خريف الهيمنة .. كيف أعاد “الغضب الملحمي” صياغة النظام الاقتصادي العالمي؟
يمانيون |
تحت مسمى “الغضب الملحمي”، أطلقت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي عدواناً غاشماً ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، ظناً منهما أن استعراض القوة العسكرية سيكسر إرادة طهران ويُعيد رسم خارطة المنطقة وفق أهوائهما.
لكن، ومع مرور الوقت، تبدّل المشهد بشكل دراماتيكي؛ فالعنوان الذي أرادته واشنطن “ملحمةً” للنصر، صار عنواناً لارتداد عسكري واقتصادي غير مسبوق.
لقد تحول هذا العدوان من “غضب عسكري” إلى “انتحار اقتصادي”، حيث ارتدت تداعياته الكارثية لتضرب صميم الاقتصاد الأمريكي والعالمي، واضعةً العالم أمام حقيقة جديدة: الهيمنة الأمريكية في خريفها الأخير.
“الغضب الملحمي”.. العدوان الذي هزّ عصب الاقتصاد العالمي
تتكشف اليوم تداعيات العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران في مشهد يضغط بقوة هائلة على الاقتصادين الأمريكي والعالمي.
لم يكن المخطط الغربي يتوقع أن الصمود الإيراني سيحول المواجهة إلى استنزاف لشرايين الطاقة العالمية.
فالتأثيرات لم تعد محصورة في مجرد ارتفاع وقتي لأسعار النفط، بل امتدت لتعيد تشكيل آليات التسعير الدولية نفسها.
لقد فرض الواقع الجديد معادلة مختلفة تماماً؛ إذ باتت الأولوية القصوى لمكان توفر الإمدادات، وسرعة وصولها، وتكلفة نقلها وتأمينها، بدلاً من التركيز التقليدي على حجم الإنتاج فقط.
هذا التحول النوعي جعل من مضيق هرمز والموانئ الإيرانية مفتاحاً لا يملك العالم بدونه استقراراً معيشياً، مما جعل عدوان “الغضب الملحمي” يبدو كخطأ استراتيجي فادح دفع ثمنه العالم بأسره، وعلى رأسه المعتدي نفسه.
فاتورة الحرب.. المواطن الأمريكي يدفع الثمن بالنيابة عن إسرائيل
وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تضخ طائرات النقل العسكري لدعم الكيان الصهيوني، كان المواطن الأمريكي العادي يواجه حقيقة مرة في محطات الوقود والأسواق.
في ظل استمرار تفاهم وقف إطلاق النار الهش، يستمر تراجع دور دول الخليج في السوق النفطية العالمية نتيجة تعطل الصادرات، ما أدى إلى انخفاض الإمدادات بنحو عشرة ملايين برميل يومياً وفق تقديرات دولية دقيقة.
هذا النقص الحاد في الإمدادات، الناجم عن العدوان، دفع بأسعار النفط إلى الارتفاع الحاد، حيث تجاوزت بعض الخامات مستويات 140 دولاراً للبرميل.
هذا الانعكاس المباشر على الداخل الأمريكي عبر ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية، أثار موجة استياء شعبية عارمة؛ إذ بات المستهلك الأمريكي يرى بوضوح أنه هو من يدفع “فاتورة الحرب بالنيابة عن إسرائيل”.
لقد أدرك الشعب الأمريكي أن “الغضب الملحمي” لم يجلب لهم أمناً، بل جلب لهم فقراً وتضخماً ينهش مدخراتهم.
“هرمز” في عين العاصفة.. الإرهاب الاقتصادي الأمريكي
وتحاول الإدارة الأمريكية، عبر خطاب تضليلي، اتهام الإيرانيين بممارسة “الإرهاب الاقتصادي”، مهددةً بمنع أي سفينة إيرانية من الخروج ومحاصرة مضيق هرمز.
لكن الواقع يؤكد أن واشنطن هي من تمارس القرصنة والإرهاب الاقتصادي المنظم ضد الشعوب.
إن الشروع الأمريكي بإجراءات مثل حصار الموانئ الإيرانية يزيد من تعقيد أزمة الطاقة العالمية، مهدداً بإرباك الإمدادات ورفع الكلفة بشكل جنوني على الدول الأوروبية والآسيوية المعتمدة على واردات الطاقة.
هذا التوجه العدواني أثار قلقاً دولياً واسعاً، وسط مخاوف حقيقية من تفاقم التضخم وتعطل سلاسل التوريد.
الولايات المتحدة، التي تدعي محاولة معالجة الأزمة عبر المفاوضات لامتصاص النقمة الداخلية، تواصل في الوقت نفسه تصعيدها العسكري، مما يثبت زيف نواياها ويضع الاقتصاد العالمي على حافة الهاوية.
