من الحصار إلى فرض المعاملة بالمثل
يمانيون| بقلم: أمة الملك الخاشب
تصل الشعوب الحرة في مسار دفاعها عن كرامتها إلى نقطة فاصلة يتوقف عندها الصبر والتريث، ليصبح الفعل الثوري والميداني هو الخيار الوحيد لكسر اليد التي تخنق أطفالها وتستنزف ثرواتها.
إن التصعيد الأخير والتحرك لمنع الملاحة البحرية عن العدو، والتمهيد لعمليات نوعية تتصاعد تدريجياً، هو نتيجة طبيعية ومستحقة لسلسلة طويلة من الحصار والظلم ومحاولات تركيع الشعب اليمني، الذي أثبت للعالم أجمع أنه لن يقف مكتوف الأيدي وهو يرى أبناءه يموتون جوعاً ومرضاً وتُقطَع مرتباتهم وتُنهَب ثروات نفطه وغازه، بينما يبني العدو مشاريعه الضخمة ويصدر ملايين البراميل يومياً من قوت هذا الشعب الصامد.
- جذور الصراع والتناقضات الدولية: اثنا عشر عاماً من الخناق
اثنا عشر عاماً من الحصار الشامل والظلم الخانق، سنوات طويلة والناس تتجرع المرارة وتكابد معاناتها الكبيرة في قوتها وكل تفاصيل حياتها.
وموقفنا منذ اليوم الأول واضح وجلي: نحن شعب مظلوم، قضيتنا عادلة، ونحن المعتدى علينا.
هذا الحصار المفروض علينا هو حصار ظالم، باطل، وعدواني بامتياز، لا يملك أية مشروعية إنسانية أو قانونية، وكانت نتائجه كارثية بمعنى الكلمة، إذ أثقل كاهل كل بيت يمني وجلب معاناة لا يعلم حجمها إلا الله.
وبدلاً من الاستجابة لمطالبنا المحقة والإنسانية بفك هذا الخناق، اختار العدو السعودي المضيّ في طغيانه وإجرامه؛ فبدأ بالعدوان أولاً على مطار صنعاء الدولي —شريان الأمل لنقل الجرحى والمرضى والمسافرين— ثم امتد بطشه ليتطاول على مدينة وميناء الحديدة وجزيرة كمران، ليضرب المنافذ الوحيدة التي يدخل منها الغذاء والدواء لملايين الأبرياء، في إصرار واضح على تعميق الكارثة وزيادة أوجاع هذا الشعب الصابر.
وهنا ينبغي التأكيد على حقيقة أساسية يغالط فيها إعلام العدو: إن معركتنا اليوم مع النظام السعودي لا علاقة لها بأية أحداث أو حسابات بين دول أخرى في العالم، بل هي معركة تخص اليمن واليمن فحسب.
فالمشكلة ليست طارئة أو ناتجة عن صراع إقليمي بين السعودية وإيران، هي قضية حرية واستقلال وثوابت تاريخية.
فالنظام السعودي يعادي اليمن ويسعى لإضعافه واستهداف قياداته الوطنية عبر مختلف العصور المتلاحقة.
إن المطالب المطروحة -من رفع الحصار وفك الحظر عن الموانئ والمطارات ودفع المرتبات- هي حقوق يمنية أصيلة ومشروعة، وليست أوراقاً لأي طرف خارجي.
لقد أثبتت الأيام أن الهدنة التي أُعلنت عام 2022م لم تكن سوى وسيلة للمماطلة وشرعنة الحصار؛ إذ تم اختزال حقوق شعب كامل في مجرد “تيسير دخول 18 سفينة وقود، ورحلتين جويتين أسبوعياً عبر مطار صنعاء”، وكانت مجرد خطوة مؤقتة لم يُلتزم بها.
