الشهيد اللواء أمين الحميري.. القائد الذي قال: لا للكرسي.. وقال: نعم للخندق والشهادة

 في واحدة من أندر اللحظات التي يعجز التاريخ عن استيعابها، وتتوقف أمامها ذاكرة الأمة لتسجيلها بحروف من نور، ودعت اليمن في الثلاثين من أغسطس 2019 واحداً من أولئك الرجال الذين لا يولدون إلا في أزمنة الخطر، ولا يظهرون إلا حين تحتاج الأرض إلى من يضع قدمه على صدرها ليمنعها من الانهيار، هذا القائد الذي حمل في جيناته روح تعز الأبية، تلك المدينة التي علّمت اليمن كيف يكتب النشيد الوطني، وكيف يثور من أجل الكرامة، ثم انتقل إلى صعدة، تلك القلعة الصامدة التي قالت للعالم إن الجبال لا تنكسر،

نستعرض في هذا التقريرسيرة الشهيد اللواء أمين حميد الحميري، قائد فرع الشرطة العسكرية في محور صعدة ونائب قائد حرس الحدود، الرجل الذي آمن بأن القيادة لا تعني كرسياً وثيراً في مكاتب معقمة، بل تعني أن تكون أول من يتقدم الصفوف، وآخر من يتراجع عنها، وأن يكون الميدان هو مكتبك، والرصاص هو حبرك، ودمك هو خاتمك على وثيقة العهد الذي قطعته على نفسك لوطن لا يعرف الاستسلام.

يمانيون| محسن علي

من ربوع تعز إلى معاقل صعدة

جسد اللواء الحميري نموذجاً فريداً في الانتقال من موقع إلى آخر، حاملاً رسالة التضحية من أجل الله وكرامة وسيادة اليمن، مؤكداً أن الوطنية لا تعترف بالحدود الجغرافية، فقد جمع بين الأصالة القتالية والخبرة العسكرية التي أهلته لتولي مسؤوليات كبيرة في أخطر جبهات القتال، حيث قاد العمليات العسكرية بكل اقتدار في مواجهة قوى العدوان ومرتزقتهم على الحدود الشمالية الغربية للبلاد

 

الجذور التعزية.. من بلد العز إلى ميادين الشرف

ينتمي الشهيد اللواء أمين الحميري إلى محافظة تعز، تلك المدينة التي تُلقب بـ”بلد العز” والتي خرج منها عظماء وقادة أباة لا ينامون على ضيم، واشتهرت بتاريخها الطويل في التعليم والثقافة، واحتضنت جامعات وكليات ضمت عشرات الآلاف من الطلاب، فلقد حمل الحميري من تعز، التي انطلقت منها شرارة الثورة والتي ساهم أبناؤها في صناعة النشيد الوطني اليمني كلمات ولحناً، روح التحدي والإباء التي ميزت أبناء هذه المحافظة العريقة.

لكن الرجل لم يكتفِ بانتمائه الجغرافي إلى تعز، بل جعل من اليمن كلها وطناً يستحق التضحية، فانتقاله من تعز إلى صعدة، معقل الصمود الشمالي، لم يكن مجرد تنقل عسكري، بل رسالة واضحة بأن الوطنية لا تعترف بالحدود الجغرافية، وأن التضحية من أجل اليمن واجب على كل أبنائه، أينما كانوا.

 

المسيرة العسكرية.. قيادة ميدانية في أخطر الجبهات

تدرج الشهيد اللواء الحميري في المناصب القيادية بفضل خبرته العسكرية وإخلاصه للوطن، حتى أصبح قائداً لفرع الشرطة العسكرية في محور صعدة، ونائباً لقائد حرس الحدود، وقد شكل محور صعدة لسنوات مسرحاً للعمليات الأكثر عنفاً في مواجهة قوى التحالف ومرتزقتهم، حيث قاد الحميري العمليات العسكرية بكل اقتدار، مسطراً ملاحم بطولية في التصدي للقوات المتقدمة على الحدود الشمالية الغربية للبلاد.

كان الحميري نموذجاً للقائد الميداني الذي لا يكتفي بإصدار الأوامر من خلف المكاتب، بل يتقدم الصفوف الأمامية ويشارك جنوده في خنادق القتال. هذه الروح القيادية جعلته يحظى بحب واحترام كل من عمل معه، وأهلته ليكون واحداً من عظماء القادة العسكريين الذين أوفوا بقسمهم وانطلقوا ليدافعوا عن حياض الوطن.

 

الميدان لا الكرسي.. القائد بين جنوده

في واحدة من أكثر اللحظات التي تجسد الروح الوطنية والإخلاص للقيادة الصادقة، يروي الشهيد الحميري مواقف لا تُنسى خلال زيارته مع الرئيس الشهيد صالح الصماد للمرابطين في الجبهات، حيث قال الحميري في لقاء صحفي: “عندما يجد المقاتل أن صاحب أعلى منصب سياسي في البلاد معه، عندما يأتي إليه ويقول له إن مسح الغبار عن أحذية المجاهدين أفضل من كل مكاسب الدنيا، ماذا تتوقع أن يكون رد فعل الجندي والمقاتل؟ يزداد ثقة بأن هذه هي قيادته، ويثق بأن قتاله في سبيل الله وليس في سبيل سلطان، ولا في سبيل الحفاظ على كرسي الرئاسة”.

