العمل التعاوني في الميدان.. زراعة منتجة وخدمات تصل إلى القرى في الأرياف

تقدم المبادرات المجتمعية في مختلف المحافظات اليمنية الحرة نموذجًا متدرجًا للعمل التنموي المحلي، حيث تتكامل جهود الجمعيات التعاونية مع السلطات المحلية والجهات الفنية والمجتمع عبر حزمة واسعة من المبادرات،  إذ لا تقتصر هذه الجهود على تنفيذ مشروع واحد، بل تمتد إلى منظومة مترابطة تبدأ بفتح الطرق وتسهيل الوصول إلى المزارع والأسواق، وتنتقل إلى توفير البذور والمعدات والإرشاد، ثم حماية الإنتاج وتسويقه وتحويله إلى مصدر دخل مستدام للأسر.

يمانيون| محسن علي

تظهر أهمية هذا المسار في المناطق الريفية والجبلية، التي تتسبب التضاريس الصعبة والسيول في عزل قرى ومزارع عن الخدمات والأسواق، لذلك، أصبحت مبادرات شق الطرق ورصفها وصيانتها مدخلًا أساسيًا لتنشيط الاقتصاد المحلي، إلى جانب كونها استجابة مباشرة لحاجة المواطنين إلى التنقل الآمن ونقل المحاصيل والوصول إلى المدارس والمرافق الصحية.

طرق تفك العزلة
في محافظة حجة، تتواصل المبادرات المجتمعية لتأهيل شبكة من الطرق الريفية. ففي مديرية حرض، استُكملت أعمال استصلاح وتأهيل الطريق الممتد من قريتي الشعبات والمحصي مرورًا بالجفر وصولًا إلى سوق خضاض الشعبي، بما يسهل حركة المواطنين ويتيح للمزارعين نقل منتجاتهم واستخدام المعدات الزراعية للوصول إلى مزارعهم والأسواق.
وفي مديرية أفلح اليمن، أطلقت السلطة المحلية بالتنسيق مع الجمعية التعاونية مبادرة لردم وصيانة طريق الفصل الرابط بين مديريتي المحابشة وأفلح اليمن، بطول أربعة كيلومترات ويستفيد منه أكثر من ألفي نسمة، وتستهدف المبادرة معالجة الأضرار التي خلفتها السيول ورفع كفاءة الطريق، فيما دعا المشاركون الأهالي إلى مواصلة الإسهام في توفير الديزل لاستكمال الأعمال المتبقية.
كما شهدت مديرية وضرة تدشين أعمال قطع وتكسير الأحجار في طريق الحناك ـ مروح بمنطقتي دعقين والحناك، إلى جانب متابعة مبادرة رصف طرق قرى شراقي وضرة، والاستعداد لاستكمال أعمال الرصف في الموركة والذوالية والسيال والمناطق المجاورة، وتعكس هذه المشاريع اعتمادًا متزايدًا على المساهمة الشعبية، مع إسناد فني وتنظيمي من الجمعيات والسلطات المحلية.
وفي مديرية بني قيس، نفذ الأهالي مبادرة لإعادة تأهيل طريق عام بطول ستة كيلومترات، يربط مناطق اللعاكية وبني مهدي ودبران ويستفيد منه نحو 600 نسمة، أما في مديرية مستبأ، فركز الاجتماع التنسيقي على تطوير الدور التنموي للجمعية، واستكمال التقارير المالية ومتابعة القروض، ولا سيما المرتبطة بمشروعات مضخات الطاقة الشمسية، بما يضمن استدامة التمويلات وتوسيع دائرة المستفيدين.

المحويت وذمار.. طرق نحو الإنتاج
في محافظة المحويت، أُنجز نحو 30 في المائة من مبادرة رصف طريق حصن غيل بمديرية جبل المحويت، بعد رصف 300 متر حجري بعرض أربعة أمتار وتوسعة مسارات بطول 250 مترًا، وأسهم الأهالي بالمحروقات وأجور السائق، فيما وفرت وحدة التدخلات الإسمنت والديزل، مستفيدة من قاعدة تأسست خلال مرحلة سابقة رُصف فيها 200 متر من الطريق.
وفي مديرية الرجم، تتواصل أعمال شق طريق عشاص ـ المغارب ـ منحبة بطول ثلاثة كيلومترات، بمساهمة مجتمعية وشراكة محلية وفرت معدة الشق، إلى جانب دعم بالديزل، ولا يقتصر أثر الطريق على تسهيل حركة السكان، بل يمتد إلى نقل المحاصيل وإعادة إحياء زراعة البن في وادي عشاص، بالتوازي مع تفقد حقول إيضاحية للزراعة البينية لمحصول القمح.
أما في محافظة ذمار، فتتابع الجمعيات التعاونية مشاريع طرق متعددة في وصاب العالي وجبل الشرق، وبلغت نسبة الإنجاز في مشروع رصف طريق رسان وحل العنين بمديرية وصاب العالي 62 في المائة، بتكلفة تقارب تسعة ملايين و548 ألف ريال، فيما تتواصل أعمال شق وصيانة طرق أخرى تربط القرى بالمراكز والأسواق، وفي جبل الشرق، يجري تنفيذ مشروع شق طريق الصوقة بطول أربعة كيلومترات ونصف، بما يعزز الوصول إلى الأراضي الزراعية ويخدم السكان في المناطق الجبلية.

