مجزرة تَنُوْمَةَ.. واحدة من أكثر المآسي في تاريخ الحجاج اليمنيين.

17 ذي القعدة 1341هـ، الْمُوَافِق: 30 يونيو 1923م.

تُعَدُّ مَجْزَرَةُ تَنُوْمَةَ واحدة من أكثر المآسي فِيْ تاريخ الحجاج الْيَمَنِيِّيْنَ، وواحدة من أكثر الأحداث التاريخية إثارةً للجدل في تاريخ اليمن الحديث، إذ ارتبطت بمقتل أعداد كبيرة من الحجاج اليمنيين أثناء توجههم لأداء فريضة الحج سنة 1341هـ / 1923م في منطقة تَنُومَة وسِدْوَانَ ببلاد بني شهر في عسير. وقد تناولت المصادر اليمنية هذه الحادثة بوصفها مجزرة كبرى استهدفت قافلة الحجاج اليمنيين، بينما ظلت تفاصيلها وأعداد ضحاياها محل اختلاف بين المؤرخين والباحثين، كما بقيت من أكثر الوقائع التي أثارت جدلًا سياسيًا وتاريخيًا بين اليمن والمملكة العربية السعودية.

يمانيون/ صالح مقبل فارع.

◆ خلفية الحادثة:

في صيف سنة 1341هـ الموافق 1923م، خرجت قوافل كبيرة من الحجاج اليمنيين قاصدة الديار المقدسة عبر الطريق البري المعتاد الذي يمر بعسير، وكانت المنطقة آنذاك تشهد اضطرابات عسكرية وسياسية متصلة بتوسع نفوذ قوات الملك عَبْدالعَزِيْزِ بن عَبْدالرَّحْمَنِ آل سعود في جنوب الجزيرة العربية، بعد سقوط إمارة آل عائض في عسير.

وبحسب الروايات اليمنية، تعرضت قافلة الحجاج لكمين في منطقتي تَنُومَة وسدوان صباح يوم 16 أو 17 ذي القعدة 1341هـ الموافق 30 يونيو 1923م، حيث قَامَت عصابات آل سُعُوْد بإطلاق الرصاص عَلَيْهِمْ غدرًا، وَهُمْ فِيْ أمان، وهم عُزَّل من السلاح، ثم تعرض كثير منهم للقتل، ولم ينجُ من القافلة إلا خَمْسَة أَشْخَاص فَقَطْ.

 ◆ وقائع المجزرة:

تصف المصادر اليمنية ما حدث بأنه عملية قتل جماعي استهدفت الحجاج العُزَّل أثناء مسيرهم إلى مكة الْمُكَرَّمَة لأداء فريضة الحج، فقُتِلَ الحُجاج كلهم، ولم ينجُ مِنْهُمْ إلا خَمْسَة أَشْخَاص، مؤكدة أن الضحايا كانوا من الرجال والنساء والأطفال وكبار السن والعلماء، وأن أموالهم ومتاعهم تعرضت للنهب بعد الهجوم.

وَأَكَّدَت المصادر أَنَّهَا كَانَتْ مجزرة كبيرة بوحشية ورعونة واستهانة بالدم البشري، كَمَا أَكَّدت بأنها جَرِيْمَة كبيرة ومجزرة وحشية لم يحث مثلها من قبل ووصمة عار فِيْ جبين آل سُعُوْد لَا يمحوها الزمن.

وتحمل هذه المصادر مسؤولية الحادثة للقوات التابعة للدولة السعودية الناشئة آنذاك، وتعتبرها من أكبر الجرائم التي ارتكبت بحق الحجاج اليمنيين في العصر الحديث، بينما لم تحظ الواقعة بتحقيق تاريخي مشترك يحسم جميع تفاصيلها بصورة نهائية، وهو ما جعلها محل نقاش بين الباحثين.

 ◆ عدد الضحايا:

اختلفت المصادر التاريخية في تحديد عدد شهداء تنومة وسدوان، فجاءت التقديرات متفاوتة على النحو الآتي:

– نحو 1000 شهيد عند المؤرخ العاملي.

1800 شهيد في رِوَايَة السياغي.

2000 شهيد عند المؤرخ زبارة.

– أكثر من 2000 شهيد في عدد من المصادر كجريدة القبلة.

– مَا بين 2600 – 2700 شهيد عند الإِرْيَانِيّ والأكوع وبعض الدراسات اليمنية.

3000 شهيد عند المؤرخَيْنِ زبارة وَالْوِاسِعِيّ، وَهُوَ الرقم الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الدَّوْلَة الْيَمَنِيَّة حَاليًّا، ويعتبر الإِحْصَائِيَّة الرَّسْمِيَّة النهائية.

3105 شهداء بحسب الإحصائية الرسمية التي أعلنتها الحكومة اليمنية آنذاك.

بينما رفع بعض المؤرخين العدد إلى 3500 أو 4000 شهيد، وَهَذَا مَا ذكره الْمُؤَيَّدِيّ وَالْجِرَافِيّ، ورفعه بعضهم إِلَى 6000 شهيد، كَمَا ذكره أَصْحَاب كُتُب: مائة عَام، والمطامع التوسعية فِيْ الْيَمَن، وَتَكْوِيْن الْيَمَن الْحَدِيْث.

