العدوان السعودي يواصل استهداف الأعيان المدنية.. مجزرة سوق تعز نموذجاً

لم يعد استهداف الأعيان المدنية في اليمن حادثة عابرة يمكن تبريرها باعتبارها خطأً عسكرياً أو نتيجة جانبية؛ فاستمرار غارات العدو السعودي على الأسواق والمنشآت والممتلكات الخاصة يكشف عن مسار متواصل يدفع المدنيون ثمنه دماً ودماراً، وكانت أحدث فصول هذا المسار الجريمة المروعة التي ارتكبها الطيران السعودي اليوم في سوق تجاري بمحافظة تعز، حيث أسفرت الغارات، وفق حصيلة أولية، عن استشهاد سبعة مواطنين وإصابة نحو أربعين آخرين، إلى جانب تدمير وإلحاق أضرار بالمحال التجارية وممتلكات المواطنين، إن قصف سوق يرتاده المواطنون بحثاً عن لقمة العيش ليس مجرد ضربة عسكرية؛ إنه اعتداء على حياة المدنيين ومصادر رزقهم، وجريمة تضاف إلى سجل طويل من الاستهداف الذي طال خلال سنوات العدوان المنازل والأسواق والطرق والجسور والمدارس والمنشآت الخدمية والاقتصادية.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الأعيان المدنية في مرمى العدوان

ما يجعل جريمة سوق تعز أكثر خطورة أنها تأتي في سياق تصعيد متواصل، إذ تحدثت مصادر يمنية خلال الأيام الماضية عن غارات استهدفت أسواقاً ومدارس ومناطق مأهولة ومنشآت وطرقاً وجسوراً في عدد من المحافظات، وفي 26 سبتمبر،  27 غارة للعدو السعودي خلال 24 ساعة، استهدفت أعياناً مدنية، بينها جسور وطرقات في عدد من المحافظات، كما تحدثت تقارير أخرى عن استهداف مدرسة وسوق شعبي في تعز خلال الأيام السابقة، وتكرار إصابة المواقع المدنية وسقوط الضحايا فيها يفرض سؤالاً لا يمكن تجاهله، كيف تتحول الأسواق والمنشآت المدنية وممتلكات المواطنين إلى أهداف للقصف؟

جريمة لا تمحوها التبريرات

القانون الدولي الإنساني يضع قواعد واضحة لحماية المدنيين والأعيان المدنية، ويُلزم أطراف النزاع بالتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب أو تقليل الخسائر بين المدنيين، ولهذا فإن أي ادعاء بوجود هدف عسكري لا ينبغي أن يكون نهاية التحقيق، بل بدايته، في جريمة سوق تعز، هناك سبعة شهداء وعشرات الجرحى، وهناك أسر فقدت أبناءها، ومواطنون أصيبوا، وتجار فقدوا محالهم ومصادر دخلهم، هذه ليست “أضراراً جانبية” على هامش الخبر؛ هؤلاء هم ضحايا حقيقيون، وهذه ممتلكات حقيقية، وهذا مجتمع يدفع ثمن القصف والعدوان الغاشم.

العدوان على مصدر الرزق

استهداف الممتلكات المدنية لا يعني تدمير المباني فقط؛ إنه ضرب مباشر لمصادر رزق المواطنين، فعندما يُدمَّر متجر، يخسر صاحبه مصدر دخله، وعندما يُقصف سوق، يتضرر عشرات التجار والعاملين والموردين، وعندما تُقطع الطرق والجسور، تتعطل حركة الناس والبضائع وتزداد الأعباء على السكان، وبذلك يصبح القصف ذا أثر يتجاوز لحظة الانفجار، ليمتد إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع بأكمله.

العالم أمام مشهد لا يجوز تجاهله

إن استمرار استهداف الأعيان المدنية في اليمن يضع المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام أمام مسؤولية لا يمكن تأجيلها، لم يعد مقبولاً أن تتحول المجازر إلى أرقام عابرة في نشرات الأخبار، أو أن تُختزل معاناة الضحايا في بيانات القلق والدعوة إلى ضبط النفس، المطلوب هو التوثيق والتحقيق والمساءلة، المطلوب أن يعرف العالم من أمر بالقصف، وما الهدف الذي قُصف، وما الأدلة على طبيعته، وما الإجراءات التي اتخذت لحماية المدنيين، ولماذا يسقط المدنيون بصورة متكررة عندما تصل الغارات إلى الأسواق والمناطق المأهولة.

لن يحجب الركام الحقيقة

قد تستطيع الغارة تدمير سوق في دقائق، وقد تحول محلاً تجارياً إلى ركام، وقد تقتل مواطناً وتجرح آخر؛ لكنها لا تستطيع محو الحقيقة من ذاكرة من عاش الجريمة ورأى آثارها، سوق تعز ليس مجرد مكان قُصف؛ إنه شاهد جديد على الكلفة الإنسانية للعدوان الغاشم وعلى حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون اليمنيون، وإذا كانت الحرب تُخاض لتحقيق أهداف عسكرية، فإن استمرار سقوط المدنيين وتدمير ممتلكاتهم يستدعي إجابات واضحة لا بيانات عامة، فكل سوق يُقصف، وكل منزل يُدمّر، وكل جسر يُستهدف، وكل مدني يسقط تحت الغارات، يضيف صفحة جديدة إلى سجل هذا العدوان الوحشي البربري، والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى العالم واضحة، حماية المدنيين ليست موقفاً سياسياً، وليست امتيازاً لطرف دون آخر؛ إنها قاعدة قانونية وإنسانية،  ومن يستهدف الأعيان المدنية وممتلكات المواطنين يجب أن يخضع للتحقيق والمساءلة، أما جريمة سوق تعز، بضحاياها وركامها ودماء المدنيين فيها، فيجب ألا تمر كخبر عابر؛ بل ينبغي أن تكون دافعاً لفتح ملف استهداف الأعيان المدنية في اليمن، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه شعب يحاصر ويعتدى عليه منذ اثني عشر عاما.

You might also like