 

الزراعة تبدأ من البذرة
إلى جانب الطرق، تركز المبادرات على توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي ورفع جودة المحاصيل، ففي مديرية كعيدنة بمحافظة حجة، تسلمت الجمعية التعاونية 3.2 أطنان من البذور المحسنة، توزعت بين الذرة الشامية والسمسم الأسود والأرز، مع اعتماد آلية منظمة لإيصالها إلى المزارعين المستهدفين. وتزامن ذلك مع اجتماع ناقش التوسع في الزراعة المائية، وسرعة توزيع البذور مع هطول الأمطار، وتكامل الجهود الرسمية والمجتمعية.
وفي مديرية الحجيلة بمحافظة الحديدة، تسلمت الجمعية خمسة أطنان من البذور المحسنة للعام الزراعي 1448هـ، بهدف تشجيع زراعة المحاصيل الأساسية ورفع الإنتاج المحلي. كما ركزت الاجتماعات الزراعية في حجة على تجهيز الموسم الخريفي في تهامة، وغربلة البذور وتوفيرها، بما يساعد على رفع الإنتاجية وتحسين جودة المحاصيل.
وفي قفل شمر بمحافظة حجة، تفقدت قيادة المديرية والجمعية حقول الأرز في قرية القواري، مؤكدة أهمية التوسع في زراعة هذا المحصول وتذليل الصعوبات أمام المزارعين. وفي يريم بمحافظة إب، أظهرت زيارة حقول القمح والشعير في مزرعة رباط القلعة نموًا مشجعًا، مع التشديد على مواصلة الري والتغذية ومكافحة الآفات والاستعداد المبكر للحصاد للحد من الفاقد.

محاصيل واعدة
في مديرية ملحان بمحافظة المحويت، اطلعت الجمعية التعاونية على مزارع الكركم في وادي حطب، وناقشت احتياجات المزارعين وآلية تشكيل مجاميع تعاونية تسهّل التواصل والدعم. وتعد الجمعية الكركم محصولًا واعدًا لتعزيز الأمن الغذائي ورفع دخل المزارعين، فيما أبدت وزارة الزراعة استعدادها لتقديم الدعم الفني والإرشادي.
وفي مديرية حيفان بمحافظة تعز، نجح مرشد زراعي في استخلاص بذور الهيل الناضجة وزراعتها داخل مشتل منزلي، في تجربة قد تفتح المجال لإدخال المحصول إلى الخارطة الزراعية المحلية، وتبرز أهمية التجربة في تشجيع التنوع المحصولي وتقليل فاتورة الاستيراد والاستفادة من الخبرات الميدانية والإمكانات الذاتية.
كما ركزت جمعية مذيخرة بمحافظة إب على التوسع في زراعة الفاصوليا والذرة والبن والجوافة والمانجو، وتطوير الزراعة التعاقدية وسلاسل القيمة، وإنشاء مراكز للتجميع والتسويق بأسعار عادلة، وشملت الخطة تأهيل الحواجز والسدود، وتوزيع شتلات البن، وتفعيل الإرشاد الزراعي والصحة الحيوانية، إلى جانب برامج لتمكين النساء حرفيًا واقتصاديًا.

البن.. قيمة مضافة
شهدت محافظة المحويت تسليم أدوات تجفيف محلية للمجاميع الإنتاجية في جمعيتي جبل المحويت وحفاش، ضمن مشروع سلاسل قيمة البن، ويستفيد من المشروع نحو 100 مزارع عبر قروض بيضاء، فيما تهدف الأدوات إلى تحسين معاملات ما بعد الحصاد وخفض التكاليف ورفع جودة البن وتعزيز قدرته على المنافسة.
وترافق توزيع الأدوات مع جلسات توعوية حول أساليب التجفيف الحديثة، ما يعكس تحول الاهتمام من زيادة الإنتاج فقط إلى تحسين الجودة والتسويق، فالمحصول لا يحقق قيمته الاقتصادية كاملة إذا فقد جزءًا من جودته بعد الحصاد، ولذلك تمثل المعالجة والتجفيف والتعبئة مراحل أساسية في بناء سلسلة إنتاج أكثر كفاءة.

