معركة الْمَنْوَى .. آخر محاولة لإحياء الدولة الزيدية الأولى في مواجهة الدولة الصُّلَيْحِيَّة.
[459هـ / 1067م].
تُعَدُّ معركة الْمَنْوَى من أبرز المعارك السياسية والعسكرية في تاريخ اليمن خلال القرن الخامس الهجري، إذ مثَّلت آخر محاولة جادة لإحياء الدولة الزيدية الأولى بعد سقوطها على يد الدولة الصليحية سنة 444هـ/1052م.
وقد جاءت هذه المعركة في مرحلة اتسمت بتفوق الدولة الصليحية عسكريًا وسياسيًا، بينما كانت القوى المعارضة تسعى إلى استعادة نفوذها في شمال اليمن.
وقد ارتبطت هذه المعركة بالأمير حمزة بن أبي هاشم النفس الزكية، الذي قاد حركة معارضة واسعة ضد الحكم الصليحي، مستندًا إلى تأييد عدد من قبائل همدان، إلا أن حركته انتهت باستشهاده في معركة المنوى يوم 22 ذي الحجة 459هـ، الموافق 2 نوفمبر 1067م، لتطوى بذلك صفحة آخر الثورات الكبرى الرامية إلى إعادة الدولة الزيدية الأولى.
يمانيون/ صالح مقبل فارع.
◆ الأوضاع السياسية قبل المعركة:
بعد أن تمكن الملك علي بن محمد الصليحي من القضاء على الدولة الزيدية الأولى سنة 444هـ/1052م، أصبحت الدولة الصليحية القوة السياسية والعسكرية الأكبر في اليمن، ونجحت في توحيد معظم البلاد تحت سلطانها.
غير أن هذا الواقع لم يمنع ظهور محاولات متعددة لإحياء الحكم الزيدي، وكان أبرزها حركة الأمير حمزة بن أبي هاشم، الذي خرج محتسبًا من منطقة عمران سنة 458هـ/1065م، داعيًا إلى مقاومة النفوذ الصليحي واستعادة الحكم الزيدي.
وقد استمرت حركته أكثر من عام، واستطاع أن يجمع حوله عددًا كبيرًا من القبائل، إلا أن ميزان القوى ظل يميل بصورة واضحة إلى الدولة الصليحية.
◆ وفاة عَلِي الصليحي وتولي المكرم أحمد الحكم:
في سنة 459هـ/1067م قُتل الملك علي بن محمد الصليحي على يد سعيد الأحول، فتولى ابنه الملك الْمُكَرّم أحمد بن علي الصليحي مقاليد الحكم.
وكانت أول قضية واجهها الملك الجديد هي إنهاء ثورة الأمير حمزة، خشية أن تستغل اضطرابات انتقال السلطة لتوسيع نفوذها في شمال اليمن.
ولذلك، وبعد نحو أربعين يومًا فقط من توليه الحكم، أمر بتجهيز حملة عسكرية كبيرة بقيادة عامر بن سليمان الزواحي للقضاء على الْحَرَكَة.
◆ حشد القوات والاستعداد للقتال:
تحرك الجيش الصليحي من صنعاء بقيادة عامر بن سليمان الزواحي متجهًا نحو مناطق أرحب، حيث كان الأمير حمزة قد جمع أنصاره.
وفي المقابل استطاع الأمير حمزة أن يحشد جيشًا كبيرًا من قبائل:
– بكيل.
– نِهْم.
– وادعة.
وقد بلغ عدد مقاتليه نحو ثمانية آلاف مقاتل، وهو عدد كبير يعكس حجم التأييد القبلي الذي حظيت به حركته.
◆ مكان المعركة وتاريخها:
التقى الجيشان في منطقة أرحب، وتحديدًا في أرض الخشب بوسان، قرية المنوى.
ودارت المعركة يوم: 22 ذي الحجة 459هـ، الموافق 2 نوفمبر 1067م.
وعُرفت منذ ذلك التاريخ باسم معركة المنوى.
◆ أحداث الْمَعْرَكَة:
شهدت المعركة قتالًا عنيفًا بين الطرفين، إلا أن الجيش الصليحي كان أكثر تنظيمًا وخبرة، كما تمتع بقيادة عسكرية قوية.
وعلى الرغم من كثرة مقاتلي الأمير حمزة، فإن قواته لم تستطع الصمود أمام الهجوم الصليحي، فانتهت المعركة بانتصار الدولة الصليحية.
