لا عهد لهم ولا حدود لإجرامهم .. العدو الصهيوني ومشروع الاستباحة من فلسين إلى المنطقة
لم يكن نقض العهود والاتفاقيات في سلوك العدو الإسرائيلي تجاه فلسطين مجرد خرق قانوني طارئ أو إخلال ببنود تفاوضية، بل مثّل منذ نشأة المشروع الصهيوني نهجًا بنيويًا ثابتًا يقوم على توظيف الاتفاقيات بوصفها أدوات مرحلية لخدمة التوسع وفرض الوقائع بالقوة، لا التزامات أخلاقية أو قانونية مُلزِمة، فمن الوعود الدولية التي سبقت النكبة، مرورًا باتفاقيات الهدنة عام 1949، ووصولًا إلى مسارات التسوية السياسية الحديثة، تتكرر القاعدة ذاتها، اتفاقيات تُوقَّع، والتزامات تُعلَن، ثم تُنقَض أو تُفرَّغ من مضمونها بتكرار العدوان والإجرام ، هذه المساحة تتناول الجذور التاريخية لنقض الاتفاقيات، وممارسة العدو الإسرائيلي في مسارات السلام، إضافة إلى تحليل الأبعاد السياسية والاستراتيجية لهذا السلوك وانعكاساته على القضية الفلسطينية وأمن المنطقة، بالرجوع إلى الخلفية التاريخية والدينية التي كشفت من هو العدو الصهيوني ، كما ورد توصيفه في القرآن الكريم، بوصفه أحد المفاتيح التفسيرية لفهم استمرارية هذا السلوك عبر التاريخ، ويعزّز ذلك برؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، الذي قدّم قراءة قرآنية استشرافية لطبيعة الصراع، وأعاد تعريف العلاقة مع العدو الصهيوني بوصفها صراع هوية ووجود، لا خلافًا قابلًا للحل عبر التسويات والضمانات الدولية.
يمانيون / أعده للنشر/ طارق الحمامي
من التوصيف القرآني إلى رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي
إلى جانب العوامل السياسية والاستعمارية، يبرز البعد الديني بوصفه عنصرًا تفسيريًا بالغ الأهمية لفهم نمط نقض العهود في سلوك العدو الإسرائيلي، إذ يعرض القرآن الكريم في مواضع متعددة توصيفًا تاريخيًا متكررًا لسلوك بني إسرائيل في تعاملهم مع المواثيق والعهود، باعتباره نمطًا متجذرًا لا حادثة معزولة، ويؤكد القرآن هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾، وفي ربط مباشر بين نقض العهود والانحراف القيمي والنتائج السياسية المترتبة عليه يقول تعالى : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، لا يقدّم القرآن هذا التوصيف باعتباره نهج للعدو الصهيوني قائم على استخدام العهود كوسائل تكتيكية تخدم المصلحة، ثم يُتنصّل منها عند انتفاء الحاجة أو تغيّر موازين القوة، وهو ما يجد انعكاسًا مباشرًا في ممارسة العدو الإسرائيلية الحديثة.
وفي هذا السياق، قدّم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه قراءة قرآنية عميقة تجاوزت الفهم الوعظي، لتطرح القرآن بوصفه مرجعًا لفهم قوانين الصراع والهيمنة، وانطلق من حقيقة قرآنية أساسية مفادها أن ما ورد في القرآن هو حقائق مطلقة لا تقبل الشك، كما في قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ، أي أن الآيات لا تصف لحظة تاريخية منقطعة، بل تكشف عن أنماط وسلوكيات ممتدة عبر الزمن، ومن هذا المنطلق، توقّف الشهيد القائد عند قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ، معتبرًا هذه الآية توصيفًا حاسمًا لطبيعة العلاقة، لا تحذيرًا أخلاقيًا عابرًا، فقد شدّد على دلالة أداة النفي (لن) بوصفها نفيًا مؤبدًا، يؤكد استحالة الرضا مهما قُدِّمت التنازلات أو أُظهرت حسن النوايا أو قُدّم التعاون السياسي، وتُبرز رؤية الشهيد القائد أن الرضا ليس مرتبطًا بسلوك سياسي قابل للتعديل، بل بشرط جوهري يتمثل في التخلي الكامل عن الهوية والعقيدة والانتماء، فالقبول لا يتحقق إلا عندما يصبح الطرف الآخر تابعًا صريحًا، منزوع الإرادة، مفصولًا عن أمته ومرجعيته، وهو ما يفسّر فشل كل تجارب الاسترضاء التاريخية، عربياً وإسلامياً، وبهذا الفهم، يتحول الصراع من كونه نزاعًا على حدود أو مصالح إلى صراع وجودي، تُستخدم فيه الاتفاقيات كأدوات مرحلية لإدارة الصراع لا لحلّه، ويغدو نقض العهود نتيجة منطقية لطبيعة المشروع، لا خللًا في آليات التنفيذ.
الدلالات الاستراتيجية على مسارات التسوية
تفسّر هذه الرؤية بوضوح أسباب انهيار مسارات السلام ونقض الاتفاقيات، إذ إن أي عملية سياسية تُبنى على وهم كسب رضا العدو عبر التنازل أو الضمانات الدولية، تصطدم بحقيقة قرآنية وسلوكية مفادها أن الرضا غير ممكن أصلًا إلا بثمن وجودي لا يمكن القبول به، ومن هنا، تكتسب رؤية الشهيد القائد قيمة استراتيجية عالية، إذ تكشف أن جوهر المشكلة لا يكمن في ضعف التفاوض، بل في سوء تشخيص طبيعة الصراع، وتؤكد أن غياب الردع، والتفريط بالهوية، والارتهان للضمانات الخارجية، كلها عوامل تكرّس الاحتلال بدل أن تنهيه، وبذلك، يشكّل هذا البعد الديني التحليلي عنصرًا مكمّلًا للتحليل السياسي، يفسّر استمرارية نقض العهود، ويفضح خطورة التعاطي مع الكيان الإسرائيلي باعتباره طرفًا يمكن الوثوق بالتزامه بالاتفاقيات خارج معادلة القوة والوعي بطبيعة الصراع.
