من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج.. التعاونيات في قلب معركة السيادة الغذائية

لم تعد الزراعة والعمل التعاوني في اليمن مجرد نشاط اقتصادي تقليدي، بل تحولا خلال سنوات ما بعد ثورة الواحد والعشرين من سبتمبر إلى أحد أبرز مسارات إعادة توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج المحلي والاعتماد على الذات والسيادة الغذائية. وتكشف الأرقام المعلنة عن مسار يقوم على توسيع قاعدة المنتجين، وحشد رأس المال المجتمعي، واستصلاح الأراضي، وبناء سلاسل القيمة، وحماية المنتج الوطني.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

198 جمعية.. و215 ألف منتسب

بدأ التحول من إعادة بناء المؤسسة التعاونية؛ إذ جرى تأسيس وإشهار 198 جمعية تعاونية زراعية متعددة الأغراض، وإنشاء 15 فرعاً للاتحاد التعاوني الزراعي في المحافظات، فيما بلغ عدد المنتسبين 215,180 مواطناً ومزارعاً،
ولم يقتصر الأمر على العضوية، بل جرى الاكتتاب بـ 421,331 سهماً، برأس مال مجتمعي تجاوز 2.233 مليار ريال، بما يعكس توجهاً لتحويل المدخرات والموارد المحلية إلى رأس مال إنتاجي يملكه المجتمع ويخدم احتياجاته.

20 ألف مبادرة.. المجتمع ينتج التنمية

تجاوز العمل التعاوني حدود النشاط الزراعي المباشر إلى تعبئة المجتمع لتنفيذ نحو 20 ألف مبادرة شملت الطرق الريفية، والسدود والحواجز المائية، والقنوات الزراعية واستصلاح الأراضي،  وتكتسب هذه المبادرات قيمة اقتصادية مضاعفة؛ فالطريق يخفض تكلفة نقل المحاصيل، والسد يحفظ المياه، واستصلاح الأرض يوسع القاعدة الإنتاجية، بما يجعل المبادرة المجتمعية استثماراً مباشراً في الاقتصاد المحلي.

100 ألف هكتار في تهامة.. و18 ألفاً للقمح في الجوف

في تهامة، أسهمت الجمعيات التعاونية في استصلاح وتوسيع المساحات الزراعية لتصل، وفق البيانات المعلنة، إلى نحو 100 ألف هكتار، فيما اتسعت المساحة المزروعة بالقمح في الجوف إلى 18 ألف هكتار، مع إنتاج تجاوز مليون كيس من القمح خلال العام،  وهنا تتغير المعادلة الاقتصادية: فالأرض التي كانت تمثل مورداً غير مستغل تتحول إلى أصل إنتاجي، والقمح الذي كان يمثل بنداً رئيسياً في الاستيراد يتحول إلى فرصة لتقليص الفجوة الغذائية.

الحليب.. نموذج الاقتصاد الذي يبدأ من المزرعة وينتهي بالسوق

تقدم استراتيجية توطين صناعة الحليب نموذجاً أكثر وضوحاً للتحول من الإنتاج الأولي إلى اقتصاد سلاسل القيمة،  فبين يونيو 2023 ونهاية 2025 ارتفعت الطاقة الإنتاجية اليومية للحليب في تهامة من 16,470 لتراً إلى 157,000 لتر، بينما ارتفع عدد الأبقار المنتجة من 4,186 إلى 40 ألف بقرة، بنمو في الطاقة الإنتاجية يتجاوز 850%،  وبلغ الإنتاج التراكمي المعلن 81,468,795 لتراً بقيمة تجاوزت 34.5 مليار ريال، فيما تجاوز الدعم الحكومي للمنتجين 8.4 مليارات ريال،  وعند إنتاج 157 ألف لتر يومياً وسعر 320 ريالاً للتر، تصل قيمة الإنتاج اليومية إلى 50.24 مليون ريال، يضاف إليها 12.56 مليون ريال كدعم يومي وفق البيانات المعلنة، ليصل إجمالي التدفق اليومي المحسوب إلى نحو 62.8 مليون ريال.