وخلال القتال استشهد الأمير حمزة بن أبي هاشم على يد القائد الصليحي عامر بن سليمان الزواحي.
كما قُتل في المعركة:
– نحو 800 من أتباعه.
– ابنه.
– سبعون شيخًا من مشايخ همدان.
وكانت هذه الخسائر ضربة قاصمة أنهت الحركة الزيدية المسلحة في تلك المرحلة.
◆ دَفْن الأمير حَمْزَة:
دُفن الأمير حمزة في الموضع الذي استشهد فيه عقب انتهاء المعركة.
ثم نُقل جثمانه في فترة لاحقة إلى قرية بيت الجالد بمديرية أرحب، حيث اشتهر قبره وأصبح من المواضع المعروفة في المنطقة.
◆ الثأر لمقتل حمزة:
لم تنته آثار المعركة باستشهاد الأمير حمزة، إذ تمكن ابنه علي بن حمزة بعد نحو عام، بالتعاون مع الأمير المحسن بن الحسن، من قتل قائد الجيش الصليحي عامر بن سليمان الزواحي في معركة وقعت بمنطقة الزواحي بين ثلاء وشبام.
وقد مثَّل مقتل الزواحي نوعًا من الثأر لمقتل الأمير حمزة، إلا أنه لم يؤدِّ إلى إعادة بناء الدولة الزيدية، إذ بقيت الدولة الصليحية مهيمنة على اليمن لسنوات بعد ذلك.
◆ النتائج التاريخية للمعركة:
أسفرت معركة المنوى عن نتائج بعيدة الأثر، من أهمها:
– القضاء على أكبر حركة زيدية معارضة للدولة الصليحية بعد سقوط الدولة الزيدية الأولى.
– تثبيت سلطة الملك المكرم أحمد الصليحي في بداية عهده.
– استمرار هيمنة الدولة الصليحية على معظم اليمن.
– تأجيل قيام دولة زيدية جديدة عدة سنوات، حتى ظهور الشريف الفاضل القاسم بن جعفر العياني الذي أسس الدولة الزيدية الثانية سنة 461هـ/1068م.
– تأكيد أهمية القبائل اليمنية في الصراعات السياسية والعسكرية خلال القرن الخامس الهجري.
◆ الخاتمة:
تُجسِّد معركة المنوى واحدة من المحطات المفصلية في تاريخ اليمن الوسيط، إذ لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين جيشين، بل كانت صراعًا بين مشروعين سياسيين؛ مشروع الدولة الصليحية التي بلغت أوج قوتها، ومحاولة إحياء الدولة الزيدية الأولى بقيادة الأمير حمزة بن أبي هاشم.
وبرغم انتهاء المعركة بانتصار الصليحيين واستشهاد الأمير حمزة، فإنها بقيت شاهدًا على استمرار المقاومة السياسية في شمال اليمن، كما مهدت الأحداث التي أعقبتها لظهور الدولة الزيدية الثانية بعد أقل من عام، لتستأنف الزيدية حضورها السياسي في تاريخ اليمن من جديد.
◆ المراجع والمصادر:
– أنباء الزمن في أخبار اليمن، تأليف: العلامة المؤرخ يحيى بن الحسين بن القاسم، مخطوط.
– الصُّلَيْحِيّون والحركة الفاطمية في اليمن، تأليف: حسين بن فيض الله الهمداني اليعبري الحرازي.
– غَايَةُ الأَمَانِيِّ فِيْ أَخْبَارِ القُطْرِ اليَمَانِيّ [ملخص أنباء الزمن]، تأليف العلامة المؤرخ: يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد بن عَلِي.
– اللَّطائِفُ السَّنِيَّةُ فِيْ أَخْبَارِ المَمَالِكِ الْيَمَنيةِ؛ تأليف: العلامة المؤرخ محمد بن إِسْمَاعِيْل الكبسي المتُوُفِّيَ 1308هــ.
– المُقْتَطَفُ من تَارِيْخ الْيَمَن، تأليف: عَبْداللَّهِ عَبْدالْكَرِيْمِ الْجِرَافِيّ.
– التُّحَفُ شَرْحُ الزُّلَفِ، تأليف الإمام مَجْدالدِّيْنِ مُحَمَّد الْمُؤَيَّدِيّ.
* * *