حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي… السعودية تعيد هندسة أدواتها في الجنوب اليمني
يمانيون | تحليل
بعد يوم واحد فقط من إعلان صدر من الرياض يقضي بحلّ المجلس الانتقالي الجنوبي، شهدت عدد من المحافظات الجنوبية تظاهرات شعبية رافضة للقرار، في مشهد أعاد إلى الواجهة حقيقة الوصاية السعودية على الجنوب، وطبيعة الأدوات المحلية التي استثمرت بها الرياض طوال سنوات العدوان على اليمن.الهتافات والمواقف الشعبية لم تكن دفاعًا عن كيان سياسي بقدر ما كانت تعبيرا صارخاً لدى الشارع الجنوبي في رفض الوصاية السعودية وأن التدخل الخارجي لم يكن يومًا نصيرًا لقضايا الشعوب، بل مستغلًا لها ضمن مشاريع إقليمية تخدم مصالحه الخاصة.
بيان المجلس الانتقالي: حلّ بالإكراه وإقامة جبرية
وفي أعقاب الإعلان السعودي، أصدر المجلس الانتقالي الجنوبي بيانًا أكد فيه أنه عقد اجتماعًا استثنائيًا وصف خلاله القرار بأنه باطل وصادر تحت الإكراه، مشيرًا إلى أن أعضاءه الموجودين في الرياض يخضعون لما وصفه بـالإقامة الجبرية وفي حكم الاعتقال.
وأوضح البيان أن قيادات المجلس مُنعت من العودة إلى عدن، وتم إجبارها على إصدار بيانات تحت التهديد، بذريعة الإبقاء عليهم في الرياض للتحضير لما سُمّي بـ«مؤتمر جنوبي–جنوبي»، في وقت تُدار فيه القرارات المصيرية من خارج الأرض التي يُفترض أنها تمثلها.
السعودية بعد انسحاب الإمارات: تفريخ الفصائل وإدارة الانقسام
وفي قراءة أوسع للمشهد، يتضح أن النظام السعودي يتجه إلى تفريخ المكونات والفصائل السياسية والعسكرية، أو احتواء ما تبقى منها، خاصة بعد تراجع الدور الإماراتي ميدانيًا، وإن لم يكن سياسيًا.
الرياض تعمل على إعادة ترتيب أوراقها بما يضمن:
- عدم عودة حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) إلى الواجهة.
- إبقاء الجماعات المسلحة ضمن أطر يمكن التحكم بها.
- إدارة الانقسامات داخل معسكر التحالف بما يخدم الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة صنعاء.
هذا التوجه عكسته لقاءات وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان مع مسؤولين أمريكيين وأعضاء في الكونغرس، حيث نقل موقع Jewish Insider عن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي براين ماست أن السعودية قدمت تطمينات واضحة بأنها ضد جماعة الإخوان، وأن خلافاتها مع الإمارات ليست سوى خلافات تكتيكية ضمن مسار استراتيجي ترسمه واشنطن.
الانقسام كنتاج طبيعي لتجاوز إرادة الشعوب
ما يجري اليوم داخل معسكر التحالف ليس سوى نتيجة طبيعية لتجاوز سنن التاريخ وإرادة الشعوب الساعية للتحرر والاستقلال.
فالتناحر بين مرتزقة العدوان، شمالًا وجنوبًا، يعكس هشاشة المشاريع المفروضة من الخارج، ويؤكد أن الكيانات المصنوعة لا تملك قرارها ولا القدرة على البقاء دون الدعم الخارجي.
من التأسيس إلى الحل.. المجلس الانتقالي بين 2017 و2026
أُعلن عن تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو 2017، وفي مفارقة لافتة، جاء إعلان حلّه من الرياض مطلع عام 2026، بالنص ذاته الذي طالما استخدم في بيانات الإلغاء:
«نعلن حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي وحل كافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية وإلغاء كافة مكاتبه في الداخل والخارج».
ولم تمضِ سوى ثلاثة أيام على استدعاء أكثر من خمسين قياديًا من المجلس إلى الرياض للحوار، حتى جرى الإعلان عن الحلّ على لسان خالد بن سلمان، في خطوة وصفتها الرياض بـ«الشجاعة»، بينما اعتبرتها قيادات في المجلس مقيمة في الإمارات مسرحية هزلية، أُجبر خلالها الأعضاء على تلاوة البيان داخل أحد القصور الملكية السعودية، لا من عدن.
الرياض: مهندسة الاتفاقات والكيانات
السعودية التي هندست اتفاق الرياض (2022)، وأطاحت بعبد ربه منصور هادي، وجاءت بـ«مجلس القيادة الرئاسي» المكوّن من ثمانية أعضاء، هي ذاتها التي تعيد اليوم هندسة كيانات ومجالس جديدة لا تخرج عن بيت الوصاية.
بات المشهد مألوفًا:
- الإعلام السعودي يسبق أدواته في إعلان الإقالات.
- التنبؤ بوصول مسؤولين جدد قبل صدور أي قرار رسمي محلي.
- تحويل القيادات السياسية والعسكرية إلى مجرد موظفين بانتظار التعليمات من الرياض.
أدوات بلا استقلال: التمويل والسلاح بيد الرياض
وعلى المستوى العسكري، لا يمكن لأي تشكيل مسلح في الجنوب أو الساحل الغربي أن يستمر شهرًا واحدًا دون الدعم السعودي، سواء المالي أو التسليحي.
هذا الواقع يجعل كل الأدوات على الأرض مرتهنة بالكامل للقرار السعودي.
وجود شخصيات مثل طارق عفاش، والمحرمي، وغيرهم في الرياض اليوم، ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر على أن أدوارهم – سواء داخل الحكومة أو المجلس الرئاسي – مرشحة للانتهاء متى ما قررت الرياض ذلك، كما حدث مع من سبقوهم قبل عشر سنوات، ممن لجؤوا إلى السعودية ولم يعودوا.
خاتمة: وصاية تتبدل… والمصير واحد
تحاول الرياض، رغم هذا الانكشاف، تقديم نفسها كوسيط بين أدواتها المتناحرة، وفي الوقت ذاته تبرير أكثر من عشر سنوات من الغارات الجوية والحصار والتدخل العسكري في اليمن.
غير أن المشهد الجنوبي اليوم يرسل رسالة واضحة:
الوصاية الأجنبية – مهما تلونت – لا تصنع دولة، ولا تحمي قضية، بل تعيد إنتاج الأزمات، وتُسقي الشعوب من الكأس ذاته، مهما اختلفت الأسماء واللافتات.