رسالة اليمن الى العالم

قوة الردع اليمنية وصراعات الحلفاء (عنجهية ترامب ولؤم البعران)

كتب/ ابراهيم محمد الهمداني

بالرغم مما يبدو من الانسجام الظاهري بين الإدارة الأمريكية ومملكة ال سعود خاصة وممالك الخليج عامة، إلا أن تلك العلاقات يشوبها الكثير من التعقيدات والتناقضات العميقة، فمملكة ال سعود – بعد تبنيها لمشروع العدوان على اليمن، وتزعمها مشروع التطبيع، وأعمالها التخريبية في المنطقة – ولأنها أصبحت اليد الطولى لقوى الهيمنة الإمبريالية والصهيونية، ترى أحقيتها في بسط نفوذها وهيمنتها على شركائها من ممالك الخليج أولا، انطلاقا من طبيعة حلم المشروع الإمبريالي الغربي، الذي هي بدورها من ضحاياه، ونظرا لممارستها نفس الدور الاستعماري على شركائها الخليجيين، فقد شابت علاقاتها بهم الكثير من الاختلافات والصراعات، التي ظهر منها ما ظهر، كعلاقتها وصراعها ضد دولة قطر، وما خفي كان أعظم وأخطر.

إن تلك العلاقات المضطربة والمصابة بالشروخ العميقة والفجوات الهائلة، قد أفقدت المملكة الحاضنة الشعبية الخليجية عامة، وأسقطت عنها حق وهيبة الزعامة، التي كانت في طريقها إلى التحقق الفعلي، الأمر الذي جعل بقية دول الخليج – التي كانت ترى في مملكةال سعود القائدوالسند والعون والحامي – تقف موقف الحذر الشديد والترقب والخوف من مخالب وأنياب الشقيقة الكبرى، لتعيد بذلك حساباتها وتبحث عن تحالفات حماية من الشرق والغرب، وتحاول المحافظة على صورة ذلك التحالف الشكلي، الذي يرى في الإدارة الأمريكية مرجعيته المطلقة، بوصفها صاحبة الوصاية على كل ممالك الخليج القاصرة، وكل ما يثير مخاوفها أو يهدد كيانها، تتولى الإدارة الأمريكية البت فيه، غير أن تغاضي امريكا عن مملكة ال سعود، حين كشرت أنيابها ومخالبها تجاه جيرانها الخليجيين، جعلهم يشكون في عدالة وإنسانية الوصي – الأمريكي – المتواطئ مع الشقيقة الكبرى، وهذا هو ما حمل دولة مثل قطر على توقيع اتفاقيات حماية مع ايران، العدو التقليدي لأمريكا والسعودية، رغم أن قطر – ذاتها – شريك فاعل وأساس في تحالف العدوان، الذي يشن حربه الظالمة الإجرامية على اليمن منذ حوالي خمس سنوات، تحت مزاعم شتى، منها محاربة المد الإيراني والنفوذ المجوسي في اليمن.

علاقة مملكة ال سعود بأمريكا هي الأخرى طرأت عليها العديد من التقلبات، فمنذ بداية العدوان على اليمن، حرصت السعودية – متوهمة ذكاءها – على إظهار الوصي المطلق والأب الروحي الأمريكي، في قلب الصورة التي تمثل حربها العدوانية على الشعب اليمني، هادفة من خلال ذلك إلى تحقيق كثير من الأهداف الاستراتيجية والمكاسب السياسية، ولعل أهمها؛ إيصال رسالة للعالم مفادها أنها – أي السعودية – أصبحت في مصاف القوى الكبرى العالمية، وأن لديها القدرة الكافية والحق المطلق في إعادة رسم خارطة المنطقة، وابتلاع من تشاء وكما تشاء ومتى تشاء من دول الجوار، وخاصة ممالك النفط الهزيلة، وأنها بتعمد إعلانها العدوان على اليمن من واشنطن، قد حققت لمشروعها وزعامتها المشروعية والتضامن والتأييد الدولي، وضنمت – في ذات السياق – نجاتها من كل أنواع المساءلة والمحاكمة، جراء ما ارتكبته وترتكبه من جرائم وانتهاكات وحرب إبادة جماعية بحق الشعب اليمني، وهي جرائم حرب تنتهك كل القوانين والأعراف الإنسانية، والاتفاقيات الدولية وحقوق الإنسان، وهي جرائم وفضائع لا تسقط بالتقادم، وستجر مرتكبيها – عاجلا أو آجلا – إلى المثول أمام العدالة والعقاب الذي لا مفر منه.

