«الصرخة» في وجه المستكبرين .. كيف حوّل الشعار اليمن إلى كابوس يطارد الكيان الصهيوني ويقلب معادلات الصراع؟
يمانيون | تحليل
لم يكن الشعار الذي صدحت به الحناجر في ساحات اليمن مجرد صيغة تعبيرية أو حالة وجدانية عابرة، بل شكّل منذ انطلاقته الأولى نقطة تحول حقيقية في طبيعة الاشتباك مع قوى الاستكبار العالمي.ففي وقت كانت فيه المنطقة تُدفع دفعاً نحو تمييع الصراع، وإعادة تعريف العدو، وتجريد الأمة من بوصلتها، جاء الشعار ليعيد تثبيت العناوين الكبرى، ويؤسس لمعركة وعي سبقت كل المعارك العسكرية والسياسية.
هذا الشعار، المرتكز على الثقافة القرآنية، لم يواجه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في ميدان القوة المادية فقط، بل واجههما في أخطر ميادين الصراع: ميدان المعنى، والوعي، والشرعية الأخلاقية.
ومن هنا يمكن فهم حجم الانزعاج الذي يبديه العدو، وحجم التحريض الذي يشنه، ليس على اليمن كجغرافيا، بل على ما يمثله اليمن اليوم كنموذج فكري وموقفي.
الشعار كإعلان اصطفاف وكسر لحياد الزيف
ومنذ عقود، عمل المشروع الأمريكي-الصهيوني على فرض ما يمكن تسميته بـ«الحياد القاتل» في وعي الأمة، حيث يُطلب من الشعوب ألا تسمّي عدوها، وألا تعلن موقفها، وألا تتجاوز الخطوط التي رسمها المستكبرون للصراع.
في هذا السياق، جاء الشعار ليكسر هذا الحياد المصطنع، ويعيد الاصطفاف إلى موقعه الطبيعي.
ففي المنظور القرآني، لا وجود لحياد بين الحق والباطل، ولا يمكن فصل الإيمان عن الموقف.
ومن هنا، لم يكن الشعار موجهاً للتحريض أو الاستفزاز، كما تدّعي المنابر المعادية، بل كان إعلان براءة صريح من الطغيان، ورفضاً واضحاً لمشاريع الهيمنة، وتأكيداً على أن العدو ليس وهماً إعلامياً، بل واقعاً يمارس القتل والاحتلال والحصار.
هذا الوضوح هو ما أربك الخصم، لأن مشروعه يعتمد في جوهره على الغموض، وعلى خلط الأوراق، وعلى تقديم نفسه بوصفه جزءاً من “النظام الدولي” لا كقوة إجرام.
ومع كل ترديد للشعار، كانت هذه الصورة تتآكل، ويُسحب الغطاء الأخلاقي عن العدوان.
شهيد القرآن ومعركة الوعي الاستباقية
لم يأتِ الشعار من فراغ، بل كان ثمرة رؤية فكرية عميقة أسس لها شهيد القرآن، السيد حسين بدر الدين الحوثي، الذي أدرك مبكراً أن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الأمة هو اختراق وعيها قبل احتلال أرضها.
في مشروعه القرآني، شدد شهيد القرآن على أن الولايات المتحدة تسعى إلى أن تسبق إلى عقول المسلمين، فتفرض مفاهيمها، وتعيد تشكيل نظرتهم للخير والشر، وللصديق والعدو.
ومن هنا، كان الشعار ضرورة استراتيجية في معركة الوعي، لا مجرد أداة تعبوية.
لقد كان الهدف واضحاً: ترسيخ حقيقة أن أمريكا تمثل رأس الشر العالمي، وأن الكيان الصهيوني أداة إجرامية في قلب الأمة، وأن القبول بهما، أو الصمت تجاه جرائمهما، هو شكل من أشكال الهزيمة المعنوية.
ومع مرور السنوات، أثبتت الأحداث صحة هذه الرؤية، خاصة حين انزلقت كثير من الأنظمة والشعوب التي غُيّب وعيها إلى مسارات التطبيع أو العجز أو التواطؤ.
الثقافة القرآنية والتحول العميق في المجتمع اليمني
ولم يبقَ الشعار في حدود الخطاب، بل اندمج في مسار ثقافي وتربوي شامل، قوامه العودة إلى القرآن الكريم بوصفه مرجعية حياة وموقف.
هذه الثقافة القرآنية أحدثت تحولاً نوعياً في المجتمع اليمني، على مستوى الوعي، والهوية، والاستعداد للتضحية.
فبدلاً من الشعور بالعجز أمام القوى الكبرى، تشكّل وعي جديد قائم على الثقة بالله، وعلى إدراك أن معيار القوة الحقيقي هو الإرادة والبصيرة لا حجم الترسانات.
وهذا ما يفسر قدرة اليمن على الصمود في وجه عدوان شامل وحصار خانق، وعلى الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة.
هذا التحول لم يقتصر على الداخل اليمني، بل بدأ صداه يتردد في المنطقة، حيث بات الشعار رمزاً للكرامة، وعنواناً لموقف مستقل، ومصدراً لإلهام شرائح واسعة من الشعوب التي أنهكها الصمت الرسمي والتواطؤ السياسي.
رعب العدو من المعنى وشكواه في المحافل الدولية
وحين يخرج ممثلو الكيان الصهيوني إلى المنابر الدولية للشكوى من اليمن، ومن شعاره، ومن ثقافته، فإن ذلك يعكس مأزقاً حقيقياً.
فالقوى الواثقة من سرديتها لا تخشى الشعارات، ولا تنزعج من المواقف المعلنة، لكنها حين تفقد قدرتها على التحكم بالرواية، تلجأ إلى التحريض والتهويل.
إن تحذير العدو من أن اليمن “لا يلتزم بالحدود” أو “ينقل الصراع إلى مستوى عقائدي” يكشف خوفه من أن يتحول الصراع فعلاً إلى صراع حق وباطل، لا إلى نزاع قابل للإدارة السياسية.
وهذا ما يفسر محاولاته المستمرة لتجريم الشعار، لأنه يدرك أن أخطر ما يواجهه ليس السلاح، بل سقوط شرعيته أمام الرأي العام العالمي.
وفي معركة الإسناد لغزة، تجلّى هذا الرعب بوضوح، حين التقى الشعار بالفعل، وتحول الموقف اليمني إلى نموذج عملي فضح هشاشة النظام الدولي، وزيف الادعاءات الإنسانية التي يرفعها.
الشعار كعنوان لمعركة وعي مفتوحة
وفي المحصلة، لم يعد الشعار مجرد كلمات تُرفع في الساحات، بل أصبح عنواناً لمعركة وعي ممتدة، وسقفاً أخلاقياً للصراع، واختصاراً لمسار ثقافي وسياسي أعاد للأمة جزءاً من بوصلتها.
لقد أثبتت التجربة اليمنية أن الكلمة، حين تنطلق من القرآن، وتتحول إلى ثقافة، ثم إلى موقف وفعل، قادرة على إرباك أعتى المشاريع، وكشف زيفها، وفتح أفق جديد للصراع، عنوانه الكرامة، والوضوح، والانحياز الصريح للحق.