حين يعجز العدوان عن إخضاع اليمن.. يبدأ بتشويه شعبه واتهامه باستهداف مكة

لم يكتفِ العدو السعودي، طوال سنوات عدوانه على اليمن، بالقنابل والصواريخ والحصار وتدمير المنشآت وقتل المدنيين؛ بل يبدو أن عجزه عن إخضاع الشعب اليمني يدفعه اليوم إلى خوض معركة أخرى، معركة تشويه اليمن واليمنيين، واستهداف صورتهم في الوعي العربي والإسلامي، وصولًا إلى اتهام شعب مسلم باستهداف أقدس مقدسات المسلمين،  إنها ليست مجرد تهمة عابرة، ولا خلافًا حول مسيّرة أو هدف عسكري؛ فحين يُزعم أن اليمنيين يستهدفون مكة المكرمة، فإن الاتهام يمتد إلى شعب الإيمان بأكمله، ويضرب في صميم هويته الدينية والأخلاقية، ولهذا وصف السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله الاتهام السعودي بأنه «كذبة كبرى وقبيحة وشنيعة للغاية وبهتان عظيم مكشوف»، معتبرًا أنه من أبشع ما يُرتكب بحق الشعب اليمني، وأنه اعتداء على شرفه الإسلامي والإنساني والقيمي.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

من استهداف اليمن إلى استهداف صورته

طوال سنوات الحصار والعدوان، وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية هجمات أوقعت ضحايا مدنيين وألحقت أضرارًا بالمنشآت والبنية التحتية في اليمن، لكن عندما لم تحقق القوة العسكرية هدف إخضاع اليمنيين، انتقل العدو  إلى مستوى آخر في الاستهداف،  محاولة ضرب صورة الشعب نفسه، فالعدوان العسكري يمكن أن يقتل إنسانًا أو يدمر منزلًا، أما الاتهام باستهداف مكة فيحاول أن يفعل شيئًا أخطر، أن يجعل اليمني في نظر العالم الإسلامي متهمًا في عقيدته، ومطعونًا في شرفه الديني، وهنا يصبح الافتراء سلاحًا من نوع آخر.

لماذا مكة؟

لأن مكة ليست مدينة عادية، ولا منشأة عسكرية، ولا ورقة سياسية عابرة، إنها قبلة المسلمين وموضع المسجد الحرام والكعبة المشرفة، ولذلك فإن الزعم بأن اليمنيين يستهدفونها لا يوجه إليهم إدانة سياسية فحسب، بل يحاول نقل المعركة مع اليمن إلى مساحة أوسع، أن المسلمين في مواجهة معتديًا على مقدساتهم، وهذه هي خطورة الاتهام، فبدل أن يُسأل العالم عن أسباب العدوان على اليمن، وعن الضحايا والدمار والحصار، يجري دفعه إلى سؤال آخر، هو كيف يمكن لليمنيين أن يستهدفوا مكة؟
وهكذا يحاول الاتهام، وفق هذه القراءة، قلب المشهد بالكامل،  المعتدى عليه يصبح متهمًا، والحرب تصبح دفاعًا عن المقدسات، والخصومة السياسية تتحول إلى قضية دينية.

خلفية البهتان .. صناعة «الخصم الذي يجب عزله»

هذه المنهجية ليست غريبة عن تاريخ الصراعات السياسية في العالم الإسلامي؛ فقد كان نزع الشرعية عن الخصم عبر تشويه هويته الدينية والأخلاقية أحد أخطر أسلحة الصراع، وهنا تبرز المقارنة مع ما تعرض له الإمام علي عليه السلام،  حيث لم يكن الصراع حول السلطة والسلاح، بل دخل بقوة إلى مجال صناعة الصورة الدينية والسياسية المشوهة والمكذوبة عن الإمام علي عليه السلام،  وأنتج معاوية خطابات معادية للإمام علي وأهل بيته، واتُهم الإمام علي عليه السلام وأنصاره بأوصاف هدفت إلى الانتقاص من شرعيتهم ومكانتهم، حتى أصبح السب السياسي والديني جزءًا من المجال العام في في كل فترات الحكم الأموي،  وتشير دراسات تاريخية إلى أن معاوية نسج حبال الافتراء على الإمام علي عليه السلام وسعى إلى تصويره وأهل بيته وأنصاره باعتبارهم خارجين عن الجماعة أو متسببين في الفتنة، في مقابل تثبيت شرعية سلطته القائمة. ولم يكن ذلك مجرد خلاف عابر ؛ لأن تشويه الخصم دينيًا كان يعني تحويل الصراع معه من خلاف سياسي إلى قضية تتعلق بالدين والجماعة والشرعية، وهذه النقطة تحديدًا هي جوهر المقارنة مع ما يحدث اليوم في الخطاب السعودي الموجّه ضد اليمنيين، عندما يُنسب إلى شعب مسلم استهداف مكة، فإن المقصود ليس إدانة فعل عسكري فحسب، وإنما إعادة تعريف ذلك الشعب باعتباره خصمًا للمقدسات.

