من المرتزقة الكولومبيين إلى الإرهابيين السوريين.. مأزق جديد للسعودية في اليمن
تُكثّف السعودية في هذه المرحلة من تحركاتها الميدانية والسياسية في محاولة يائسة لإعادة ترميم أوراق قوتها المتآكلة في المشهد اليمني؛ وهي تحركات تجاوزت مساعي حشد الغطاء الدبلوماسي والدعم اللوجستي إلى استجداء القوة البشرية والبحث المحموم عن مقاتلين من شتى الجبهات والأسواق السوداء للسلاح.
وتأتي هذه الاندفاعة في وقت تُبدي فيه الرياض استعداداً ملحوظاً لتقديم تنازلات سياسية لخصوم الأمس وحلفاء التنافس، وفي مقدّمتهم النظام الإماراتي؛ حيث تسعى الرياض إلى إعادة ضبط إيقاع العلاقات الثنائية لا حبّاً في التقارب، بل كضرورة أملتها الهزائم المتلاحقة والعجز البنيوي عن مواجهة التهديدات الاستراتيجية والضربات الموجعة التي تسددها القوات المسلحة اليمنية.
يمانيون| إلناز رحمت نجاد*
ولعلّ المحرّك الأساسي لهذه المساعي هو الحقيقة العسكرية الراسخة التي أثبتتها سنوات الحرب: الغارات الجوية مهما بلغت كثافتها وحجم تدميرها واستهدافها للأعيان المدنية، عاجزة بطبيعتها عن فرض أمر واقع أو حسم معركة على الأرض، وفي ظل تردد الحلفاء والداعمين ــ بما فيهم الكيان الصهيوني ــ عن التورط العسكري المباشر واكتفائهم بالدعم الاستخباري وتمرير بيانات الرادارات وتزويد غرف العمليات بالمنظومات الدفاعية الفاشلة، تجد السعودية نفسها وحيدة في ميدان المواجهة البرية.
ولذلك، فإنّ ما يتردد مؤخراً حول الزيارات واللقاءات غير المعلنة، بما فيها مساعي رئيس وزراء كيان العدو بنيامين نتنياهو لبلورة حلف عسكري إقليمي بإدارة «إسرائيلية» من وراء الكوالیس لمواجهة صنعاء، يصطدم بجدار الواقع الصلب، فأي حلف عسكري يفتقر إلى القوة البرية الفاعلة والمستعدة لتحمّل كلفة الاشتباك المباشر لن يكون سوى فقاعة إعلامية لن تمنح الرياض سوى المزيد من الخيبات.
هذا المأزق يدفع الرياض إلى استنساخ أساليبها العقيمة السابقة عبر الضغط لتفعيل الدور الأمني والعسكري لأدواتها فيما يسمى «المجلس الرئاسي»، بالتوازي مع فتح مراكز استقطاب وتجنيد واسعة في المحافظات الجنوبية المحتلة، إلا أن هذه المحاولات تصطدم بدورها برفض شعبي وقبلي متصاعد، وبممانعة أوساط عريضة من التيارات الجنوبية و«المجلس الانتقالي» التي ترفض الزج بأبنائها وقوداً لمعارك الرياض الخاسرة، على الرغم من أن المساومات السعودية–الإماراتية الأخيرة تسعى لكسر هذا الرفض عبر توزيع جديد للأدوار والمغانط السياسية.
إنتليجنس أونلاين يكشف المستور..من كولومبيا إلى إدلب
وأمام هذا العجز المحلي، عادت الرياض إلى بضاعتها القديمة: «شركات المرتزقة الخاصة»، فقد كشف تقرير نشره موقع «إنتليجنس أونلاين» الفرنسي المتخصص في الشؤون الاستخبارية، أن الاستخبارات السعودية عاودت الاتصال بمستشارين دوليين عملوا سابقاً في توظيف المقاتلين الأجانب، مؤكداً أن الرياض تسعى لفتح قنوات تجنيد لمرتزقة في كولومبيا ودول الجوار اللاتيني، بالإضافة إلى استقطاب مسلحين سابقين من الفصائل الإرهابية في الساحة السورية، ولو أن هذه المحاولات ما تزال في أطوارها التنظيمية الأولى.
هذا السلوك ليس جديداً على تحالف العدوان، فهو استئناف لمسار فاشل دُشّن منذ المراحل الأولى للحرب؛ يوم استعانت الرياض وأبوظبي بمؤسس شركة «بلاك ووتر» سيئة السمعة «إريك برينس» لجلب كتائب الموت من أمريكا اللاتينية سراً إلى اليمن، وسرعان ما تبددت أوهامهم بمصرع قائد عملياتهم في تعز وتفكك صفوفهم أمام بأس المقاتل اليمني.
ولم يتوقف النزيف عند حدود أمريكا اللاتينية؛ فقد جرى استيراد الآلاف من الجنود السودانيين ــ لا سيما من ميليشيات «الدعم السريع» ــ ليكونوا حرس حدود مجاني لحماية الحد الجنوبي للمملكة، حيث تحولت رمال الحدود وصحاري ميدي ونجران إلى مقابر جماعية لهم ووقع المئات منهم في أسر الجيش واللجان الشعبية، دون أن يغير ذلك من المعادلة الاستراتيجية قيد أنملة.
الإشراف الغربي والقيادات المستعارة.. دروس لا تُقرأ
ولم يكن الاعتماد مقتصراً على بنادق المرتزقة في الصفوف الأمامية، فقد امتد إلى العقول المدبّرة لغرف العمليات؛ حيث استعانت أبوظبي بالجنرال الأسترالي المتقاعد «مايك هندمارش» لقيادة ما سُمي «الحرس الرئاسي»، موجهاً بمساعدة ضباط غربيين خطط التدخل الميداني، كما فضحت وثائق «واشنطن بوست» الدور القذر للجنرال الأمريكي المتقاعد «جيمس ماتيس»، الذي عمل مستشاراً عسكرياً سرياً لمحمد بن زايد منذ عام 2015 لتشريح الخطط العملياتية لاجتياح اليمن.
إن عودة الرياض لتجميع شتات المرتزقة الأجانب وتوسيع مظلة الاستجداء من أمريكا اللاتينية إلى شراذم الحرب في سوريا، لا تمثل مؤشر قوة ولا استراتيجية هجومية جديدة؛ فهي الإقرار العملي والأوضح بإفلاس العقيدة العسكرية للنظام السعودي وتفكك منظومته الأمنية على الأرض.
لقد أثبتت التجربة اليمنية طوال عقد كامل أن الجيوش المؤجرة والأسلحة المستوردة والخبرات الاستعمارية تسقط جميعها أمام عقيدة الدفاع عن الأرض والسيادة، وأن كل صفقة مرتزقة جديدة يبرمها البلاط السعودي لن تكون سوى هدر لمليارات النفط في سوق نخاسة عسكرية لن تحمي العمق السعودي من المسيرات والصواريخ، ولن تُعيد للمهزوم هيبته في رمال اليمن.
*صحفية وباحثة في شؤون محور المقاومة.