لم تكن أمريكا – الحِمَى الذي لا يُطال، والشريك الوفي، كما توهم ال سعود، الذين أفاقوا من سكرة الهيلمان ونشوة الاستعلاء على مسخ بشري من رعاة البقر الغجريين، لا يفقه شيئا، ولا يجيد من فنون التعامل مع حلفائه وأصدقائه غير الحلب، وكل ما يهمه ليس مصلحة ومكانة حلفائه، بل همه الوحيد هو الحصول على أكبر كمية من الحليب، وهو نفسه الذي سمى مملكة ال سعود بالبقرة الحلوب، مشددا على ضرورة ذبحها بعد استنفاد ضرعها، في وقاحة وصلف واستكبار منقطع النظير، غير عابئ بأثر تلك التصريحات النارية على حلفائه وأدواته في المنطقة، موقنا ومؤكدا للعالم أنه ليس بحاجة إلى مراعاة الدبلوماسية والبروتوكولات السياسية، في تعامله مع ال سعود، وأنهم رغم تصريحه بنهايتهم الحتمية وزوالهم الوشيك، لا يجرأون على الانسحاب من تحالفهم معه، ولا يستطيعون التراجع عن مواقفهم أو التوقف عن الدور الوظيفي الذي أوكله إليهم، ولذلك تغاضوا عن كل إهاناته لهم، وجعلوا تسميته لهم بالبقرة الحلوب من باب الدعابة، وربما ظنوها إطراءاً لهم.

غير أن لؤم البعران من ال سعود بدأ يطفو على السطح، خاصة بعد عمليات التاسع من رمضان، التي نفذها الجيش اليمني، باستهداف شركة أرامكو النفطية، التي تعد قلب مملكة ال سعود، وقوام وجودهم، بالإضافة إلى كونها الشريان الأكبر لتغذية الخزانة الأمريكية، ولذلك كان استهدافها ضربة موجعة وقاصمة لكل من السعودية وامريكا على السواء، فعلاوة على النكسة الاقتصادية التي أصيب بها الحليفان، سقطت هيبة النظام السعودي، وهيبة التكنولوجيا العسكرية والدفاعية الأمريكية، التي اهتبلت مئات المليارات من الدولارات والنفط الخليجي، من أجل تزويدهم بمنظومات دفاع جوي ذكية ومتطورة، لكنها سرعان ما ظهر تبلدها وغباؤها وعجزها حتى عن حماية نفسها، أمام الطيران المسير والصواريخ البالستية اليمنية، وفي الوقت الذي اكتفت الإدارة الأمريكية بالشجب والتنديد، ظهرت على السطح تساؤلات النظام السعودي، عن مدى تحقق اتفاقيات الحماية الأمريكية، وتصريحات ترامب نفسه، بأن أمريكا لن تتردد لحظة في الدفاع عن مصالحها وعن حلفائها ضد أي تهديد، وها هو التهديد قد حصل، ووقع الفأس في الرأس، والإصابة بليغة سحقت الجسد والكرامة، ولا يكفي معها المواساة او التنديد، فإين أمريكا من وعودها بحماية حلفائها ومصالحها، ناهيك عن إعادة الاعتبار لهيبتها وسمعة سلاحها، الذي نُسجت حوله الأساطير، وهاهي تسقط فجأة كخرافات بالية، وتتوارى في خزي مهين.

