النفوذ الخفي .. كيف يشكّل اللوبي الصهيوني السياسة الأمريكية من الداخل؟
يمانيون | تقرير
لم يعد الارتباط بين السياسات الرسمية الأمريكية ومصالح كيان الاحتلال الصهيوني مسألة تحالف تقليدي، بل بات يُقرأ في سياق أعمق وأخطر، أقرب إلى اختراق منظم لمفاصل صنع القرار في واشنطن.فالمواقف السياسية، والتصريحات العلنية لمسؤولين أمريكيين، وحجم التنسيق العسكري والأمني، إضافة إلى ما كشفته وثائق رجل الأعمال الصهيوني جيفري إبستين، جميعها تشكل مؤشرات متراكمة على شبكة نفوذ ممتدة، تتداخل فيها الأبعاد السياسية والمالية والعقائدية.
هذا الواقع لا يقتصر على إدارة بعينها أو حزب محدد، بل يعكس حالة بنيوية متجذرة في المؤسسة الأمريكية، حيث يتقاطع القرار السياسي مع مصالح اللوبيات المؤيدة لإسرائيل بصورة تجعل من الصعب الفصل بين ما هو “أمريكي خالص” وما هو انعكاس مباشر لأولويات تل أبيب.
اعترافات صريحة.. “حروب المستقبل تُخطط هنا”
وفي مشهد لافت يعكس طبيعة العلاقة، أعلن السناتور الأمريكي ليندسي غراهام عقب لقائه رئيس وزراء كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو أن “حروب المستقبل تُخطط هنا”، في إشارة واضحة إلى أن التخطيط الاستراتيجي العسكري يتم بالتوازي، إن لم يكن انطلاقًا من الرؤية الصهيونية.
غراهام لم يكتفِ بالإشادة، بل تحدث عن التفوق العسكري والتقني الإسرائيلي، مؤكدًا أن “القوات العسكرية الأكثر ذكاءً وإبداعًا على هذا الكوكب موجودة هنا”، وأن إسرائيل تمضي قدمًا في تطوير أسلحة “تتجاوز” القدرات الأمريكية في بعض المجالات، داعيًا إلى آلية شراكة تضمن لواشنطن مواكبة هذا التقدم.
هذا التصريح، في دلالته السياسية، يتجاوز الإطراء إلى الإقرار بدور قيادي لتل أبيب في رسم ملامح المواجهات المقبلة، بما يعكس تداخلاً عميقًا في التخطيط العسكري والاستراتيجي بين الجانبين.
الانخراط الإقليمي وتكريس مشروع الهيمنة
وفي سياق متصل، أشاد غراهام بمستوى التعاون بين الإمارات وكيان الاحتلال، معتبرًا أن محمد بن زايد “نفذ كل ما طُلب منه وأكثر”، في إشارة إلى عمق التنسيق ضمن مسار التطبيع وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
هذا الخطاب يكشف أن الدور الأمريكي لا يقتصر على دعم كيان الاحتلال عسكريًا، بل يتعداه إلى هندسة البيئة السياسية في المنطقة بما يخدم مشروع الهيمنة الصهيونية، عبر دفع دول عربية إلى الانخراط في شراكات أمنية واقتصادية مع تل أبيب، تحت مظلة الرعاية الأمريكية.
“إيباك” والكونغرس.. هندسة القرار من الداخل
تصريحات النائب الأمريكي توماس ماسي سلطت الضوء على آلية النفوذ داخل المؤسسة التشريعية، إذ أقر بأن كيان الاحتلال “يسيطر على معظم أعضاء الكونغرس”، موضحًا أن غالبية الجمهوريين لديهم شخص مرتبط بلجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية AIPAC يتواصل معهم باستمرار.
وصف ماسي هذا الواقع بأنه يشبه وجود “مرافقة سياسية دائمة” لكل عضو، في إشارة إلى رقابة غير رسمية على مواقف المشرعين وتصويتهم.
وأكد أن العديد منهم لا يصوتون وفق قناعاتهم، بل وفق ما يرضي اللوبي المؤيد لإسرائيل، وهو ما يعكس مستوى تأثير يتجاوز الضغط التقليدي إلى توجيه مباشر.