الإمام الحسين .. حين يصبح نزع الشرعية مقدمة لتبرير الدم

أما الإمام الحسين عليه السلام، فالقضية أكثر وضوحًا في ارتباطها بالصراع على الشرعية،
فبعد وفاة معاوية سنة 60هـ، طُلب من الحسين عليه السلام مبايعة يزيد، لكنه رفض، وانتهى مساره إلى كربلاء سنة 61هـ، حيث أرتقى شهيدا مع عدد من أهل بيته وأصحابه،  ولم تكن كربلاء مجرد مواجهة عسكرية؛ فقد كانت قبلها معركة سياسية وفكرية حول من يملك الشرعية، ومن يمثل الإسلام،  ومع تطور الخطابات السياسية، استُخدمت أوصاف التمرد والخروج في تصوير خصوم السلطة، بينما رسخ التاريخ صورة الحسين عليه السلام باعتباره رمزًا لمواجهة الظلم والانحراف عن قيم الإسلام،
وهنا تظهر خطورة المنهج نفسه الذي يعمل عليه العدو السعودي، حين يُجرّد يمن الإيمان من شرعيته الأخلاقية والدينية، يصبح الاعتداء عليه أسهل تبريرًا، ويصبح الجمهور أكثر قابلية لتصديق أن مواجهته دفاع عن الجماعة والدين.

يمن الإيمان ..  في مواجهة تهمة تمس شرفه

من هنا يفهم استحضار وصف اليمن بأنه «يمن الإيمان والحكمة»، وعلى التذكير بمواقف اليمنيين تجاه القرآن والرسول والمقدسات،
فالشعب الذي يخرج في احتجاجات مليونية واسعة عند الإساءة إلى القرآن أو الرسول أو المقدسات، والذي يرى في مكة والمدينة والقدس رموزًا إسلامية تتجاوز الحدود والأنظمة، يُتهم اليوم بأنه يستهدف مكة،  ولهذا يرى السيد القائد  أن البهتان السعودي إنما يعتدي على الشرف الإسلامي للشعب اليمني بأكمله.

المعركة على الوعي

إن تكرار الاتهام، يهدف إلى أن يجد رواجًا لدى أطراف تتلقف الرواية السعودية وتبني عليها مواقفها، بما يسمح بتحريض الآخرين وتوريطهم في مواجهة اليمن، وهنا تتضح المعركة الحقيقية، أن النظام السعودي لا يحاول فقط أن يهزم اليمن عسكريًا؛ بل يحاول أن يعيد تقديم اليمني للعالم بوصفه خطرًا على مقدسات المسلمين،  لكن هذه المحاولة، مهما اشتدت حملتها الإعلامية، لا تجعل الاتهام حقيقة بمجرد تكراره.  فاستهداف مكة تهمة بالغة الخطورة، أما تحويلها إلى أداة لتشويه شعب كامل، فهو أحد أخطر وجوه العدوان، عدوان على الأرض بالسلاح، وعلى الإنسان بالقتل، وعلى الوعي والهوية الإيمانية بالافتراء، فإذا كان العدوان قد عجز عن كسر إرادة اليمنيين في الميدان، فإنه يحاول الآن  أن يكسر صورتهم في وجدان الأمة،  لكن شعبًا قاوم القصف والحصار لن يكون من السهل أن تُسلب هويته بكذبة؛ ومهما ارتفع صوت البهتان، تبقى مكة أقدس من أن تكون ورقة في الحرب، والشعب اليمني أكبر من أن يُختزل في افتراء يطلقه خصمه عليه.

You might also like