معبر رفح بين وهم الفتح وحقيقة الحصار.. كيف يدير الكيان الصهيوني بوابة التهجير والموت في جنوب غزة؟

يمانيون | تحليل
يعود معبر رفح إلى واجهة المشهد الفلسطيني بوصفه أحد أكثر العناوين تضليلًا في الخطاب الصهيوني المعاصر، حيث يُروَّج لفتحه أمام حركة الأفراد، بينما تبقى حقيقته على الأرض مرآة فاضحة لاستمرار الحصار والتحكم الكامل بمصير سكان قطاع غزة.

فالمعبر الواقع جنوب القطاع، وعلى الحدود مع مصر، لا يزال ضمن المناطق التي لم ينسحب منها العدو الصهيوني، ويخضع فعليًا لإدارته الأمنية والسياسية، رغم كل ما قيل عن اتفاقات وقف إطلاق النار ورفع القيود الإنسانية.

وبينما ينتظر الفلسطينيون بوابة حياة، يتحول رفح إلى أداة ضبط وإقصاء، ومعبر انتقائي لا يُفتح إلا وفق شروط صهيونية صارمة، تُفرغ أي حديث عن سيادة أو انفراج إنساني من مضمونه الحقيقي.

فتح انتقائي للأفراد وإغلاق شامل للمساعدات

ورغم إعلان العدو الصهيوني فتح معبر رفح أمام حركة الأفراد، إلا أن هذا “الفتح” لا يتجاوز كونه إجراءً شكليًا، إذ يخضع كل من يرغب بالمغادرة أو العودة إلى موافقة أمنية مسبقة من كيان الاحتلال الصهيوني.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن المعبر لا يزال مغلقًا كليًا أمام دخول المساعدات الإنسانية، في مخالفة صريحة وواضحة لبنود اتفاق وقف إطلاق النار، الذي نصّ على رفع القيود عن المساعدات فور إنجاز صفقة تبادل الأسرى.

هذا الإغلاق المتعمّد دفع منظمات إنسانية دولية إلى رفع صوتها، محذّرة من كارثة إنسانية متفاقمة في قطاع مدمر ومحاصر، حيث تُمنع الإمدادات الطبية والغذائية من الوصول، بينما يُستخدم المعبر كأداة ضغط سياسي وأمني لا علاقة لها بالاعتبارات الإنسانية التي يُفترض أن أُنشئ من أجلها.

 المرضى رهائن الموافقة الصهيونية

وفي واحدة من أكثر صور الابتزاز قسوة، لا يزال أكثر من 200 مريض – وفق وزارة الصحة في غزة – ينتظرون موافقة العدو الصهيوني للسماح لهم بالمغادرة عبر معبر رفح لتلقي العلاج.

وتفرض سلطات الاحتلال شروطًا صارمة تحدد عدد المسموح لهم بالخروج، حيث لا يُسمح إلا لنحو 50 مريضًا يوميًا، يرافق كل منهم فرد أو اثنان من عائلته، ما يعني أن عدد المغادرين لا يتجاوز 150 شخصًا يوميًا ضمن ما يُسمّى “الإطار الطبي”.

بهذه الصيغة، يتحول المعبر من منفذ إنقاذ إلى أداة فرز قاسٍ بين من يُسمح له بمغادرة دائرة الموت ومن يُترك داخلها، في وقت يُقدَّم فيه هذا الإجراء على أنه “تسهيل إنساني”، بينما هو في جوهره إعادة إنتاج للحصار بأدوات أكثر قسوة وانتقائية.

 التهجير المقنّع تحت لافتة العودة المحدودة

وبالتوازي مع السماح المحدود بخروج المرضى، يُروَّج لسماح العدو الصهيوني بعودة أعداد محدودة من سكان القطاع الذين غادروه أثناء العدوان، غير أن هذه العودة تبقى مرهونة أيضًا بالموافقة الصهيونية، وبالتنسيق المسبق مع الجانب المصري.

وهو ما يعكس صورة أخرى من صور التحكم الكامل بحركة السكان، حيث يُدار ملف الدخول والخروج كجزء من هندسة التهجير المدروس، لا كخطوة طبيعية لعودة النازحين إلى ديارهم.

في هذا السياق، يصبح معبر رفح بوابة مزدوجة: بوابة تهجير لمن يُسمح لهم بالخروج تحت ضغط المرض أو الخطر، وبوابة إغلاق بوجه من يفترض أن يعودوا إلى حياتهم الطبيعية داخل القطاع.

لجنة إدارة غزة… موافقة بلا موعد

وعلى المستوى الإداري، لا تزال اللجنة الوطنية لإدارة غزة، المؤلفة من 15 شخصية فلسطينية والمكلفة بإدارة شؤون القطاع، عالقة على مشارف غزة بانتظار الموافقة الصهيونية للدخول.

ويؤكد رئيس اللجنة، علي شعث، أنه أُبلغ بموافقة الكيان الصهيوني على دخول الأعضاء، لكن دون تحديد موعد لذلك، ما يجعل هذه الموافقة شكلية بلا قيمة عملية.

هذا التعطيل يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى أي إدارة مدنية في ظل إحاطة العدو الصهيوني بالقطاع منذ مايو 2024، واستمرار سيطرته الفعلية على المعابر والمداخل، بما يحول دون تمكين أي إطار فلسطيني من ممارسة مهامه بشكل حقيقي وفاعل.

السيطرة عن بُعد… الاحتلال بصيغة تكنولوجية

ويواصل العدو الصهيوني احتلاله المباشر للجانب الفلسطيني من معبر رفح، ويرفض الانسحاب منه، مروجًا في المقابل لدور مزعوم لبعثة الاتحاد الأوروبي، إلى جانب مجموعة من الفلسطينيين الذين يوافق عليهم أمنيًا، لإدارة حركة المعبر.

ووفق ما أوردته صحيفة “معاريف” الصهيونية، فإن العدو – حتى دون نشر عناصره داخل المعبر – سيحافظ على سيطرة كاملة عبر الرقابة عن بُعد باستخدام أنظمة تكنولوجية متقدمة.

هذه الصيغة تضمن بقاء القرار النهائي بيد الكيان الصهيوني، سواء في تحديد هوية المسموح لهم بالعبور أو في إخضاعهم لفحوص تحقق إضافية عند نقاط خاضعة لسيطرته، ما يعني أن “الانسحاب” ليس سوى إعادة تموضع للاحتلال بأدوات أقل ظهورًا وأكثر إحكامًا.

رفح بوابة الحصار لا معبر الحياة

وفي المحصلة، يكشف مشهد معبر رفح عن حقيقة صارخة: ما يُسوَّق كفتح إنساني ليس سوى إدارة صهيونية محكمة للحصار، وهندسة دقيقة لمعاناة الفلسطينيين في غزة.

فالمعبر الذي يُفترض أن يكون شريان حياة، تحوّل إلى بوابة انتقائية للموت والتهجير، يُفتح لمن يتهددهم الفناء، ويُغلق بوجه ما يمكن أن يعيد للقطاع نبض الحياة.

وبين سيطرة عسكرية مباشرة، وتحكم تكنولوجي عن بُعد، تبقى غزة محاصرة، لا بالأسوار فقط، بل بقرار صهيوني يصوغ الألم ويضبط الأمل وفق حساباته الخاصة.

You might also like