حماية الثروة الحيوانية
تحظى الثروة الحيوانية بحضور واضح في المبادرات الميدانية. ففي يريم، نفذت الجمعية النموذجية حملة لتحصين ومعالجة المواشي في قرى عزلة خودان، باستخدام دواء الإيفرمكتين المضاد للطفيليات، إلى جانب تقديم إرشادات للمربين حول الرعاية السليمة، كما وُزعت أدوية بيطرية لاستهداف أكثر من 1500 رأس من الأغنام والماعز في عزلتي خودان وأعماد.
وفي مديرية شرعب السلام بمحافظة تعز، دُشنت حملة طارئة لتحصين ومعالجة المواشي ضد مرض الدودة الحلزونية، مع توفير العلاجات والمستلزمات ومتابعة المناطق المستهدفة. وأكد القائمون على الحملة أهمية الإبلاغ المبكر وتعاون المربين لمحاصرة بؤر المرض، لأن حماية الحيوان تعني حماية مصدر دخل أساسي للأسر الريفية.
وفي بيت الفقيه بمحافظة الحديدة، جرى تفقد مركز تجميع الألبان والمجموعة الإنتاجية النموذجية في منطقة المسعودي، ويسهم المركز في جمع إنتاج عدة قرى وتطوير سلسلة قيمة الألبان، بما يساعد على تحسين دخل المربين وخفض فاتورة الاستيراد ودعم الاكتفاء الذاتي.

الجمعيات تبني مؤسساتها
لا تنفصل المشاريع الميدانية عن بناء المؤسسات التي تتولى إدارتها. ففي إب، عقد فرع الاتحاد التعاوني اجتماعًا موسعًا بمشاركة ثماني جمعيات، وناقش تفعيل الإدارات التنفيذية والوحدات ومنسقي العزل والمجاميع الإنتاجية، إلى جانب تحديث الأنظمة واللوائح وقواعد البيانات ورفع التقارير الدورية.
وفي ريمة، أجرت لجنة متخصصة تقييمًا لجمعية بلاد الطعام التعاونية، بهدف معالجة الاختلالات السابقة ورفع الكفاءة المالية والإدارية والفنية، أما في الحديدة، فناقش اجتماع موسع أوضاع الجمعيات الزراعية والسمكية، وأقر آلية للتصحيح وتكثيف الإشراف وإنشاء قاعدة بيانات محدثة للجمعيات.
وفي حجة، استُكملت الترتيبات النهائية لإشهار جمعية ريف حجة التعاونية، مع تجهيز قاعدة بيانات المنتسبين وتحديد مسار لمتابعة إشهار جمعيات أخرى في مدينة حجة والشغادرة ومبين،وتمنح هذه الخطوات العمل التعاوني إطارًا أكثر تنظيمًا، وتساعد المزارعين على توحيد مطالبهم وإدارة مشاريعهم بصورة مؤسسية.

التعليم وخدمة المجتمع
امتدت المبادرات إلى قطاع التعليم، إذ بُوشر العمل على معالجة الملاحظات الفنية في مدرسة التفوق بمديرية سنحان، تمهيدًا لاستكمال التشطيبات وافتتاحها، وفي مديرية كعيدنة بحجة، بنى الأهالي ثلاثة فصول دراسية في مدرسة أبو موسى الأشعري بتمويل ذاتي بلغ أربعة ملايين و144 ألف ريال، لتستوعب نحو 252 طالبًا وطالبة.
كما تواصلت في عمران أعمال استكمال وتشطيب صالة عمد بمديرية عيال سريح، لتخدم الأنشطة التنموية والمناسبات الاجتماعية، وتؤكد هذه المشاريع أن المشاركة المجتمعية لا تتجه إلى الزراعة والطرق فقط، بل تشمل المنشآت التعليمية والاجتماعية التي تعزز استقرار القرى وتوفر بيئة أفضل للسكان.

منتجات تحمي التراث
وفي مديرية الزهرة بالحديدة، تعمل الجمعية التعاونية على حصر الحرفيين ودعم صناعة «الخسف» المصنوعة من الغزل والنظم، وهي منتجات تستخدم سجادًا للمساجد وأغطية للعشش والأكواخ وأغراضًا منزلية متعددة. ويجمع هذا المسار بين حماية مصدر دخل الأسر التهامية والحفاظ على حرفة أصيلة وتعزيز الهوية الثقافية للمنطقة.

ختاما
وبينما يرزح اليمن تحت ظلم ووطأة الحصار الأمريكي السعودي الجائر تحولت الساحة اليمنية إلى حراك تعاوني واسع يتشكل من مشروعات صغيرة في حجمها، كبيرة في أثرها؛ طريق يربط قرية بسوق، وبذور تفتح موسمًا زراعيًا جديدًا، وحملة بيطرية تحمي مواشي أسرة، ومركز ألبان يحول الإنتاج المتفرق إلى قيمة اقتصادية، ومدرسة تستوعب أبناء المنطقة.
وتكمن أهمية هذه المبادرات في أنها لا تنتظر حلولًا بعيدة، بل تنطلق من الاحتياجات اليومية وتبني عليها شراكات محلية قابلة للتوسع. ومع استمرار تطوير القواعد المؤسسية والشفافية وتوجيه الدعم وفق الأولويات، يمكن للعمل التعاوني أن يتحول من استجابة ظرفية إلى نموذج مستدام للتنمية الريفية، يخفف العزلة، ويرفع الإنتاج، ويحمي مصادر الدخل، ويمنح المجتمعات المحلية قدرة أكبر على صناعة مستقبلها بأدواتها وإمكاناتها.

You might also like