القرآن يصنع الإنسان الذي يتحرك.. والأمة التي تقيم القسط
تكشف مضامين الدرس الرابع والعشرين من دروس رمضان للشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه، عن رؤية متكاملة لوظيفة القرآن الكريم في بناء الإنسان والمجتمع؛ رؤية تتجاوز التعامل مع القرآن باعتباره مصدرًا للوعظ والمعرفة المجردة، إلى اعتباره منهجًا لصناعة إنسان عملي، وأمة قائمة بالقسط، ووعي يتحول إلى موقف ومسؤولية وحركة في الواقع.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
القرآن.. بناء لا مجرد تلاوة
ينطلق الشهيد القائد من سؤال جوهري: ماذا يبني القرآن في الإنسان؟ ويجيب: «أليس هو يبني إنساناً عملياً؟ ويبني أمة قوامة بالقسط؟»، فالمطلوب، وفق هذه الرؤية، ليس قارئًا يكتفي بالتلاوة، ولا واعظًا ينفصل عن قضايا مجتمعه، وإنما إنسان تتحول معارفه القرآنية إلى سلوك وموقف وعمل ومسؤولية، وهنا تصبح العلاقة بالقرآن علاقة تغيير وبناء، لا مجرد تحصيل للمعرفة.
الدعوة.. صناعة للوعي وإقامة للقسط
من أبرز دلالات الحديث إعادة تعريف مفهوم الدعوة؛ فهي ليست مجرد وعظ للناس، بل جزء من مشروع بناء الأمة وإقامة القسط.
ومن هنا يؤكد الشهيد القائد أهمية امتلاك «رؤية متكاملة بالنسبة للإنسان أمامه»؛ لأن الناس ليسوا نمطًا واحدًا في الاستجابة، فمنهم المؤمن، والمتردد، والرافض، والساخر، ومن لا تنفع معه الوسائل مهما تنوعت، إن إدراك هذه الحقيقة يحمي العامل من الإحباط، ويمنعه من تفسير كل رفض على أنه فشل، أو تغيير طريقه استجابة لكل اعتراض.
لا إحباط أمام السخرية والرفض
يستحضر الشهيد القائد قوله تعالى: {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}، ليؤكد أن السخرية ليست معيارًا للحقيقة، وأن صاحب الرسالة مطالب بأن يبقى مستقيمًا، واثقًا من طريقه، مواصلًا لعمله، دون إحباط أو يأس أو ارتباك.
وهنا تظهر قاعدة مهمة، أن الثبات على الغاية لا يعني الجمود في الوسائل؛ فالوسائل يمكن تطويرها وفق الواقع، لكن لا ينبغي أن تتحول اعتراضات الآخرين إلى بوصلة تحدد المبادئ والأولويات.
القرآن يخاطب أعماق الإنسان
وتبرز في النص رؤية عميقة لأثر الخطاب القرآني في النفس، حتى عند من يجاهر بالرفض، مستشهدًا بقوله تعالى:
{فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}
فالخطاب القرآني، في هذه الرؤية، لا يقاس أثره فقط بالاستجابة الفورية، وإنما بما يتركه من أثر في الوعي والضمير، بما يجعل الدعوة عملية بناء طويلة النفس.
المسؤولية.. تكليف وليست امتيازًا
ومن أهم مضامين الحديث ربط العمل بالمسؤولية أمام الله، والتأكيد على أن الرسول لا يتحدث من تلقاء نفسه، وإنما يؤدي تكليفًا يخشى التفريط فيه، ومن هنا يعيد النص ترتيب مصادر الخوف في وعي الإنسان؛ فبدل أن يصبح الخوف من البشر سببًا للتراجع، يصبح الخوف من التفريط في مسؤولية الله هو الدافع إلى الاستقامة والثبات: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}، وهكذا تتحول المسؤولية من موقع أو سلطة إلى أمانة وتكليف ومحاسبة.
من الإنسان الصالح إلى الأمة القائمة بالقسط
لا تتوقف الرؤية عند إصلاح الفرد، بل تنتقل إلى بناء المجتمع والأمة، فالغاية ليست صناعة إنسان صالح منعزل عن واقعه، وإنما بناء إنسان واعٍ وفاعل، قادر على الإسهام في إقامة مجتمع قائم على القسط، ولهذا تأتي الخلاصة الحاسمة في حديث الشهيد القائد: «كله حركة، كله توجيهات عملية، بناء الإنسان كإنسان، وبناء الأمة كأمة»، إنها رؤية تختصر وظيفة القرآن في الانتقال بالإنسان من المعرفة إلى الوعي، ومن الوعي إلى المسؤولية، ومن المسؤولية إلى العمل، وبذلك يصبح القرآن، في هذه الرؤية، مشروعًا لبناء إنسان لا يستسلم للإحباط، ولا ترهبه السخرية، ولا تربكه الضغوط؛ إنسان يقرأ ليعمل، ويؤمن ليتحرك، ويتحرك لإقامة القسط.
فالقرآن هنا ليس كتابًا يُقرأ فحسب؛ بل منهجٌ يصنع الإنسان الذي يتحرك، والأمة التي تنهض، والمجتمع الذي يقيم القسط.