إعصار “إبستين” والزلزال الأخلاقي.. سقوط الخطاب الأمريكي والأممي وازدواجية معايير “حقوق الإنسان”

يمانيون | تقرير
لم يكن جيفري إبستين مجرد ملياردير غريب الأطوار يمتلك جزيرة في الكاريبي، بل كان المهندس الفعلي لأكبر عملية اختراق “أخلاقي” في العصر الحديث.

إن القضية التي تنفجر اليوم في واشنطن ونيويورك لا تتعلق فقط بجرائم جنسية بشعة بحق قاصرات، بل تتعلق بسقوط “المقدسات الدولية”؛ الأمم المتحدة التي ترفع شعارات حقوق الإنسان، ووزارة العدل الأمريكية التي ترفع ميزان القانون.

هذا التقرير يشرح كيف تحولت هذه المؤسسات من “حارسة للعدالة” إلى “أدوات تستر”، وكيف استطاع رجل واحد، عبر شبكة معقدة من المال والابتزاز، أن يشتري صمت الكبار ويحول منصات “الرحمة الدولية” إلى ستائر دخانية لإخفاء واحدة من أبشع شبكات المتاجرة بالبشر في التاريخ.

الأمم المتحدة.. “الحرم” الذي انتهكته شبكة إبستين

غيلاين ماكسويل: من “سمسارة أطفال” إلى خطيبة فوق المنبر الدولي

المشهد الأكثر سريالية في هذا الملف هو وقوف غيلاين ماكسويل، شريكة إبستين المدانة، في قلب مقر الأمم المتحدة بنيويورك لتلقي خطاباً عن “حماية البحار والمحيطات”.

هذا الظهور لم يكن مجرد صدفة بروتوكولية، بل كان تتويجاً لعملية “تبييض سمعة” (Reputation Laundering) مدروسة.

بينما كانت ماكسويل تتحدث عن الرحمة بالكائنات البحرية، كانت في الخفاء تدير “آلة” لاصطياد الفتيات القاصرات وتقديمهن للنخبة العالمية.

اختراق الدائرة الدبلوماسية: أسماء في مهب الفضيحة
تظهر الوثائق أن إبستين لم يكن يبحث عن المتعة الشخصية بقدر ما كان يبحث عن “الحصانة السيادية”.

ومن خلال قائمة الشخصيات المذكورة، نجد أن الاختراق وصل إلى مستويات مخيفة:

مونا جول وتيري رود لارسين: ارتباط سفيرة النرويج وزوجها بإبستين عبر “معهد السلام الدولي” يثبت كيف استخدم إبستين “مراكز الفكر” (Think Tanks) كجسر للعبور إلى صناعة القرار الدولي.

الإماراتية هند العويس: المفارقة هنا أن العويس شغلت منصب مديرة للجنة الدائمة لحقوق الإنسان ومستشارة في لجنة حقوق المرأة، وهو ما يطرح تساؤلاً مرعباً: كيف يمكن لمنظومة حقوقية أن تضم في صفوفها من يتهم بتجهيز القاصرات لشبكة إجرامية؟

الممثل الهندي الدائم: الذي اعترف بلقاء إبستين عدة مرات لمناقشة “استثمارات”، وهو ما يوضح أن إبستين كان يستخدم “دبلوماسية المحفظة” لإغراء المسؤولين من دول صاعدة.

بيتر ماندلسون ولقب “مفترس القاصرات”
السفير البريطاني السابق، بيتر ماندلسون، يمثل نموذجاً لـ “الإنكار المنهجي”.

فرغم نفيه المتكرر، كشفت الصور والوثائق المسربة حديثاً وجوده في جزيرة إبستين الخاصة.

إن حضور شخصية بهذا الوزن في فعاليات أممية رفيعة المستوى، رغم خلفيته المشبوهة، يعكس حالة من “العمى المتعمد” داخل أروقة الدبلوماسية الدولية.

وزارة العدل الأمريكية.. “العدالة المحجوبة” وصراع النفوذ
بام بوندي في مواجهة “مقصلة الكونغرس”
انتقلت الفضيحة من نيويورك إلى واشنطن، وتحديداً إلى قاعة جلسات الاستماع في الكونغرس، حيث واجهت وزيرة العدل بام بوندي اتهامات مباشرة بالتواطؤ.

الاتهام الجوهري هو أن الوزارة لم تكن تحقق في الجريمة بقدر ما كانت “تدير الأزمة” لحماية شخصيات سياسية بعينها.

لعبة “الملايين الثلاثة”: الوثائق التي اختفت
كشف النواب أن الوزارة لم تسلم إلا نصف الوثائق المطلوبة (3 ملايين من أصل 6 ملايين).

الحجة التي قدمتها بوندي بأنها “مكررة” لم تقنع أحداً؛ فالنواب يؤكدون أن الجزء المحجوب يحتوي على “مذكرات إفادات الضحايا” التي تسمي المعتدين بوضوح.

حجب أسماء الجناة وفضح الضحايا: في إجراء يضرب عرض الحائط بكل قيم الخصوصية والقانون، قامت الوزارة بنشر بيانات الضحايا (الناجيات) دون حماية، بينما قامت بـ “تظليل” أسماء الرجال النافذين الذين شاركوا في هذه الجرائم.

صفقة “ماكسويل” في تكساس
تطرق التحقيق إلى المعاملة التفضيلية التي حظيت بها غيلاين ماكسويل.