الجذور التاريخية لنقض الاتفاقيات
يعود نمط التنصل الإسرائيلي من الاتفاقيات إلى مرحلة ما قبل إعلان قيام الدولة عام 1948، حين خرقت التنظيمات الصهيونية المسلحة تفاهمات الهدنة، ونفذت عمليات تهجير وقتل جماعي بحق المدنيين الفلسطينيين، رغم التعهدات الدولية بحمايتهم، وقد أسس هذا السلوك المبكر لعقيدة سياسية ترى في الاتفاقيات وسيلة مرحلية لتثبيت الوقائع بالقوة، لا إطارًا أخلاقيًا أو قانونيًا ملزمًا، وبعد النكبة، واصل العدو الإسرائيلي هذا النهج من خلال تجاوز حدود اتفاقيات الهدنة لعام 1949، وتوسيع سيطرته العسكرية، في ظل عجز دولي عن فرض الالتزام، ما رسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة.
اتفاقيات السلام والالتزامات المنقوصة
رغم توقيع العدو الإسرائيلي عددًا من الاتفاقيات السياسية، أبرزها اتفاق أوسلو، فإن الممارسة الفعلية كشفت فجوة عميقة بين النص والتطبيق، فقد نصّت الاتفاقيات على وقف الاستيطان، والانسحاب المرحلي، وبناء الثقة، لكن الواقع شهد تسارعًا في الاستيطان، وتقطيعًا ممنهجًا للأراضي الفلسطينية، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى كيان إداري محدود الصلاحيات تحت هيمنة الاحتلال، وبدل أن تكون الاتفاقيات مسارًا لإنهاء الاحتلال، تحوّلت إلى إطار لإدارته وإعادة إنتاجه بصيغ جديدة.
الاستيطان كنقض دائم للقانون الدولي
يمثل الاستيطان للعدو الإسرائيلي المثال الأوضح على نقض العهود، سواء تلك الواردة في الاتفاقيات الثنائية أو في قرارات الشرعية الدولية، فعلى الرغم من التعهدات المتكررة بتجميده، واصلت حكومات العدوالإسرائيلية توسيعه، في تحدٍّ صريح للقانون الدولي الإنساني، ما يؤكد أن الالتزامات السياسية لا تشكّل قيدًا حقيقيًا على السياسات التوسعية.
ويعكس هذا السلوك من قبل العدوالإسرائيلي جملة من الدلالات الاستراتيجية، أبرزها، ترسيخ منطق القوة بوصفه أداة إدارة أساسية، واستخدام الاتفاقيات كوسائل تكتيكية لامتصاص الضغوط الدولية.
تحذيرات السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي كشاهد أثبته الواقع
برزت تحذيرات السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي خلال السنوات الماضية بوصفها قراءة مبكرة لطبيعة النهج لدى العدو الإسرائيلي القائم على الخداع السياسي ونقض العهود، وقد شدد في خطاباته على أن العدو لا يتعامل مع الاتفاقيات باعتبارها التزامات نهائية، بل أدوات مؤقتة تُستثمر ثم تُهمل، وأكد أن الرهان على الضمانات الدولية دون امتلاك أدوات ردع حقيقية يؤدي إلى تكريس الاحتلال، لا إنهائه، محذرًا من أن الجرائم المتواصلة بحق الفلسطينيين هي نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإفلات من العقاب، وتكتسب هذه التحذيرات أهميتها من كونها جاءت قبل تصاعد موجات العدوان الأخيرة، ما يجعلها شاهدًا يعزّز التحليل القائم على الوقائع التاريخية.
التداعيات المباشرة على فلسطين وما بعد فلسطين
دفع الشعب الفلسطيني الثمن الأكبر لهذا النهج، إذ أسهم نقض الاتفاقيات في إطالة أمد الاحتلال، وتعميق المعاناة الإنسانية، وتحويل الحياة اليومية إلى معركة بقاء في ظل منظومة إجرامية مستمرة، ولا يقتصر خطر النهج الصهيوني على فلسطين وحدها، بل يمتد ليهدد أمن واستقرار دول المنطقة بأسرها، وهو ما لم يعد يخفيه العدو الصهيوني الذي ينظر إلى الحدود بوصفها معطيات قابلة لإعادة الصياغة وفق منطق القوة ومشروع الاستباحة .
ختاما
إن قراءة مسار العدو الصهيوني تكشف بوضوح أن نقض العهود والاتفاقيات لم يكن انحرافًا مؤقتًا، بل سياسة ممنهجة تشكّل جوهر المشروع الصهيوني، ومع كل اتفاق يُنقَض، تتآكل فكرة القانون الدولي، وتُفرَغ مفاهيم السلام من مضمونها، ويترسّخ منطق الاستباحة بوصفه القاعدة لا الاستثناء، إن القضية الفلسطينية، في هذا السياق، ليست أزمة حدود أو نزاعًا سياسيًا قابلًا للحل بتسويات شكلية، بل مرآة كاشفة لخطر أوسع يهدد المنطقة بأكملها، وما لم يُواجَه هذا النهج بالعودة الصادقة إلى المنهج القرآني الذي رسم الطريق لمواجهة هذا العدو المجرم ، مالم ستظل سيستمر هذا العدو في كتابة الوقائع الحقيقية على الأرض بالمزيد من الإجرام والمزيد من الاستباحة .