ما بعد نكسة واشنطن .. قراءة في تحول إيران من دولة محاصرة إلى قوة عالمية “مُحكِمة”
يمانيون |
لم يكن الثامن والعشرون من فبراير مجرد تاريخ عابر في رزنامة الصراعات الدولية، بل كان اللحظة التي اصطدم فيها صلف القوة الأمريكية بصخرة الصمود الإيراني، ليتفتت معها إرث عقود من الهيمنة الأحادية.بين التهديد الأمريكي بإعادة إيران إلى “العصر الحجري” وبين الواقع الذي كشف عن دخول طهران “عصرها الذهبي” كقوة إقليمية وعالمية لا يمكن تجازوها، ثمة مسافة زمنية قُدّرت بأربعين يوماً، لكنها في ميزان التاريخ تزن قروناً من التحولات الاستراتيجية.
لقد وضع دونالد ترامب نفسه وإدارته في موضع سخرية تاريخية غير مسبوقة؛ حين ظن أن الفعل العسكري الغاشم يمكن أن يعوض غياب الرؤية المنضبطة، أو أن استعراض العضلات فوق مياه الخليج قد يرهب قيادة تمرست على إدارة العواصف.
اليوم، ومع انقضاء تسعة وثلاثين يوماً على تلك المواجهة، يتضح للعالم أن أمريكا لم تدمر خصمها، بل دمرت نفسها، وأن الصمود الإيراني لم يكن مجرد دفاع عن الذات، بل كان هجوماً استراتيجياً أجهز على ما تبقى من “العقل الأمريكي” المترنح، ليعلن رسمياً دخول الولايات المتحدة مرحلة السقوط الفعلي، وانبعاث إيران كقطب دولي جديد يمتلك من أوراق القوة ما لم يمتلكه أسلافه.
انتحار العقل الاستراتيجي الأمريكي في أربعين يوماً
شهد العالم خلال الأسابيع الأخيرة فصلاً من الجنون السياسي لم يسبق له مثيل في تاريخ البيت الأبيض.
دخلت واشنطن الحرب بأسقف أهداف علياء، كان أدناها إخضاع طهران وإرغامها على تسليم مفاتيح قوتها الصاروخية والنووية، لكنها انتهت بخضوع أمريكي فعلي لإرادة “الجمهورية الإسلامية”.
إن ما جرى لم يكن مجرد فشل عسكري ميداني، بل كان “انتحاراً استراتيجياً” موصوفاً.
فبينما كانت الطائرات والبارجات الأمريكية تتحرك بلا هدف واضح سوى الترهيب، كانت العقول في طهران تدير المعركة بهدوء “لاعبي الشطرنج”.
لقد كشفت الأيام الأربعون أن الإدارة الأمريكية تفتقر لأبسط قواعد التفكير المنضبط؛ فهي تبدأ الحروب دون أن تعرف كيف تنهيها، وتطلق التهديدات دون أن تحسب حساب الرد.
هذا التخبط جعل من “المركزية الأمريكية” أضحوكة في المحافل الدولية، حيث لم يعد الحليف يثق بحمايتها، ولم يعد الخصم يخشى وعيدها.
إنها الهزيمة التي وصفها خبراء العلوم السياسية في جامعة شيكاغو بأنها “أكبر خسارة استراتيجية منذ فيتنام”، حيث تآكلت هيبة الدولة العظمى أمام صمود دولة محاصرة.
إيران من “الحصار” إلى “الإحكام”.. ولادة المركز الرابع
وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تراهن على أن العقوبات والحصار سيجعلان من إيران لقمة سائغة، خرجت طهران من هذه الحرب وهي أكثر حرية وقوة.
لقد فرضت الحرب على إيران وهي مكبلة بقيود اقتصادية وسياسية، لكنها خرجت منها وقد قطعت تلك القيود وحولتها إلى سلاسل تطوق بها مصالح أعدائها.
تتجلى “عالمية” القوة الإيرانية اليوم في قدرتها على فرض شروطها في مفاوضات كانت واشنطن تظن أنها ستقودها من طرف واحد.
إن إعادة قراءة أجندات المفاوضات بعد الثامن والعشرين من فبراير تكشف بوضوح من هو المنتصر؛ فإيران لم تحافظ على مكتسباتها فحسب، بل انتزعت اعترافاً دولياً بكونها “المركز الرابع” الناشئ في توازن القوى العالمي.
هذا التحول من حالة “الدفاع” إلى حالة “الإحكام” يعني أن إيران لم تعد تكتفي بالبقاء، بل أصبحت هي من يحدد قواعد اللعبة في الشرق الأوسط وما وراءه، ممتلكةً فائضاً من القوة الجيوسياسية يجعل من محاولات عزلها ضرباً من الخيال.
المكر الصهيوني والذيل الذي يهز الكلب
ولا يمكن فهم الجنون الذي أصاب السياسة الأمريكية دون النظر إلى اليد الخفية التي كانت تحرك خيوط البيت الأبيض.