وأضاف واصفاً نزول الرئيس الصماد إلى الميدان: “كان يتقدم إلى الواجهة المكشوفة للعدو ويتنقل بكل شجاعة وثقة بين المرابطين غير هيّاب ويمشي معنا ويتحرك في خط المواجهة بلا حراسة”.

هذه الكلمات الخالدة تظل منهجاً لكل قائد يريد أن يترك بصمة في قلوب جنوده، وتجسد فلسفة القيادة التي آمن بها الحميري طوال مسيرته: القائد جزء من جنوده، والميدان هو مكانه الطبيعي، وليس الكرسي. وقد قال الحميري في حضرة المرابطين: “لقد شُرِّفت بكم هذه الأرض وستمرغون أنوف أعداء اليمن والإنسانية والكرامة والذين باعوا أنفسهم للعدو”.

 

استشهاد القائد في جبهات العزة

في الثلاثين من أغسطس عام 2019، وبينما كان اللواء الحميري يؤدي واجبه الديني والجهادي والوطني في الإشراف على نقل الأسرى من مسرح العمليات إلى أماكن آمنة خلال عملية “نصر من الله”، استهدفه طيران العدوان الأمريكي السعودي بقصف غادر، فنال الشهادة التي طالما سعى إليها، ورفاقه من المرابطين، وهكذا اختتم مسيرة حافلة بالتضحية والعطاء، ليصبح واحداً من عظماء القادة العسكريين الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الدفاع عن الوطن، ليلتحق بزملائه القادة الشهداء أمثال الشهيد الملصي والشهيد القوبري والشهيد الحمزي وغيرهم من الأبطال.

 

تشييع مهيب.. صنعاء تودع بطلاً

شهدت العاصمة صنعاء مشهداً مهيباً في تشييع جثمان الشهيد اللواء الحميري وعدد من رفاقه، حيث توشحت جثامينهم بالعلم الجمهوري بعد الصلاة عليهم بجامع الشهداء. وسار الموكب الجنائزي في موقف يجسد أسمى معاني الوفاء والعرفان للتضحيات الجسيمة التي يجترحها أبطال الجيش واللجان الشعبية في سبيل الله  ودفاعاً عن المستضعفين.

وحظيت مراسم التشييع بحضور رسمي وشعبي رفيع، تقدمه نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الخدمات محمود الجنيد ونائب رئيس مجلس الشورى عبده الجندي وعضو مجلس الشورى اللواء أحمد الأشول ومساعد وزير الدفاع للموارد البشرية اللواء علي الكحلاني ورئيس هيئة العمليات اللواء الركن محمد المقداد وعدد من كبار القيادات العسكرية والأمنية والشخصيات السياسية والاجتماعية وأقارب الشهداء، في موقف يعكس المكانة الكبيرة التي كان يحتلها هذا القائد الباسل.

وقد ووري جثمان الشهيد الثرى في روضة الشهداء بالجراف، في رسالة تؤكد أن الدماء التي سالت على هذه الأرض ستظل رمزاً للعزة والكرامة، وأن مسيرة التضحية ستستمر حتى تحرير كل شبر من التراب الوطني.

 

سمات الشهداء العظماء على لسان القادة

جسدت سيرة الشهيد الحميري -كما ورد في أدبيات الإشادة بالقادة الشهداء- معاني الإخلاص المتجرد من الأنا، والمبادرة المتسارعة في الأداء، وتقوى الله في المسؤولية، والصبر الجميل، والتفاني في سبيل الله، والرشد والحكمة والتوازن النفسي بوعي حصيف وتقدير عالٍ للهدى بمفاهيمه الصحيحة، وهذه السمات التي وصفت بها أدبيات الإشادة أحد القادة الكبار تنطبق بجدارة على مسيرة اللواء الحميري التي ختمها بالشهادة في ميادين العزة والكرامة.

 

ختاما

يبقى الشهيد اللواء أمين الحميري رمزاً من رموز التضحية الوطنية، وأحد القادة العظماء الذين صنعوا بدمائهم وبطولاتهم صفحات مشرقة في تاريخ اليمن المعاصر، فمقاربة القيادة التي أرساها، تجعل الميدان على الكرسي والجندي على المنصب، تظل منهجاً لكل من يريد أن يترك بصمة في تاريخ الأمة، ومهما حاولت قوى العدوان طمس هذه السير العطرة، فإن سير الشهداء تبقى محفورة في وجدان الشعب اليمني، مؤكدا بدمه الزكي أن الشهادة ليست نهاية، بل هي بداية لخلود لا يعرفه إلا من اختاروا طريق العزة.

You might also like