رسالة الحق التي زلزلت عروش الطغيان

في الدرس السابع والعشرين من دروس رمضان قدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي قراءة دلالة جديدة  في قصة نبي الله موسى عليه السلام مع الطاغية فرعون، مستعرضًا الأبعاد العقائدية والإنسانية والسياسية في تلك المواجهة التاريخية التي تجسد الصراع الدائم بين الحق والطغيان، وبين رسالة التحرير الإلهية ومشاريع الاستعباد والاستكبار،  وأكد السيد القائد أن القرآن الكريم يقدم هذه القصة كمنهج هداية للأمة في مواجهة قوى الطغيان والاستكبار في كل زمان ومكان.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

واقع الاستضعاف والطغيان

أوضح السيد القائد أن المشهد الذي بدأت فيه رسالة موسى عليه السلام كان مشهدًا شديد القسوة؛ فقد كانت وضعية بني إسرائيل وضعية امتهان واستضعاف شديد، بينما كان فرعون يعيش حالة من الاستكبار والطغيان المطلق، يمارس فيها أبشع صور القهر والاضطهاد، وقد تجسد ذلك في استعباد بني إسرائيل وإجبارهم على الأعمال المهينة والمذلة، مع محاولة تحطيم إنسانيتهم وإذلالهم بشكل ممنهج،  ولفت السيد القائد إلى أن هذه السياسة ليست جديدة في تاريخ الطغاة، بل هي منهج متكرر تسلكه قوى الاستكبار عبر التاريخ، في محاولة لإضعاف الأمم واستعبادها، مشيرًا إلى أن ما يمارسه الصهاينة اليوم من إذلال واضطهاد للشعوب هو امتداد لنفس النهج الفرعوني القائم على الاستعلاء والاحتقار.

تحرير الإنسان من عبودية الطغاة

بيّن السيد القائد أن رسالة موسى عليه السلام لم تكن موجهة إلى فرعون وحده، بل كانت رسالة مزدوجة إلى الطاغية وإلى الأمة المستضعفة معًا،  فقد توجه موسى وهارون عليهما السلام إلى قصر فرعون، في أبهته الملكية وبين حاشيته وملئه، لكنهما دخلا بثقة وثبات لأنهما كانا مؤيدين برعاية الله سبحانه وتعالى،  وكان أول عنوان في الرسالة هو التذكير بحقيقة الربوبية، حيث ركز موسى وهارون على أن الله هو رب العالمين جميعًا، وأن فرعون نفسه عبد مخلوق لله، وليس كما يدعي من ألوهية وسلطان مطلق،  وأشار السيد القائد إلى أن التركيز على مفهوم الربوبية يحمل دلالة عميقة، لأنه يربط بين العبودية لله وحده وبين حقيقة التدبير الإلهي للكون؛ فالله هو الخالق المدبر لكل شيء، وهو وحده المستحق للعبادة، بينما كل ما سواه مفتقر إليه.

تحرير المستضعفين مطلب الرسالة

أما العنوان الثاني في رسالة موسى عليه السلام فكان المطالبة بإطلاق سراح بني إسرائيل وتركهم يخرجون من دائرة الاستعباد والاضطهاد، وأوضح السيد القائد أن فرعون كان يستخدمهم في الأعمال المهينة ويعاملهم باحتقار شديد، في محاولة لكسر إرادتهم وتحطيم كرامتهم الإنسانية،  وهنا تتجلى رسالة الأنبياء باعتبارها رسالة تحرير للإنسان من العبودية للطغاة، وإعادة الاعتبار لكرامته التي وهبها الله له، كما حملت الرسالة بشارة عظيمة لمن يقبل بهدى الله، فالهداية الإلهية هي طريق النور والكرامة والخير للإنسان في الدنيا والآخرة.

أساليب الطغاة في تشويه الحق

تطرق السيد القائد إلى الطريقة التي تعامل بها فرعون مع دعوة موسى عليه السلام، حيث لجأ إلى أساليب المراوغة والتضليل بدلاً من مواجهة الحقيقة،  فقد حاول التقليل من شأن موسى بالتذكير بأنه تربى في قصره، وكأن ذلك منّة منه عليه، كما أعاد إثارة حادثة القتل التي وقعت من موسى قبل بعثته،  وأوضح السيد القائد أن هذا الأسلوب يمثل أحد تكتيكات الطغاة في مواجهة دعاة الحق، حيث يسعون إلى تشويه صورتهم أمام الناس وصناعة حواجز نفسية بينهم وبين المجتمع،  لكن موسى عليه السلام واجه ذلك بمنطق واضح، فأوضح أن تلك الحادثة كانت خطأ من الماضي قبل الرسالة، ولا تشكل عائقًا أمام المهمة التي كلفه الله بها، وأنه اليوم جاء في إطار مشروع إلهي عظيم يحمل الخير والخلاص للبشرية.