كان ترامب يتحلى بقدر لا بأس به من الذكاء، وحين كانت السعودية تجره إلى المربعات الحرجة، كان يكتفي بإطلاق الوعود بإرسال المئات من الجنود إلى المنطقة العربية لمحاربة الإرهاب، ويحاول امتصاص حقد وغضب ملوك الخليج، من خلال إطلاق التصريحات ضد إيران، أما بالتهديد بنقض الاتفاق النووي، أو بالتلويح بفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية.

كان الصراع السياسي بين ملوك الخليج بزعامة ال سعود وترامب يجري على أشده، خاصة حين أعلن ترامب – بعد تأزم العلاقات الأمريكية الإيرانية – أن أمريكا لا تنوي الدخول في حرب مع إيران، وأنها ترحب بالحوار والدبلوماسية، وبلغ الأمر مداه حين رفضت إيران تلقي رسالة ترامب، التي تكفلت بنقلها اليابان، فكانت تلك إهانة كبيرة لترامب، وصفعة قوية لمحور الهيمنة الامبريالية والصهيونية عموما، بدورها لم تقف امريكا والموساد الاسرائيلي مكتوفة الأيدي أمام هذا التطور الخطير، حيث قامت بتفجير ناقلة النفط اليابانية في بحر عمان، لتفتعل مشكلة بين ايران وعمان خاصة ودول الخليج عامة، ولتقدم المبررات لتخويف إيران ووضعها في موقف محرج للغاية مع اليابان ودول العالم، أما بعجزها عن حماية ناقلات النفط في مضيق هرمز، او بتلفيق التهمة ضدها، هذا من جانب، ومن جانب آخر استغلال هذه الحادثة لحلب المزيد من المال والنفط والخليجي.

يبدو أن ترامب قد واجه تململا خليجيا سعوديا هذه المرة، بعد أن اتضحت سخافة اللعبة، وعدم فعاليتها، خاصة بعد وصول ممالك النفط الى قناعة مفادها؛ أن ترامب ليس حليفا أو صديقا بقدر ما هو مستثمر وتاجر بارع في المضاربة بالأحداث السياسية، وخبير ماهر في بورصة المصالح والاستغلال البشع، وأنه في حال انتهت مصلحته مع أمراء وملوك الخليج، لن يتردد لحظة واحدة في تركهم لقمة سائغة لأعدائهم، وهنا كان مكمن التململ الخليجي واهتزاز الثقة بالحليف التاريخي.

أخذت الأحداث مسارا غير الذي تم رسمه مسبقا، وبدأت أنظار ملوك النفط تبحث عن مخرج، لا تكون فيه امريكا صاحبة الفضل، وعن تحالفات جديدة لا تكون امريكا جزءا منها او فيها، الأمر الذي جعل ترامب يعاود ممارسة الضغط على الوتر الحساس، حيث صرح تقرير أممي بإدانة محمد بن سلمان في مقتل الصحفي جمال خاشقجي، ولهذا الأمر أبعاده ودلالاته، فهو يؤكد كون أمريكا قادرة أن تسقط الحصانة عن بن سلمان خاصة وملوك الخليج عامة، وأنها إذا لم تتركهم فريسة لأعدائهم، فأنها ستجعلهم قرابين على مذبح مصالحها، تحت مسمى العدالة ومعاقبة المجرمين، وما لذلك من أثر في تجميل صورتها السياسية، وامتصاص غضب الداخل الامريكي والخارج ممثلا في بقية شعوب العالم، وهذا بدوره سيجعل ال سعود ومن خلفهم بقية أمراء النفط، يسارعون في العودة الى بيت الطاعة، وتسليم الضرع بما حوى، لأنهم جميعا مدانون بجرائم حرب ضد الإنسانية، في اليمن خاصة وبقية دول المنطقة العربية عموما.