تمرد الحلفاء والبحث عن نظام دولي جديد
لعل أهم إفرازات فشل عدوان “الغضب الملحمي” هو اليقظة الدولية ضد الهيمنة الأمريكية.
لقد بدأ التوجه نحو صياغة تكتلات وتحالفات سياسية واقتصادية وطاقية جديدة بعيداً عن السطوة الأمريكية، وبما يؤسس لنظام دولي جديد متعدد الأقطاب.
هذا التوجه عبّر عنه بوضوح رئيس الوزراء الإسباني، الذي أكد أن طموح بلاده وسياستها الخارجية يكمن في “تعزيز العلاقات وبناء الجسور وليس العكس”.
إن العالم اليوم، بما في ذلك الحلفاء التقليديين لواشنطن، يرفض أن يظل رهينة للسياسات الأمريكية المتطرفة.
الموقف الإسباني يشدد على ضرورة “المساهمة الفعالة في إرساء نظام عالمي جديد يحقق السلام الدائم”، وهو موقف يستدعي مواصلة معالجة الوضع الدولي لدفع مفاوضات السلام قدماً، وإعادة فتح مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً، ليس فقط للوقود، بل وأيضاً للأسمدة التي تعد عاملاً رئيسياً للأمن الغذائي العالمي.
عسكرة المنطقة وانسداد الأفق الدبلوماسي
في ظل هذا المشهد المعقد، تستمر واشنطن في نهجها التصعيدي؛ فالحشد العسكري الأمريكي وتدفق طائرات النقل العسكري للكيان يزيد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
هذا التهور لا يهدد إيران وحدها، بل يهدد مسار المفاوضات وجولتها الثانية المرتقبة التي تحضر لها إسلام آباد.
إن استمرار هذا العدوان يدفع بالمنطقة والعالم نحو واقع جيو-سياسي وجيو-اقتصادي غير مسبوق.
ففي حال تعثرت المساعي الدبلوماسية من جديد بسبب التعنت الأمريكي، فإن العالم سيواجه مرحلة من الفوضى الاقتصادية التي لن تنجو منها واشنطن.
لقد أثبتت إيران أنها تمتلك من أوراق القوة ما يكفي لتدفيع المعتدي ثمناً باهظاً، وأن “الغضب الملحمي” المزعوم قد تحول إلى صاعق فجّر أزمة الثقة في النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
صراع الرهانات.. مَن سيكسر الآخر؟
بين رهانات التصعيد الأمريكية ومحاولات الاحتواء الدولية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح الجهود الدبلوماسية في كبح الرهانات الأمريكية ومن ورائها الإسرائيلية؟
الحقيقة أن المشهد يتجه نحو مزيد من التعقيد، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لحسم الصراع.
إيران، بصمودها وذكائها في إدارة ملف الطاقة، وضعت الولايات المتحدة في زاوية ضيقة. فواشنطن الآن ممزقة بين ضرورة دعم الكيان الصهيوني عسكرياً، وبين حاجتها الماسة لخفض أسعار الطاقة لتهدئة شارعها الغاضب.
هذا التناقض هو ما يؤسس للواقع الجديد؛ حيث لم تعد أمريكا هي “الشرطي العالمي” القادر على فرض إرادته دون دفع الثمن، بل أصبحت هي الطرف المستنزف الذي يبحث عن مخارج لأزمات صنعها بنفسه.
خاتمة: سقوط القناع وانبلاج فجر جديد
ختاماً، يمكن القول إن عدوان “الغضب الملحمي” قد حقق نتائج عكسية تماماً لما خططت له الدوائر الصهيونية في واشنطن وتل أبيب. بدلاً من عزل إيران، وجد العالم نفسه يبحث عن طرق للتقرب منها لتأمين الطاقة والغذاء.
وبدلاً من تقوية الهيمنة الأمريكية، تسبب العدوان في تصدع التحالفات الغربية وبداية تشكل نظام عالمي جديد يرفض القطب الواحد.
إن “خريف الهيمنة” الأمريكية ليس مجرد شعار، بل هو واقع اقتصادي وجيوسياسي نعيشه اليوم.
لقد أثبتت الأيام أن دماء الأبرياء ومعاناة الشعوب التي تسبب بها هذا العدوان قد تحولت إلى وقود لثورة عالمية ضد التبعية والغطرسة.
سيبقى التاريخ يذكر أن “الغضب الملحمي” كان النقطة التي بدأ عندها انهيار الإمبراطورية الأمريكية اقتصادياً، لتبزغ شمس عالم جديد يسوده التوازن، وتحترم فيه سيادة الدول، وتتلاشى فيه أسطورة “الكيان الذي لا يقهر” ومعه حاميه الأمريكي.