أكثر من 100 ألف فرصة مرتبطة بسلسلة الحليب

لم تكن الزيادة في إنتاج الحليب زيادة في سلعة واحدة؛ فقد نشأت حولها منظومة متكاملة شملت الأعلاف، والرعاية البيطرية، والتجميع، والنقل والتصنيع،  وتشير البيانات إلى توفير أكثر من 20,884 فرصة عمل مباشرة في الحديدة، ونحو 100 ألف فرصة عمل بصورة أوسع، يستفيد منها أكثر من 104 آلاف نسمة،  كما جرى إنشاء 10 عيادات بيطرية يعمل فيها 420 عاملاً صحياً، وتوفير أعلاف تبلغ قيمتها نحو 34.7 مليون ريال يومياً، إلى جانب 27 وسيلة نقل مبردة و1,100 عبوة لجمع الحليب،
وفي مجال تمكين المنتجين، تم إقراض 1,500 مستفيد بأبقار إنتاجية، بينهم 1,045 من الفئات الأشد احتياجاً.

الإنتاج المحلي.. عملة صعبة تبقى داخل اليمن

تكشف المؤشرات المعلنة أن توطين إنتاج الحليب أسهم في توفير نحو 19.07 مليون دولار سنوياً من فاتورة الاستيراد، بالتوازي مع ضخ أكثر من 34.5 مليار ريال في السوق المحلية، وهنا تتضح العلاقة بين الزراعة والاقتصاد الكلي،  كل سلعة تُنتج محلياً بدلاً من استيرادها تعني تقليل الطلب على العملة الأجنبية، وإبقاء جزء من القيمة داخل الدورة الاقتصادية الوطنية.

57 جمعية و42 سلسلة إنتاجية

ولضمان انتقال التجربة من المبادرات إلى الاستدامة، يجري استهداف 57 جمعية نموذجية للتدخل في 42 سلسلة زراعية ونباتية وحيوانية من مرحلة الإنتاج حتى التسويق، مع تقييم إداري ومالي وفني وتنظيمي لـ 28 جمعية،  وهذا يعني أن الرهان لم يعد على زيادة الإنتاج فقط، بل على إدارة العملية كاملة من الإنتاج إلى التسويق.

حماية المنتج.. الوجه الآخر لمعركة الإنتاج

ترافق التوسع الإنتاجي مع قرارات لحماية المنتجات المحلية؛ إذ أُعلن منع استيراد 38 صنفاً من المنتجات النباتية والحيوانية والسلع التحويلية التي حققت مستويات كفاية محلية، مع تقدير وفر سنوي يصل إلى نحو 125 مليون دولار من فاتورة الاستيراد، وبذلك تتكامل معادلة الإنتاج، لا يكفي أن ننتج، بل يجب أن يجد المنتج المحلي سوقاً قادراً على استيعابه، بما يحفز المزارع والمنتج على الاستمرار والتوسع.

ختاما ..

تكشف هذه المؤشرات عن تحول في بوصلة الاقتصاد، من الاستيراد إلى الإنتاج، ومن المستهلك إلى المنتج، ومن رأس المال المتفرق إلى رأس المال المجتمعي، ومن بيع المواد الخام إلى بناء سلاسل القيمة، والنتيجة:  198 جمعية، 215 ألف منتسب، 2.233 مليار ريال رأس مال مجتمعي، 20 ألف مبادرة، 100 ألف هكتار في تهامة، 18 ألف هكتار للقمح في الجوف، 157 ألف لتر حليب يومياً، أكثر من 34.5 مليار ريال قيمة إنتاج حليبي، أكثر من 100 ألف فرصة عمل، و125 مليون دولار وفر محتمل من الاستيراد،  ليست هذه الأرقام، في دلالتها الاقتصادية، مجرد حصيلة مشاريع متفرقة؛ إنها تعكس محاولة لبناء نموذج يجعل الأرض ورأس المال والمجتمع والإنتاج في دورة اقتصادية واحدة،  ومن هنا تبرز التعاونيات باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية في معركة السيادة الغذائية: أن ينتج اليمني ما يستطيع إنتاجه، وأن تبقى قيمة إنتاجه داخل اقتصاده، وأن تتحول موارده المحلية من إمكانات معطلة إلى قوة اقتصادية منتجة،  إن الانتقال من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج لا يبدأ من الأسواق وحدها، بل يبدأ من الأرض، ومن المنتج، ومن المجتمع الذي يمتلك الإرادة والقدرة على تحويل موارده إلى إنتاج؛ وحين تصبح التعاونيات حلقة الوصل بين هذه العناصر، فإنها تتحول من إطار تنظيمي إلى رافعة للاقتصاد المحلي وركيزة لمعركة السيادة الغذائية.

You might also like