتمع إلى حمايته، وصلح حال دون امتداد الدم وانهيار العلاقات.

ومن هذا المنطلق، تكتسب وثيقة العرف القبلي التي أعدها الشيخ محمد بن علي صياد أهمية خاصة، لأنها تجمع بين النصوص العرفية كما وردت، وبين تفسيرها وتحليل مرتكزاتها، وتضع أمام القارئ صورة واسعة عن القواعد التي حكمت علاقات القبائل اليمنية وطرائقها في الوصول إلى الصلح والإنصاف.

يمانيون| محسن علي

تقدم الوثيقة صورة واسعة عن قدرة المجتمع اليمني على إنتاج آليات محلية لحماية الدم والعرض والمال، واحتواء النزاعات، وترميم العلاقات، وإعادة بناء الثقة بين الخصوم، وهي، بما جمعته من نصوص وتحليلات، ليست مجرد سجل للماضي، بل مادة يمكن الإفادة منها في تطوير الصلح المجتمعي، شريطة قراءتها بروح نقدية توازن بين أصالة الموروث ومتطلبات العدالة الحديثة.

 

بطاقة تعريف بالوثيقة

تحمل الوثيقة عنوان “وثيقة القواعد المرجعية العرفية لكافة القبائل اليمنية”  ويُنسب إعدادها إلى المراغة الشيخ محمد بن علي صياد، وتشير بيانات الإصدار إلى أن الطبعة الأولى صدرت عام 1435هـ الموافق 2013م عن مكتبة خالد بن الوليد، مع تسجيلها لدى دار الكتب، تقع النسخة المرفقة في 527 صفحة، ما يعكس اتساع مادتها وتعدد أبوابها.

وتتناول الوثيقة الأعراف المتصلة بعدد من المكونات القبلية اليمنية، من بكيل وحاشد ومذحج وقضاعة وهميسع، وتقدم مادتها في جزأين رئيسيين: يضم الأول نصوص القواعد العرفية، بينما يخصص الثاني لتفسير تلك النصوص وتحليل مرتكزاتها وأحكامها، وهو ما يمنح العمل بعدًا توثيقيًا وتحليليًا في آن واحد.

 

حفظ النصوص العرفية وتثبيت مرجعيتها

يتمثل الجانب الأول من أهمية الوثيقة في جمع النصوص العرفية وتثبيتها بعد أن ظلت لسنوات طويلة متداولة بصورة شفوية، تنتقل من جيل إلى آخر عبر المراغة والمشايخ والوجهاء، ويمنح تدوين هذه القواعد فرصة لحفظها من الضياع، ومقارنتها، ودراسة تطورها، بدل بقائها عرضة للاختلاف في النقل أو التفسير.

ولا تكتفي الوثيقة بعرض أحكام منفصلة، بل تقدمها ضمن تصور يهدف إلى توحيد المرجعية العرفية بين القبائل، وتوضيح ما يرتبط بالحقوق والواجبات والإجراءات، بما يساعد على الحد من التباين في معالجة القضايا المتشابهة.

 

الدم والعِرض والمال.. ثلاث دوائر لحماية المجتمع

تنطلق الوثيقة من ثلاث دوائر أساسية يحرص العرف على صونها، هي الدم والعِرض والمال، ويظهر هذا الترتيب أن المجتمع القبلي نظر إلى الاستقرار من خلال حماية حياة الإنسان وكرامته وممتلكاته، باعتبارها حقوقًا مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض.

ففي قضايا الدم، تتناول الوثيقة أحكام القتل، والقتيل مجهول القاتل، ومن يسقط بين جماعة أو في الأسواق والطرقات، إضافة إلى الحالات التي يختلف فيها تحديد المسؤولية، كما تبحث في تبعات القتل وطرق الضمان والصلح، بما يهدف إلى منع انتقال الجريمة إلى سلسلة من أعمال الثأر.

أما في قضايا الإصابات، فتتطرق إلى أروش الأعضاء ومقادير التعويض والجهة المسؤولة عن الضرر، ويكشف ذلك عن محاولة لإيجاد معايير محددة للتعامل مع الأذى الجسدي، بدل ترك تقديره للغضب أو الانتقام أو التقديرات المتباينة.