ويظهر هذا النفوذ بوضوح خلال الانتخابات الأمريكية، حيث تشن الجماعات المؤيدة لإسرائيل حملات دعم وتمويل للمشرعين الموالين، مقابل استهداف وإضعاف الأصوات التي تنتقد الدعم غير المشروط لتل أبيب، ما يؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية بما يضمن استمرارية الانحياز.
البعد العقائدي.. من السياسة إلى الأيديولوجيا
النفوذ لا يقتصر على المصالح المادية، بل يمتد إلى خطاب عقائدي يتجلى في تصريحات بعض المسؤولين.
فقد أعلن السفير الأمريكي لدى كيان الاحتلال مايك هاكابي أنه “مسيحي صهيوني”، مؤكدًا أن المسيحية ما كانت لتوجد لولا اليهودية، وأن إسرائيل هي المكان الوحيد الذي شعر فيه بأنه في وطنه.
هذه التصريحات تكشف عن تماهي عقائدي يتجاوز حدود الدبلوماسية، ويؤشر إلى حضور سرديات دينية في توجيه المواقف السياسية، ما يفسر في نظر كثيرين حجم الالتزام الأمريكي غير المشروط تجاه كيان الاحتلال.
وفي السياق ذاته، أثارت تصريحات عضو الكونغرس راندي فاين، التي تضمنت إساءات للمسلمين ودعوات متطرفة ضد الفلسطينيين، موجة جدل واسعة، واعتبرها محللون انعكاسًا لخطاب إقصائي يجد له صدى داخل بعض دوائر القرار.
وثائق إبستين.. نافذة على أدوات الضغط الخفي
أعادت قضية جيفري إبستين إلى الواجهة الحديث عن شبكات علاقات جمعت سياسيين ورجال أعمال وشخصيات نافذة، وما يمكن أن تمثله من أدوات ضغط وابتزاز محتملة.
ورغم أن التحقيقات الرسمية لم تكشف كل التفاصيل، فإن مجرد اتساع دائرة الأسماء المرتبطة بالقضية أثار تساؤلات حول كيفية توظيف العلاقات الخاصة والملفات الحساسة في التأثير على توجهات صناع القرار.
ويرى مراقبون أن هذه القضية قد لا تكون سوى نموذج من منظومة أوسع، حيث تتقاطع المصالح المالية والسياسية ضمن شبكة نفوذ معقدة.
انعكاسات مباشرة على السياسة الخارجية
انعكس هذا التشابك بوضوح في مواقف الولايات المتحدة في مجلس الأمن، وفي حجم الدعم العسكري والمالي المقدم لكيان الاحتلال، إضافة إلى الانخراط المباشر في ملفات المنطقة بما يتماشى مع الرؤية الصهيونية.
فالولايات المتحدة تشارك كيان الاحتلال في معظم الملفات الاستراتيجية، من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى قضايا الأمن الإقليمي، في نمط يعكس تطابقًا شبه كامل في المواقف، ما يعزز فرضية أن النفوذ الصهيوني لم يعد عاملًا خارجيًا، بل مكونًا داخليًا في صناعة القرار الأمريكي.
خاتمة
تكشف الوقائع المتراكمة، من تصريحات المسؤولين إلى تحركات اللوبيات، ومن وثائق إبستين إلى ممارسات الكونغرس، عن صورة معقدة لعلاقة تتجاوز التحالف التقليدي إلى تداخل بنيوي في المصالح والرؤى والاستراتيجيات.
هذا التداخل أفرز حالة من التماهي السياسي والعسكري والعقائدي، جعلت من الصعب الفصل بين القرار الأمريكي وأولويات كيان الاحتلال.
وفي ظل استمرار هذا المسار، تتعمق التساؤلات حول استقلالية القرار في واشنطن، وحول مدى تأثير شبكات النفوذ المنظمة في إعادة رسم سياسات الولايات المتحدة بما يخدم المشروع الصهيوني، وتتجاوز آثاره حدود المنطقة إلى النظام الدولي بأسره.