نقلها إلى “معسكر حراسة دنيا” في تكساس، ومنحها “وجبات خاصة” و”حيواناً للعلاج النفسي”، لم يكن لأسباب إنسانية، بل كان –حسب اتهامات النواب– نتيجة لصفقة سياسية قادها المحامي “تود بلانش”.

الهدف كان ضمان صمت ماكسويل وعدم كشفها لأي تفاصيل قد تضر بالرئيس دونالد ترامب.

الضحايا.. صرخة في وادي التواطؤ
المشهد المأساوي في قاعة الكونغرس
أحد أكثر المشاهد تأثيراً في هذا “الإعصار السياسي” هو وقوف الناجيات في القاعة ورفع أيديهن لتأكيد أن وزارة العدل لم تجتمع بهن حتى الآن.

هذا المشهد يختصر القصة كاملة: “الدولة” التي يجب أن تحميهن هي نفسها التي تتجاهلهن لحماية أعدائهن.

الشهادات المغيبة: قصة السائق وفتاة الاغتصاب
التقرير يسلط الضوء على أدلة جنائية تم تجاهلها عمداً من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI):

شهادة السائق: الذي سمع ترامب يهدد بإيذاء فتاة قاصرة.

قضية الفتاة المقتولة: التي ادعت تعرضها للاغتصاب من قبل ترامب وإبستين ثم وُجدت ميتة في ظروف وصفت بأنها “انتحار”، بينما أكد ضابط الموقع أن الأمر مستحيل جنائياً.

هذه الأدلة لم تتحول إلى تحقيقات رسمية، مما يعزز فرضية “التستر المنظم” لمنع انهيار الهيكل السياسي الأمريكي.

 الأبعاد السياسية الدولية

إبستين كأداة “ابتزاز سيادي”
لم يكن إبستين مجرد “قواد” للنخبة، بل كان يجمع “أرشيفاً من الفضائح” لابتزاز قادة العالم.

هذا يفسر لماذا نجد مبعوثاً أمريكياً لسوريا مثل “توماس باراكا” أو وزراء نفط ودبلوماسيين في شبكته.

إن السيطرة على هؤلاء الرجال تعني السيطرة على قرارات دول، واتفاقيات تجارية، وتحالفات عسكرية.

توظيف الملف في الصراع (الديمقراطي – الجمهوري)
تحول ملف إبستين إلى “سلاح نووي” في الحملات الانتخابية.

دونالد ترامب وعد بالإفراج عن الملفات لضرب خصومه، لكن عند وصول المقربين منه (مثل بوندي وتود بلانش) إلى سدة المسؤولية في وزارة العدل، تحولت الوعود بـ “الشفافية” إلى “تستر انتقائي”.

“الدولة العميقة” والفساد الأخلاقي العابر للحدود

خصخصة الجريمة تحت غطاء الدبلوماسية
إن ما كشفه النص يوضح أننا أمام “خصخصة” للرذيلة والاتجار بالبشر.

إبستين خلق “دولة موازية” لا تخضع للقانون الوطني أو الدولي.

استخدام “الحصانة الدبلوماسية” لنقل القاصرات عبر الحدود، واستخدام “المعاهد الدولية” لغسيل الأموال وتسهيل اللقاءات، يمثل قمة الفساد المؤسسي.

الفشل الأخلاقي للأمم المتحدة
كيف يمكن لمنظمة تدين “تجنيد الأطفال” في الحروب أن تسمح لشخصيات متورطة في “استعباد الأطفال جنسياً” بالعمل في لجانها؟ هذا التناقض يضرب شرعية الأمم المتحدة في مقتل ويجعل مطالباتها بحقوق الإنسان في دول العالم الثالث تبدو كـ “نفاق دولي”.

الخلاصة: هل هناك طريق للعدالة؟

إن إعصار إبستين ليس مجرد قضية جنائية ستموت بمرور الوقت؛ إنه “اختبار حقيقي” للبشرية.

إذا استمرت وزارة العدل الأمريكية في حجب الأسماء، وإذا استمرت الأمم المتحدة في تجاهل كيفية اختراق لجانها، فإن الرسالة الموجهة للعالم ستكون: “إذا كنت غنياً ونافذاً بما يكفي، فأنت فوق القانون، حتى لو ارتكبت أبشع الجرائم بحق الطفولة”.

إن دماء الضحايا، وصرخات الناجيات في قاعات الكونغرس، تتطلب ما هو أكثر من “جلسات استماع”؛ إنها تتطلب “تطهيراً كاملاً” للمنظومة الدولية.

إبستين قد يكون مات في سجنه، لكن “نظامه” لا يزال حياً، يتنفس من خلال الأسماء المحجوبة، والتقارير المظللة، والمسؤولين الذين يرفضون الاعتذار.

ختاماً .. 

تكشف قضية إبستين عن عمق فساد شبكات الدول الكبرى والمسؤولين الدوليين الذين يدّعون الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية النساء والأطفال، بينما هم في الخفاء يشكلون جزءًا من أبشع الجرائم في العصر الحديث.

الحماية السياسية التي حظي بها إبستين في أروقة الأمم المتحدة والولايات المتحدة، بالإضافة إلى التستر المستمر من قبل السلطات، تعكس فشلًا غير مقبول في تطبيق العدالة.

من الضروري أن يتخذ المجتمع الدولي خطوات جادة لتحقيق المساءلة والعدالة للضحايا، وألا تبقى هذه القضية مجرد فضيحة تُستخدَم لأغراض سياسية.

You might also like