رمضان في واقع الأمة
يمانيون| بقلم: إبراهيم محمد الهمداني
مع إطلالة أول أيام شهر رمضان المبارك، يطل علينا سماحة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي يحفظه الله، كعادته في كل رمضان من كل عام، موجها ومربيا ومعلما ومزكيا للنفوس، وفي أولى محاضراته لهذا الشهر الكريم، قدم خلاصة عامة، لأهمية هذه المناسبة العظيمة، وضرورة اغتنامها بأداء ما أوجبه الله فيها علينا، وبما يقربنا إليه من الطاعات، لنحظى بنيل رضى الله وبركاته، والقيام بذلك وغيره، منوط بالتهيئة والاستعداد النفسي، والمسارعة العملية إلى تأهيل النفوس والقلوب، لكي تحصل على التقوى، الذي هو الغاية في هذه المناسبة العظيمة، والمطلوب الأول من فريضة الصيام.
وفي تشخيصه لواقع الأمة، في ارتباطها بهذا الشهر العظيم، كشف السيد القائد – يحفظه الله – عن الواقع المرير للأمة، بسبب انفصالها الكبير والمتعاظم عاما بعد عام، عن دينها وشعائرها ومقدساتها، وانسياقها وراء هموم ومتطلبات الحياة المادية، وغرقها في مستنقعات أوهام الحداثة، ومقتضيات التطور المزعوم، وما أسفرت عنه وسائل الاتصال والتواصل، وما شكلته شبكات الانترنت عالميا، في تحويل كل مظاهر وأنشطة الحياة اليومية، إلى انغماس كامل في شبكاتها وتفاصيلها، وذلك كان له بالغ الأثر على زكاء النفوس، خاصة في واقع الأمة العربية والإسلامية، حيث تضاءلت القيمة الروحية والإيمانية لدى أبنائها بشكل كبير، في مسار تنازلي من عام إلى آخر، ولم يبق من واقع هذه الفريضة وروحانيتها وقدسيتها، لدى معظم شعوب الأمة، ما يصلهم بحقيقتها وغاياتها، الأمر الذي أفقد تلك الشعوب ثمرة الارتباط بالله تعالى، بما يحقق لهم العزة والرفعة والكرامة، واستحقاق نصره وتأييده وتمكينه، حسب وعوده الإلهية في القرآن الكريم.
بخلاف تلك الشعوب العربية والإسلامية، يقف الشعب اليمني العظيم، محافظا على روحيته الإيمانية وقيمه الأخلاقية، مستقبلا شهر الله الأعظم، مستشعرا قيمته في صناعة مستقبل الإنسان في آخرته، طامعا فيما أعد الله فيه لعباده وهم في ضيافته، مستكثرا من الطاعات والنوافل، والدعاء والتضرع والالتجاء إلى الله تعالى، مستبشرا بعظيم الثواب والجزاء، الذي وعد الله به عباده في كتابه المجيد.
أشار السيد القائد – يحفظه الله – إلى خطورة وضع الأمة الإسلامية، حيث فُرِغت العبادات والشعائر من مضامينها الروحية والإيمانية، وأصبحت مجرد مناسبات اعتيادية، وطقوس وشعائر شكلية باهتة، فاقدة للقيمة والتأثير والغاية المطلوب تحققها في نفوس المسلمين، وذلك هو ما جعل تلك الشعوب، تخضع مطلقا لحكامها المستبدين الظالمين، الذين هم – بدورهم – خاضعين لأعداء أمتهم من اليهود والنصارى، وهذا يكشف عن حقيقة خطيرة، تعكس مدى انحطاط واقع الأمة، وهي تخضع لعدوها الذي ضرب الله عليه الذلة والمسكنة، بينما هي تنتمي إلى هذا الدين العظيم، دين العزة والكرامة، وتتعبد الله بالقرآن الكريم، الذي رسم لها سبل السيادة والريادة، وضمن لها – إن هي سارت على نهجه – تحقيق حريتها وقوتها ومنعتها، لكنها بانفصالها عن روح دينها على ذلك النحو، أصبحت في مقام من ضٌرِبت عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله، بل وأدنى من ذلك المقام الانحطاطي الساقط.
ولهذا يشدد السيد القائد – يحفظه الله – على ضرورة اغتنام شعوب الأمة لهذه المناسبة، للعودة إلى الله تعالى والاعتصام به، والتخلص من واقعها المزري، والتحرر من هيمنة وتسلط أعدائها، من اليهود والنصارى، والعمل على استحقاق أسباب التأييد والتمكين، والنصر الإلهي الموعود في كتابه الكريم، ومن أوفى بوعده من الله، كون ذلك هو السبيل الوحيد، لتحقيق النجاة والخلاص للأمة، مشيرا في ختام إطلالته، أن تناولاته في المحاضرات القادمة، ستكون في مجال القصص القرآني، بما يتناسب وظروف المرحلة الراهنة، وهذا التوجه يحمل دلالات هامة وكبيرة، منها أنه يعكس مدى حرص السيد القائد – يحفظه الله – على ربط الأمة بكتابها العظيم (الثقل الأكبر)، بوصفه منهج حياة شامل، ويعكس – أيضا – أهمية توظيف القصص القرآني، في سياق أثره النفسي والروحي، لتحقيق الهدف التربوي والإصلاح القيمي والأخلاقي والديني، واستخلاص المضامين والفوائد والعبر العظيمة، في سياق ارتباطها بالسنن الإلهية الكبرى، التي لا تتبدل ولا تتحول.