لقد تلطى “المكر الصهيوني” خلف جنون ترامب ليمرر مخططات شيطانية مرتبطة بتوقيتات خرافية تلمودية.
لقد نجحت اللوبي الصهيوني في إحكام خديعته على شريحة واسعة من المسيحيين الصهاينة، وتعبيدهم لأفكار “إسرائيل الكبرى” و”الخلاص الكبير”، مما جعل من أمريكا مجرد أداة لتنفيذ أحلام أيديولوجية متطرفة لا تخدم المصالح القومية الأمريكية في شيء.
هذا الارتهان الأمريكي للإرادة الصهيونية هو الذي عجل بالسقوط؛ فعوضاً عن التصرف كدولة عظمى تحمي استقرار العالم، تصرفت واشنطن كميليشيا تخدم أجندة “تلمودية”.
ولكن، بدلاً من أن يحقق هذا المكر أهدافه، أدى إلى نتيجة عكسية؛ حيث تحطمت الأوهام الصهيونية على جدار الصلابة الإيرانية، ووجد ترامب نفسه وحيداً يواجه مصير العزل، بعد أن استنزفه حلفاؤه “اليهود” وألقوا به في أتون معركة خاسرة.
زلزال المركزية الأمريكية وتفكك جبهة الحلفاء
ما جرى بين فبراير وأبريل كان “زلزالاً” هز أركان النظام الدولي الذي تقوده أمريكا.
إن القوة التي لا ترهب خصماً ولا تؤمن حليفاً هي قوة ميتة سريرياً.
لقد رأى حلفاء واشنطن في المنطقة وخارجها كيف تراجعت القوة العظمى أمام إصرار طهران، وكيف تحولت التهديدات بـ “محو إيران” إلى استجداء للحوار تحت الطاولة وفوقها.
تزايد الحديث عن عزل ترامب ليس مجرد إجراء قانوني داخلي، بل هو محاولة بائسة من “الدولة العميقة” في أمريكا لاسترداد ما تبقى من هيبة مبعثرة.
لكن الأوان قد فات؛ فالشرخ الذي حدث في جدار المركزية الأمريكية أصبح عصياً على الترميم.
لقد أدرك العالم أن “البعبع” الأمريكي مصنوع من ورق، وأن القوة الحقيقية تكمن في الإرادة الوطنية والقيادة الثابتة التي يمثلها محور المقاومة، مما دفع العديد من القوى الدولية لإعادة تموضعها بعيداً عن المظلة الأمريكية المثقوبة.
مفارقة القيادة.. بين عزل ترامب وتجديد ولاية خامنئي
وتختزل الفترة ما بين الثامن والعشرين من فبراير والثامن من أبريل المشهد الكوني في مفارقة مذهلة: الولايات المتحدة، بكل جبروتها المادي، تستعد لعزل رئيسها “المجنون” والمتناقض وسط حالة من الانقسام الداخلي والانهيار الأخلاقي، بينما تجدد إيران، بكل ثقة واعتزاز، ولاءها لنهج قيادتها ممثلة في الإمام الخامنئي.
هذه المفارقة تعكس الفرق بين “دولة المؤسسات المأجورة” التي يحركها المال واللوبيات، وبين “دولة الرسالة” التي تستمد قوتها من صمود شعبها وحكمة قائدها.
بينما يخرج ترامب من الباب الضيق للتاريخ كواحد من أكثر الرؤساء إثارة للسخرية، تخرج إيران كلاعب عالمي محوري، يفرض إيقاعه على الساحة الدولية، ويؤكد أن زمن الهيمنة الأمريكية قد ولى إلى غير رجعة، وأن المستقبل يُكتب اليوم بحبر إيراني في سجلات القوة الجديدة.
الخاتمة: عصر ما بعد أمريكا
في الختام، إن ما شهدناه في هذه الأيام الأربعين لم يكن حرباً تقليدية، بل كان مخاضاً لعالم جديد.
لقد أثبتت التجربة أن الدمار الذي لحق بإيران نتيجة الحصار والعدوان هو دمار مادي يمكن تعويضه، لكن الدمار الذي لحق بالولايات المتحدة هو دمار “وجودي” أصاب جوهر هيبتها ومصداقيتها.
خرجت إيران من هذه الملحمة حرة، محكمة، وممتلكة لأوراق قوة استراتيجية تفوق تلك التي سعى ترامب لسلبها منها.
إنها الهزيمة التاريخية التي رسمت حدود القوة الأمريكية الجديدة: قوة منكمشة، معزولة، ومحكومة بالخوف.
أما إيران، فقد أثبتت أنها “الرقم الصعب” في المعادلة الدولية، والمركز الذي ستدور حوله توازنات القوة في القرن الحادي والعشرين.
لقد انتهى زمن “التبشير بالعصر الذهبي” الأمريكي، وبدأ عصر الحقيقة الإيرانية التي لا ينكرها إلا غافل أو مسلوب العقل.