إبستين.. هندسة الابتزاز وسقوط النخب
يمانيون| زينب الشهاري
تحليل استراتيجي في أبعاد السيطرة الخفية، طبول الحرب، وحتمية الخلاص الأخلاقي
تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إيبستن واحدة من أكثر الملفات قتامة في التاريخ الحديث.
ومع وصول الوثائق المسربة إلى ذروتها في عامي 2025 و2026، كُشف الستار عن منظومة ابتزاز دولي منظمة تدار من خلف الكواليس.
ملاحظة توضيحية حول الوثائق: يجب الإشارة إلى أن ما تم الكشف عنه للعلن حتى الآن هو بضعة آلاف من الصفحات من محاضر قضائية ورسائل إلكترونية (وليست بالضرورة قائمة عملاء مدانين).
وجود اسم شخص في الوثائق لا يعني إدانته، فقد يكون شاهدًا، أَو شخصًا ورد اسمه عارضًا في المحادثات، أَو مسافرًا على متن طائرته الخَاصَّة.
أما الأرقام الضخمة (الملايين من الصفحات والصور) فهي تقديرات لما قد يكون بحوزة الأجهزة الاستخباراتية والقضائية من الأجهزة التي صودرت ولم تُنشر بالكامل للجمهور بعد.
نحن لسنا أمام جريمة أخلاقية فحسب، بل أمام انفجار في قلب الدولة العميقة وإعلان رسمي عن سقوط الأقنعة للحضارة المادية.
من هو إيبستن؟ (رجل الظل والوسيط الاستخباراتي)
لم يكن إيبستن مُجَـرّد ملياردير، بل كان الوسيط الخفي الذي يربط بين نخب المال والسياسة والاستخبارات الدولية:
هندسة الابتزاز (التكنولوجيا في خدمة السيطرة): لم تكن منازل إبستين مُجَـرّد مقار للإقامة، بل كانت استوديوهات مراقبة مجهزة بأنظمة تصوير مخفية متطورة جِـدًّا في غرف النوم والقاعات.
تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن هذه التسجيلات كانت تهدف لإنشاء أرشيف رقمي للعار، حَيثُ يتم تحويل الزلات الأخلاقية إلى قيود رقمية أبدية.
هذا النظام هو التجسيد العملي لمفهوم (Kompromat) الاستخباراتي، حَيثُ تصبح المعلومة سلاحًا فتاكًا يضمن تحريك النخب السياسية كقطع الشطرنج في القرارات الدولية المصيرية.
شبكة الاتجار وجزيرة الشيطان: أدار شبكة دولية لاستدراج القاصرات في جزيرته “ليتل سانت جيمس”، التي تحولت لموقع ممارسة طقوس مشبوهة بعيدًا عن الرقابة.
النهاية الغامضة: بعد سجنه في 2019، أعلن عن وفاته منتحرًا، وهي حادثة اعتبرها المحللون عملية تصفية استخباراتية لإغلاق الصندوق الأسود وحماية الرؤوس الكبيرة المتورطة.
قائمة العار: تضمنت الوثائق أسماء من قادة ونخب، ومن أبرز ما تأكّـد في السجلات: الأمير أندرو، بيل كلينتون، دونالد ترامب، وشخصيات أكاديمية مثل ستيفن هوكينج؛ حَيثُ استخدم إبستين التمويل لغسيل سمعته.
صناعة العبيد النخبويين: دور الماسونية والمنظمات السرية
في عمق الملف، تبرز بصمات المحافل الماسونية المتطرفة التي تؤمن بفلسفة السيطرة عبر التلويث:
طقس التوريط: لكي يرتقي السياسي في سلم السلطة، يجب أن يُسجل له خطأ لا يُغتفر.
إن توثيق جرائم النخب هو الضمان للولاء المطلق؛ فالجاني يصبح أدَاة طيعة لمن يملك “الفلاش ميموري”.
إدارة العالم بالملفات: تُستخدم هذه الفضائح للتحكم في ملفات سيادية كبرى، مثل ملفات النفط والأمن (كما كشفت الوثائق عن تدخلات في ملف ليبيا عام 2011).
الارتباط العضوي بين المال وصناعة القرار: ارتبط إبستين بعلاقات وثيقة مع رؤساء صناديق استثمارية كبرى ومدراء بنوك دولية.
هذا التغلغل سمح له بفتح أبواب موصدة للنخب، مما جعل الابتزاز يسير جنبًا إلى جنب مع المصلحة المالية.
وبذلك، أصبحت النخبة العالمية محاصرة بين فكي كماشة: إغراء المال والرعب من الفضيحة.
التوقيت الاستراتيجي وقرع طبول الحرب على إيران
إن الربط بين تسريبات إبستين وبين النية للحرب على إيران في هذا التوقيت هو تكتيك استراتيجي لإدارة الأزمات:
صناعة العدوّ البديل: تبرز الحاجة لخطر وجودي خارجي لتوجيه الغضب الشعبي نحو الأمن القومي بدلًا من قذارة النخبة.
ابتزاز القادة المتردّدين: يُستخدم الملف لإجبار القادة المتورطين على اتِّخاذ مواقف عسكرية متشدّدة؛ فمن يعارض الحرب، قد يجد اسمه في الصفحة الأولى من التسريبات القادمة.
الهروب إلى الأمام: إشعال حرب إقليمية يخلط الأوراق تمامًا، ويحول أولويات الشعوب من البحث عن العدالة للضحايا إلى البحث عن النجاة من الصواريخ.
البُعد الصهيوني واستهداف الفطرة
الموساد كلاعب مشترك: تشير الوثائق إلى صلات إبستين بشخصيات صهيونية بارزة كإيهود باراك.
هذا الربط يعزز فرضية أن جزيرة الشيطان كانت مختبرًا متقدمًا للموساد لجمع بنك أهداف لضمان استمرار الدعم المطلق لكَيان الاحتلال الصهيوني.
تحسين النسل وتفكيك الأسرة: تمويل أبحاث تحسين النسل سعيًا لخلق نخبة “سوبر” تملك الحق في استعباد البشر، مع توريط النخب في سلوكيات منحرفة لهدم كيان الأسرة عالميًّا وتنميط الانحراف.
الرؤية الإسلامية: الخلاص الوحيد في منهج الوحي
أمام هذا الإفلاس الأخلاقي، يبرز الإسلام كمنظومة وحيدة قادرة على حماية البشرية عبر:
سيادة التشريع الرباني: لا توجد حصانة تسمح لرئيس بالاعتداء على طفل؛ فالشرع فوق الجميع.
حراسة الفطرة: وضع الإسلام العرض والنسل ضمن الضرورات الخمس.
الاستعلاء بالإيمان: المسلم الذي يراقب الله لا يمكن تجنيده عبر الرذيلة، وهذا ما يفسر استهداف المجتمعات المسلمة ببرامج التغريب.
الخلاصة: إن ملفات إبستين هي يوم الحساب الدنيوي لمدعي التحضر، وهي ثمن مقايضة دماء الشعوب بستر عورات النخب.
العبرة الكبرى هي أن الخلاص في الوحي؛ فالبشرية لن تجد أمانها إلا بالعودة إلى شرع الله الذي يعز الإنسان ويصون كرامته من مخالب المنظمات الشيطانية.