وفي المقابل، ظهر التناقض الصارخ للدول التي سارعت لإدانة التحركات اليمنية؛ فهذه الدول هي نفسها التي باركت وشاركت في العدوان، وهي نفسها التي لم تجرؤ على إصدار بيان إدانة واحد ضد الجرائم والوحشية التي ارتكبها العدو الصهيوني في غزة على مدى عامين من طوفان الأقصى.
وكما أكدت بيانات وزارة الخارجية في صنعاء، فإن اليمن لا ينتظر ممن خذلوا الشعب الفلسطيني وتآمروا على قضيته العادلة أن يقفوا اليوم مع مظلوميته أو ينصفوا حقوقه المشروعة؛ فمواقف تلك الدول لا تنطلق من حرصٍ على الاستقرار، بل هي مجرد مواقف مدفوعة الثمن ومجاملات سياسية على حساب دماء المستضعفين.
- لغز النفسية اليمنية وحظر الحروب النفسية الموازية
في مقابل الصمود الشعبي والعسكري، تقف أدوات العدو وإعلامه المأجور في الداخل والإقليم لتلعب دوراً مشبوهاً ومفضوحاً؛ فهؤلاء النفعيون والمرجفون لا عمل لهم سوى ممارسة التشكيك والتثبيط في كل مرحلة.
فإذا تريثت صنعاء في اتخاذ القرار اتهموها بالتردد والتأخر، وإذا قررت الرد والتحرك شككوا في قدرتها على التنفيذ، وإذا ضربت ونفذت وعدها قللوا من أثر الضربات ووصفوها بالضعف.
إن هدف هذا الطابور هو ضرب الروح المعنوية وثقة الناس بالجيش والقيادة، لكن رهاناتهم خائبة وعاقبتهم وخيمة؛ فالوعي الشعبي أصلب من شائعاتهم، والسنن الإلهية والتاريخية تؤكد أن النصر في النهاية هو حليف أصحاب الحق الصابرين، وأن المرجفين لن يجنوا سوى الخسران والخِذلان.
وأمام هذه الحروب النفسية، تبرز حالة فريدة تُعجز التفسيرات التقليدية وتجعل المتابعين يتساءلون بدهشة: “ما هذا يا شعب اليمن؟ حيرتم علماء النفس وحيرتم العالم!”
إن الاستجابة الجماعية للمواجهة لدى هذا الشعب لا تخضع لمعايير الخوف أو الانكفاء، بل تتحول الاعتداءات والتهديدات إلى مصدر يقين وثبات وابتهاج بالرد القادم.
فبالأمس القريب يخرج اليمنيون إلى ميدان السبعين تلقائياً بدون أي ترتيب أو تنسيق ليطلقوا الألعاب النارية فرحاً وابتهاجاً بإعلان حظر الملاحة على السفن السعودية.
واليوم، ولم تمضِ دقائق معدودة على إعلان أن السعودية اعتدت على ميناء الحديدة، إلا والجميع فرحان ويعبر عن سعادته لأن القيادة السعودية قد أساءت التقدير وورطت نفسها، إدراكاً من الشارع بأن هذا الاعتداء يمنح القوات المسلحة اليمنية الشرعية الكاملة والمبرر الميداني الحاسم ليكون الرد القادم في عمق منشآتهم النفطية بحسب بيان القوات المسلحة.
إن الشارع اليمني، بوعيه المتجذر ونفسيته الصامدة، بات مشتاقاً لرؤية الأدخنة تتصاعد مجدداً من بقيق ورأس تنورة؛ إيماناً بأن كسر الحصار واقتلاع صلف العدوان لن يتحققا إلا بفرض معادلة الألم المتكافئ وتدفيع المعتدي أثمن الأثمان في منشآته الحيوية.