وتتناول الوثيقة كذلك الاعتداءات على العِرض والكرامة، وما يرتبط بالسب والشتم والقذف والتشهير والتهديد، باعتبارها أفعالًا تمس مكانة الفرد والأسرة وتؤثر في السلم الاجتماعي، كما تضع أحكامًا لما يترتب على الاعتداءات اللفظية والمعنوية، بما يفتح الطريق أمام رد الاعتبار واحتواء آثار الإساءة.

 

القضايا الأسرية والعيوب والالتزامات الاجتماعية

تمتد أبواب الوثيقة إلى قضايا الخطوبة وفسخها، والعيوب والعتوب، وما يترتب على اكتشافها من حقوق أو التزامات بين الأطراف، وتظهر هذه المواضيع أن العرف لم يكن مقصورًا على النزاعات القتالية أو قضايا الدم، بل تدخل أيضًا في تنظيم العلاقات الأسرية وحماية الأطراف من الغبن وسوء الفهم.

كما تتناول الوثيقة ما يرتبط بالسنن المتوارثة في الضمان والمناصفة والأخماس والأعشار والبدائل، وهي مصطلحات تعكس نظامًا تفصيليًا لتوزيع الالتزامات بين أطراف القضية، وتحديد ما يتحمله الولي أو الغرام أو الجماعة بحسب طبيعة الواقعة.

 

التحكيم والصلح.. من الخصومة إلى التسوية

يحتل التحكيم موقعًا محوريًا في الوثيقة، إذ تتناول شروط اختيار المحكمين، وعدالتهم، ورضا أطراف النزاع بهم، إلى جانب إجراءات التولية، وتسلسل الخطوات، وقواعد الإثبات والبينات والوثائق.

وتبرز أهمية هذا الجانب في أنه ينقل القضية من دائرة الانفعال إلى مسار أكثر تنظيمًا، يتيح لكل طرف عرض حجته، ويمنح المجتمع فرصة الوصول إلى حكم أو صلح مقبول، كما تتناول الوثيقة أجور المحكمين والجهات القائمة على إنهاء النزاع، بما يوضح أن التحكيم في العرف ليس موقفًا ارتجاليًا، بل عملية لها أصولها ومسؤولياتها.

 

المغرم والإخاء والحِمى.. البعد الجماعي للعرف

لا تنظر الوثيقة إلى القضايا باعتبارها شأنًا فرديًا فقط، بل تبرز مسؤولية الجماعة في الحماية والنصرة وتحمل المغرم، ضمن ضوابط وشروط محددة، وتتناول أحكام الحِمى والنكف والإخاء، وما يرتبط بحماية الجار ومساندة المظلوم والتعامل مع الكوارث والقضايا العامة.

وهنا يظهر البعد التضامني للعرف القبلي؛ فالجماعة مطالبة بالمشاركة في حماية السلم الاجتماعي، لكن هذه المشاركة ينبغي أن تُضبط بالحق والإنصاف، حتى لا تتحول النصرة إلى حماية للظالم أو وسيلة لفرض القوة على الضعيف.

 

ختاما

تمثل «وثيقة القواعد المرجعية العرفية» جهدًا واسعًا لحفظ جانب مهم من الذاكرة القانونية والاجتماعية اليمنية، وتقديمه في صيغة مكتوبة تجمع بين النص والتفسير، وتكمن قيمتها في أنها تكشف كيف طورت القبيلة اليمنية أدوات محلية لمعالجة الدم والإصابة والاعتداء والخصومة، والانتقال من التوتر إلى الصلح.

غير أن الاستفادة من هذه الوثيقة اليوم تقتضي قراءة متوازنة تثمّن قيم التكافل والتحكيم وحماية الحقوق، وتنسجم في الوقت نفسه مع القانون ومبادئ العدالة الحديثة، ولذلك فإن العرف يظل أكثر قوة حين يحمي الضعيف، ويمنع الثأر، ويعيد الحقوق، ويعزز السلم، لا حين يتحول إلى غطاء للظلم أو بديل عن مؤسسات الدولة.

وفي نهاية المطاف، تظل الرسالة الأبرز للوثيقة أن قوة العرف لا تقاس بكثرة أحكامه، بل بقدرته على منع الثأر، وحماية الضعيف، وإعادة الحقوق، وتحويل الخصومة إلى صلح، والانقسام إلى تضامن؛ وهي قيم ما يزال المجتمع اليمني في أمسّ الحاجة إليها.

للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب.

وثيقة العرف القبلي لكافة قبائل اليمن تأليف المراغة بن صياد

You might also like