مَجَاعَةُ 1905م.. عَام الجوع الأَكْبَر في تاريخ اليمن الحديث.

1322هـ / 1905م.

تُعَدُّ سنة 1322هـ/1905م من أشد السنوات قسوةً وألمًا في التاريخ اليمني الحديث، حتى عُرِفت بين الناس بـ سنة الجوع؛ فقد شهدت اليمن خلالها مجاعةً واسعة النطاق راح ضحيتها مئات الآلاف من اليمنيين، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، والحروب المستمرة بين اليمنيين والقوات العثمانية خلال فترة الاحتلال العثماني الثاني لليمن.

وجاءت هذه الكارثة الإنسانية في وقت كانت فيه البلاد تشهد ثورةً واسعة ضد الحكم العثماني بقيادة الإمام يحيى بن محمد حميدالدين، الذي واصل حركة المقاومة التي بدأها والده الإمام محمد بن يحيى حميدالدين ضد الدولة العثمانية، بهدف إخراج القوات التركية من اليمن واستعادة الحكم اليمني.

 

يمانيون/ صالح مقبل فارع.

 

◆ أولًا: الأوضاع السياسية والعسكرية قبل المجاعة:

في عام 1322هـ/1904م تَمَّتْ مبايعة الإمام يَحْيَى مُحَمَّد حَمِيْدالدِّيْنِ إمامًا شَرْعِيًّا فِيْ الْيَمَن، فِيْ حين كَانَتْ الْيَمَن تحت الاحْتِلال الْعُثْمَانِيّ الثَّانِي، وَكَانَ واليها آنذاك تَوْفِيْق بَاشَا، فواصل الإِمَام يَحْيَى الثورة ضد الْعُثْمَانِيِّيْنَ الأَتْرَاك الَّتِي كَانَ قد ابتدأها والده الإِمَام الْمَنْصُوْر مُحَمَّد حَمِيْدالدِّيْنِ، فأعلن النفير العام، ودعا القبائل اليمنية إلى الاجتماع تحت رايته لمواجهة القوات العثمانية.

واجتمعت القبائل عنده في منطقة القَفْلَة (قَفْلَة عِذَر) في بلاد حاشد، [هِيَ الآن إِحْدَى مُدِيْرِيَّات مُحَافَظَة عمران]، ثم تحرك الإِمَام يَحْيَى بهذه الْقَبَائِل نحو صنعاء، وخاض سلسلة من المعارك العنيفة ضد القوات العثمانية، تمكن خلالها من السيطرة على مناطق واسعة، منها:

– معظم مناطق حجة.

– عمران.

– المحويت.

– صعدة.

– مناطق واسعة شمال صنعاء وغربها وجنوبها.

وبعد تلك الانتصارات وصل الإمام يحيى إلى مشارف صنعاء، وفرض عليها حصارًا شديدًا، كما أرسل قوات أخرى لمحاصرة المدن التي بقيت تحت السيطرة الْعُثْمَانِيَّة كذمار وإب.

وأصبح معظم اليمن في حالة حصار وحرب، ولم تبقَ خارج دائرة الحصار إلا مدينتا “الْحُدَيْدَة” و “تَعِز” تَقْرِيْبًا(1).

 

◆ ثانيًا: أسباب المجاعة وانتشار الجوع:

كان الحصار الطويل، والمعارك المتواصلة، وتعطل طرق التجارة والزراعة، وانقطاع وصول المؤن الغذائية، من أهم الأسباب التي أدت إلى وقوع المجاعة.

فقد أدى الصراع العسكري بين الإمام يحيى والعثمانيين إلى انهيار الوضع الاقتصادي في البلاد، وتوقُّف حركة الأسواق، وارتفعت أسعار المواد الغذائية، وانتشر الفقر بين السكان.

ومع استمرار الحصار على صنعاء والمدن الأخرى، بدأت المجاعة تضرب مختلف المناطق اليمنية، حتى أصبح الناس يموتون في الطرقات والبيوت والأسواق بسبب الجوع الشديد.

 

◆ ثالثًا: حجم الكارثة وعدد ضحايا المجاعة:

ذكر المؤرخ عَبْدالْوَاسِعِ الواسعي في كتابه تاريخ الْيَمَن(2) أعدادًا كبيرة ممن ماتوا بسبب الجوع في عدد من المناطق اليمنية، ومن ذلك:

– وفاة نحو 61 ألف شخص من أهل إب وآنس وتعز بسبب الجوع.

– وفاة نحو 13 ألف شخص من جَبْلَة وما حولها.

– وفاة نحو 1600 شخص من قرية القابل في وادي ظهر وحدها.

– وفاة نحو 5000 شخص من أهل الرُّجُم في الْمَحْوِيْت.

– العثور على 51 جثة ملقاة على قارعة الطريق في وادي سهام.

أما في مدينة صنعاء فقد اشتد الجوع إلى درجة كبيرة حتى ذكر المؤرخون أن نصف سكان المدينة ماتوا من الجوع.

وفي مناطق مثل عمران والحَيْمَة كانت الجنائز تخرج يوميًا من القرى بأعداد كبيرة، حتى عجز الناس عن دفن الموتى(3).

 

◆ رابعًا: صور من معاناة اليمنيين أثناء المجاعة:

بلغت المجاعة درجة مأساوية غير مسبوقة، ومن صور تلك المعاناة:

– اضطر بعض سكان خولان إلى أكل التِّبْنِ بسبب شدة الجوع.

– مات عدد كبير من الجنود بسبب نقص الطعام.

– اضطر بعض الناجين إلى أكل الحيوانات التي لا تُؤْكَلُ عادة، مثل الكلاب والقِطَطَ.