إسقاط ادعاءات فرعون

كما رد موسى على ادعاء فرعون بفضله عليه، موضحًا أن ما حصل من تربيته في قصره لم يكن إحسانًا منه، بل كان نتيجة لظلمه وطغيانه الذي دفع موسى للخروج من قومه أصلاً،  وبهذا الرد المفحم أسقط موسى أحد أهم محاولات فرعون لتزييف الحقيقة،  ثم انتقل الحوار إلى سؤال فرعون عن رب العالمين، فقدم موسى تعريفًا عظيمًا بالله سبحانه وتعالى، موضحًا أنه الخالق الذي أعطى كل شيء خلقه وهيأ له أسباب معيشته وهدايته،  كما بيّن أن الله ليس كمثله شيء من المخلوقات، لكن آياته تتجلى في السماوات والأرض وما بينهما، وهي دلائل واضحة على ربوبيته المطلقة.

من السخرية إلى الاتهام

عندما عجز فرعون عن مواجهة الحجج القوية التي قدمها موسى عليه السلام، لجأ إلى السخرية والاستهزاء، مدعيًا أن كلام موسى غير مفهوم، فرد موسى عليه السلام بتذكير الناس بالحقيقة البديهية التي يعرفها الجميع، وهي أن الله هو خالقهم وربهم،  وحين ضاق فرعون بالحجة، انتقل إلى الاتهام بالجنون، وهو أسلوب آخر يستخدمه الطغاة لتشويه صورة المصلحين وإسكات صوت الحق،  لكن موسى استمر في عرض الأدلة الواضحة، مؤكدًا أن المجنون الحقيقي هو من يدعي الألوهية وهو عاجز عن أي قدرة حقيقية، بينما الله هو المدبر الكامل لهذا الكون.

حين يلجأ الطغيان إلى التهديد

بعد أن أفحم موسى فرعون بالحجة والبرهان، لم يجد الطاغية وسيلة إلا التهديد والوعيد، معلنًا أن كل من يتجرأ على قول مثل هذا الكلام سيواجه السجن والعقاب،  وهنا تتجلى طبيعة الطغيان؛ فحين يعجز عن مواجهة الحق بالحجة يلجأ إلى القمع والترهيب،  لكن موسى عليه السلام واجه ذلك بثقة كاملة بالله، وأعلن أنه سيقدم لفرعون دليلًا عمليًا على صدق رسالته.

 

المعجزة التي أربكت الطغيان

ألقى موسى عصاه فتحولت إلى حية عظيمة، مما أثار الفزع في قصر فرعون وبين حاشيته، ثم أخرج يده فإذا هي بيضاء ناصعة مضيئة, كانت هذه الآيات معجزات إلهية واضحة تؤكد صدق الرسالة،  لكن فرعون، بدلاً من الاعتراف بالحقيقة، لجأ إلى الدعاية الكاذبة وادعى أن موسى مجرد ساحر عظيم، في محاولة لتضليل الناس وصرفهم عن الحقيقة.

دلالات في واقع الأمة

اختتم السيد القائد  بالتأكيد على أن هذه القصة تقدم دروسًا عظيمة للأمة، أهمها أن الحق مهما كان بسيطًا في ظاهره فإنه يمتلك قوة الحجة والبرهان، وأن الطغيان مهما بلغ من القوة فإنه في الحقيقة هش أمام نور الحقيقة،  كما أن مواجهة الطغاة تتطلب ثباتًا وثقة بالله ووضوحًا في الحجة، كما فعل موسى عليه السلام حين وقف بثبات أمام أعظم طاغية في زمانه،
وتبقى هذه القصة القرآنية شاهدًا خالدًا على أن الرسالات الإلهية جاءت لتحرير الإنسان من عبودية الطغاة، وإعادته إلى عبودية الله وحده، وهي رسالة ما تزال حية في ضمير الأمة وفي معركتها المستمرة بين الحق والباطل.

You might also like