ولذلك لا يوجد رقم متفق عليه بين جميع المصادر، إلا أن الرقم 3105 شهداء يُعد من أشهر الأرقام المتداولة في الرواية الرسمية الْيَمَنِيَّة، و٣٠٠٠ شهيد الرقم الذي استقرت عليه الدولة اليمنية حاليا، ويعتبر الإحصائية الرسمية النهائية.

◆ الأثر التاريخي:

مثلت مجزرة تنومة صدمة كبيرة للمجتمع اليمني في ذلك الوقت، إذ فقدت مئات الأسر ذويها أثناء أداء أحد أعظم الشعائر الإسلامية. كما أصبحت الواقعة رمزًا في الذاكرة التاريخية اليمنية، واستُحضرت في كثير من الكتابات والخطب السياسية والثقافية، خاصة في سياق الحديث عن العلاقات اليمنية السعودية وتاريخ الصراع بين البلدين.

وفي المقابل، يرى عدد من الباحثين أن الحادثة تحتاج إلى مزيد من الدراسة اعتمادًا على الوثائق التاريخية من مختلف الأطراف، نظرًا لاختلاف الروايات حول تفاصيلها والجهات المشاركة فيها وحجم الخسائر البشرية.

◆ مكانة الحادثة في الذاكرة الْيَمَنِيَّة:

ظلت مجزرة تنومة حاضرة في الذاكرة الشعبية لدى كثير من اليمنيين، ويُنظر إليها بوصفها من أكبر الكوارث التي أصابت الحجاج اليمنيين في العصر الحديث. كما يدعو عدد من الباحثين إلى توثيقها علميًا، وجمع الوثائق والشهادات المتعلقة بها، وإخضاعها للدراسة التاريخية المقارنة للوصول إلى صورة أكثر اكتمالًا ودقة عن أحداثها.

 ◆ خاتمة:

تبقى مَجْزَرَةُ تَنُومَة سنة 1341هـ / 1923م من أكثر الوقائع إثارةً للجدل في التاريخ اليمني الحديث، لما ارتبط بها من خسائر بشرية كبيرة واختلاف واسع في الروايات التاريخية بشأن تفاصيلها وعدد ضحاياها. وعلى الرغم من تباين المصادر، فإن الحادثة تمثل فصلًا مهمًا من تاريخ الحجاج اليمنيين، وتؤكد أهمية توثيق الأحداث التاريخية بالاعتماد على المصادر المتنوعة والمقارنة بينها، بما يسهم في تقديم قراءة تاريخية أكثر دقة وموضوعية للأجيال القادمة.

◆ المصادر والمراجع:

تَارِيخ الْيَمَن للواسعي الْمُسَمَّى: “فُرْجَةُ الْهُمُومِ وَالحَزَنِ فِيْ حَوَادِثِ تَارِيْخ الْيَمَنِ“، تأليف: العلامة المؤرخ: عَبْدالْوَاسِعِ بن يَحْيَى الواسعي اليماني، الدار اليمنية للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1984م، صــ264.
تكوين الْيَمَن الْحَدِيْث، اليمن والإِمَام يَحْيَى (1904 – 1948م)، د. سيد مصطفى سالم، مكتبة سعيد رأفت، جامعة عين شمس، الطبعة الثانية، 1971م، صـ340 – 341.
سِيْرَة الإِمَام يَحْيَى: سِيْرَة الإِمَامِ يَحْيَى بن مُحَمَّد حَمِيْدالدِّيْنِ المسماة “تنبيه الحكمة في سيرة إمام الأُمَّة“، تأليف: عَبْدالْكَرِيْمِ بن أَحْمَد مُطَهّر، تَحْقِيْق: الدُّكْتُوْر مُحَمَّد عِيْسَى صالحيه، جامعة اليرموك، دار البشير، عمّان، الأُرْدُن، الطبعة الأُوْلَى، 1418هـ – 1998م، [1/314]، [2/417] وما بعدها.
مِائَةُ عَام، كتاب إلكتروني، غير مضبوطة الصفحات، أَحْدَاث 1923م.
مجزرة الحجاج الكُبْرَى، د. حمود عَبْداللَّهِ الأهنومي، مركز شهارة للدراسات والبحوث، اليمن صنعاء، الطبعة الثالثة،1441هـ/2020م، صــ74 وَمَا بعدها، وصـ162-165.
المطامع السعودية التوسعية في اليمن، د. محمد علي الشهاري، دار ابن خلدون، لبنان، بيروت، الطبعة الأُوْلَى، 1979م، صـ112.
المُقْتَطَفُ من تَارِيْخ الْيَمَن، تأليف: عَبْداللَّهِ عَبْدالْكَرِيْمِ الْجِرَافِيّ، تَقْدِيْم: زيد بن علي الوزير، منشورات العصر الحديث، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1407هـ – 1987م، صـ304.

* * *

 

 

You might also like