- استشراف المستقبل: معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”
إن قرار فرض الحظر على الملاحة البحرية للعدو يفتح الباب أمام مرحلة جديدة كلياً في تاريخ المنطقة، يجسدها ما أكده السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في كلمته بتاريخ 16 يوليو، حيث شدد على أن “الشعب اليمني لن يتفرج على محاصرته وتجويعه وقطع مرتباته بينما يهنأ العدو بأسواقه وتجارته ونفطه، وأن خيار الانضباط والصبر الممتد قد انتهى ليحل محله الانتزاع الفعلي للحقوق فرضاً في الميدان”.
وبناءً على ذلك، أصبحت معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد هي الموجه الأساسي للميدان.
وما حدث مجرد عمليات افتتاحية تمهيدية حققت نجاحاً كبيراً وصادماً للعدو السعودي.
وفي القادم، ستضرب القوات المسلحة اليمنية قطاع الطاقة بلا هوادة وبشكل تدريجي متسارع، وخصوصاً:
محطات الضخ الرئيسية.
وحدات التكرير والمعالجة.
محطات الطاقة والخدمات المساندة.
إن هذه المعادلة تضع الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما:
- الخيار الأول: رفع الحصار الشامل، إنهاء الاحتلال، إعادة إعمار ما تم تدميره، وتعويض أبناء اليمن عن كافة الأضرار؛ وعندها تنتهي المشكلة برمتها وتعيش الدولتان في أمن واستقرار.
- الخيار الثاني: استمرار الحصار والصلف؛ وعندها ستكتوي المنطقة بأكملها بنار التصعيد، وسيعيش الجميع في حصار ومعاناة متكافئة.
أما خيار السكوت والاستسلام للواقع المأساوي السابق فقد أصبح من سابع المستحيلات.
لم تتعظ السعودية بعد من تجارب السنوات الماضية، وكأنها لم تدرك أن هذا المسار لا أفق له، وأن الوعود الأمريكية بالحماية ليست سوى وهم وسراب.
إن الشعب اليمني شعب مقاتل أشدّاء، صاحب نفس طويل، واعتاد الصبر وتكيف مع المعاناة.
أما النظام السعودي وحلفاؤه الذين اعتادوا حياة النعيم والرفاهية، فلن يتحملوا تبعات استمرار هذه المعادلة طويلاً، وسيهرعون قريباً للوساطات؛ بحثاً عن مخرج بعد أن أدركوا أن غضب هذا الشعب الصامد عصيٌّ على الإخضاع أو الإركاع.
لن يتحملوا كثيراً وسيهرولون للوساطات يبكون بدل الدموع دماً، يبكون ندماً أنهم لم يتركوا شعب اليمن في حاله وظلوا وراءه يحيكون له المؤامرات حتى كان غضب هذا الشعب سبباً في زوال ملكهم.
من يستطيع إركاع اليمن؟ لا أحد.
لم تتعظ السعودية بعد من تجربة ثماني سنوات من الحرب على اليمن، وكأنها لم تدرك أن هذا المسار لا أفق له ولا يفضي إلى أية نتيجة.
إن إشعال المنطقة لن يحقق الاستقرار لأحد، وكل الوعود الأميركية بالحماية والدفاع ليست سوى وهمٍ وسراب، والتجارب السابقة خير شاهد على ذلك.
من يستطيع إخضاع اليمن؟ لا أحد.
ومن يستطيع كسر إرادة قوى المقاومة في المنطقة؟ لا أحد.
فالحروب قد تُشعل الجبهات، لكنها لا تغيّر الحقائق التي فرضتها الوقائع على الأرض.
إن التحرك البحري والعسكري الحاسم سيضع الجميع أمام خيارين: إما رفع الحصار كلياً، وفتح الموانئ والمطارات، ودفع المرتبات من الثروات الوطنية، وإما استمرار التصعيد الذي ستكتوي بناره المنطقة بأكملها.
إن المستقبل القريب يحمل معادلة جليّة: الحقوق تُنتزع ولا تُوهب، واليمن اليوم يمتلك الإرادة والقوة لفرض السيادة الكاملة.