يمكن القول إن ترامب رجل سياسة انتهازي ووقح من الطراز الأول، وليس رجل حروب وصراعات عسكرية على الأرض، وقد استطاع أن يجني الكثير من الأموال للخزينة الأمريكية، بمختلف الوسائل، متجنبا في ذلك الدخول في حرب عسكرية، خاصة مع إيران، لكن ذكاءه قد خانه هذه المرة، حيث استطاع بعران ال سعود وشركائهم جرجرته وقذفه إلى قلب المعركة والمواجهة مع إيران، خاصة بعد إسقاط الدفاعات الجوية الإيرانية طائرة أمريكية دون طيار، فوق مضيق هرمز، وهذا الحدث يضعنا أمام اثنين من السيناريوهات المحتملة:

الأول: احتمال أن تسعى إدارة ترامب إلى إعلان الحرب على إيران، ثأرا لهيبتها وكرامتها ومكانتها، وهذا الخيار سيفضي إلى اشتعال حرب عالمية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وستكون حربا كارثية بكل المقاييس، احتمال أن تنتصر فيها امريكا وحلفاؤها بعيد جدا، خاصة بعدما حققه محور المقاومة عامة والجيش اليمني واللجان الشعبية خاصة، من معادلات ردع قلبت موازين القوى، وحققت معادلات جديدة على أرض الواقع، وفرضت نفسها كقوة عالمية ورقم سياسي وعسكري لا يمكن تجاهله، وما أحدثته الضربات اليمنية الباليستية والطيران المسير والتصنيع العسكري، والانتصارات والتقدمات والتطورات المتوالية، التي أربكت العدو، وصنعت تحولات سياسية على مستوى المنطقة العربية والعالم، إضافة إلى بداية تفكك الحلف الأمريكي الخليجي، نظرا لاختلال مستويات الثقة، إن لم نقل انعدامها، وفي هذه الحال ستسقط امريكا وحلفاؤها بهزيمة عسكرية مدوية.

بينما يفضي السيناريو الثاني: إلى احتمال استبعاد ترامب وإدارته خيار الحرب تحت مبرر رفض الكونجرس الامريكي ذلك، ولكن في ظل فشل مساعي الوساطات التي يرسلها ترامب إلى إيران، لفتح ملف المفاوضات مجددا، فإن التصور السياسي الذي يعتزم ترامب الرد على إسقاط الطائرة من خلاله، سيكون في حكم المعدوم، لعدم وجود أرضية يُطبق عليها، وبذلك ستسقط هيبة ومكانة وقيمة القوة الامبريالية العظمى، وتسقط ورقة التوت الأخيرة عن سوأة الهيلمان والغطرسة والتسلط، وبسقوطها سياسيا ستسقط كافة مشاريعها في المنطقة، وعلى رأسها المشروع الصهيوني الاستعماري، الذي طالما خدمته الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وتفانت إدارة ترامب من أجله.

قد يكون خيار الحرب مجنونا ومغامرة غير محمودة العواقب إلى حد كبير، خاصة وأن احتمال تحقق النصر فيه لأمريكا وحلفائها ضئيل جدا، ويكاد يكون معدوما، لكن خيار الدبلوماسية والمناورات السياسية، سيكون أقسى وطأة وأكثر إهانة وإذلالا لتلك القوة الامبريالية، التي طالما أهانت وأذلت شعوب العالم، وطالما استكبرت وتغطرست وقتلت ودمرت وشردت مئات الالاف من الأبرياء والأحرار، الذين رفضوا الانصياع لهيمنتها وطغيانها.

ربما كان هناك سيناريو ثالث ليس في الحسبان، وربما تحصل تحولات مفاجئة وغير متوقعة، وهذا ما ستخبرنا به الأيام القادمة.

اعلان دعم السلة الغذائية لرعاية اسر الشهداء
قد يعجبك ايضا