– وقعت حوادث مأساوية بسبب اليأس والجوع الشديد.

– ترك بعض الناس أبناءهم في الطرقات لأنهم عجزوا عن توفير الطعام لهم.

– قام بعض الناجين في صنعاء بنهب البيوت بحثًا عن الطعام بعد أن نفدت الْمُؤَن.

– أحدهم من خارج صنعاء ذبح ابنته وأكلها.

لقد كانت المجاعة اختبارًا قاسيًا للشعب اليمني، وكشفت حجم المعاناة التي سببها استمرار الحرب والحصار وانهيار الأوضاع الاقتصادية.

 

◆ خامسًا: دخول الإمام يحيى صنعاء وانتهاء الحصار:

أمام هذه الأوضاع الصعبة، ومع استمرار حصار صنعاء، اضطرت القوات العثمانية إلى تسليم المدينة.

وفي شهر صفر 1323هـ/أبريل 1905م انسحبت القوات العثمانية من صنعاء، وتركت وراءها الأسلحة والذخائر، ودخل الإمام يحيى حميدالدين مَدِيْنَة صَنْعَاء على رأس قواته فِيْ 16 صفر 1323هـ، الْمُوَافِق: 21 أبريل 1905م(4).

وبعد دخول صنعاء اتَّخَذَ الإمام يحيى من دار الحجر فِيْ قَرْيَة القابل بوادي ظهر مَقرًا له.

أما القوات العثمانية فانسحبت إلى مناخة في بلاد حراز(5).

وقبل خروج العثمانيين من صَنْعَاء وقعت عدة مواجهات عسكرية حول المدينة، منها:

جبل نُقُم.

الجراف.

الجرداء.

عَصِر(6).

وانتهت هذه المواجهات بانتصار قوات الإمام يحيى، وأصبح تحت سيطرته معظم اليمن.

 

◆ سادسًا: نتائج المجاعة وَالْحَرْب:

بعد سقوط صنعاء في يد الإمام يحيى، جرى الصلح بينه وبين الدولة العثمانية، وأصبح الإمام يسيطر على معظم المناطق اليمنية، ولم يبقَ للعثمانيين إلا بعض المناطق، منها:

إب.

تعز.

حراز.

تهامة.

قُفْل شَمْر في بلاد الشَّرَفَينِ بِحَجَّةَ(7).

لكن آثار المجاعة بقيت عميقة في المجتمع اليمني، فقد فقدت البلاد أعدادًا ضخمة من سكانها، وتراجعت الزراعة والتجارة، وانتشرت الأمراض والفقر.

وتبقى مجاعة عام 1905م واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية التي شهدها اليمن، ودليلًا على ما يمكن أن تخلّفه الحروب والحصار من مآسٍ تطال المدنيين قبل غيرهم، وقد بقيت هذه السنة راسخة في الذاكرة اليمنية باسم “عام الجوع الأكبر”.

 

◆ خاتمة:

كانت مجاعة اليمن عام 1322هـ/1905م واحدة من أعظم الكوارث الإنسانية التي عرفها اليمن في العصر الحديث، ولم تكن نتيجة عامل واحد، بل جاءت بسبب اجتماع الحرب والحصار والانهيار الاقتصادي وضعف الإمدادات الغذائية.

وقد ارتبطت هذه السنة بمرحلة مفصلية في تاريخ اليمن، إذ تزامنت مع صعود قيادة الإمام يحيى حميدالدين، وقرب انتهاء مرحلة من الصراع مع الدولة العثمانية، لكنها تركت جرحًا عميقًا في ذاكرة اليمنيين بسبب العدد الهائل من الضحايا الذين سقطوا جوعًا.

 

◆ الهوامش:

([1]) تاريخ الْيَمَن للواسعي صـ197، الْمُقْتَطَف صـ290.
(2) تاريخ اليمن للواسعي صـ198.
(3) الجامع الْوَجِيْز.
(4) الحكم الْعُثْمَانِيّ في اليمن [1872 – 1918م]، د. فاروق عثمان أباظة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986م، صــ163.
(5) التَّارِيْخ الْعَسْكَرِيّ لِلْيَمَنِ صــــ41 – 42.
(6) التَّارِيْخ الْعَسْكَرِيّ لِلْيَمَنِ صـــ41 – 42.
(7) الْمُقْتَطَف صـ291، تاريخ اليمن للواسعي صــ197 وما بعدها.

 

◆ المصادر والمراجع:

تَارِيخ الْيَمَن للواسعي الْمُسَمَّى: “فُرْجَةُ الْهُمُومِ وَالحَزَنِ فِيْ حَوَادِثِ تَارِيْخ الْيَمَنِ“، تأليف: العلامة المؤرخ: عَبْدالْوَاسِعِ بن يَحْيَى الواسعي اليماني، الدار اليمنية للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1984م.
التَّارِيْخ الْعَسْكَرِيّ لِلْيَمَنِ (1839 – 1976م)، تأليف: سلطان ناجي، دار العودة، بيروت، الطبعة الثانية، 1985م.
الجَامِع الْوَجِيْز في وفيات العلماء أولي التبريز، تأليف العلامة الجنداري، المكتبة الزَّيْدِيَّة الإلكترونية، غير منضبطة الصفحات.
الحكم الْعُثْمَانِيّ في اليمن [1872 – 1918م]، د. فاروق عثمان أباظة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986م.
المُقْتَطَفُ من تَارِيْخ الْيَمَن، تأليف: عَبْداللَّهِ عَبْدالْكَرِيْمِ الْجِرَافِيّ، تَقْدِيْم: زيد بن علي الوزير، منشورات العصر الحديث، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1407هـ – 1987م.
* * *

 

You might also like