عندما هزّت جبال اليمن عروش لندن وروما.. كيف أذل أئمة اليمن أقوى إمبراطوريتين في العالم
مع مطلع القرن العشرين، حيث كانت فيه العواصم العربية تسقط الواحدة تلو الأخرى تحت سنابك خيول الاستعمار، كانت صنعاء ترسم مشهداً مغايراً للسيادة المطلقة، لم تكن “المملكة المتوكلية اليمنية” مجرد نظام حكم تقليدي، بل كانت “قلعة جيوسياسية” عصية على الاختراق، استطاعت في لحظة تاريخية فارقة أن تفرض شروطها على إمبراطوريتين عالميتين في آن واحد، من “صلح دعان” الذي أذل الغزاة العثمانيين، إلى “معارك الحدود” التي أرقت مضاجع البريطانيين في عدن، يفتح هذا التحقيق الاستقصائي ملفات “الدولة التي رفضت الانحناء”، كاشفاً عن أسرار الصمود العسكري والدبلوماسي الذي جعل من اليمن “الرقم الصعب” في معادلة الصراع الدولي على البحر الأحمر.
يمانيون| محسن علي
إرادة صلبة في مواجهة الغزو والاحتلال
وبينما كانت الخارطة العربية تُعاد صياغتها تحت مبضع الاستعمار الغربي، برزت “المملكة المتوكلية اليمنية” كواحدة من القوى القليلة التي استطاعت انتزاع استقلالها وبناء كيان سياسي سيادي في قلب الجزيرة العربية، لم تكن الدولة المتوكلية مجرد نظام حكم إمامي، بل كانت مشروعاً وطنياً سعى لاستعادة “اليمن الطبيعي” وطرد القوى الأجنبية، بدءاً من إجبار العثمانيين على الاعتراف بالسيادة اليمنية في “صلح دعان”، وصولاً إلى خوض معارك ضارية ضد التمدد البريطاني في الجنوب، لتظل هذه الحقبة شاهداً على إرادة يمنية صلبة رفضت الانكسار أمام أعتى الإمبراطوريات.
فجر الاستقلال.. “دعان” كأول انكسار عثماني في الشرق
بدأت ملامح الدولة المتوكلية تتشكل من رحم المقاومة المسلحة ضد الوجود العثماني، إذ قاد الإمام يحيى حميد الدين سلسلة من الانتفاضات والمعارك التي أجبرت الدولة العثمانية في عام 1911م على توقيع “اتفاقية دعان”، وهي الوثيقة التي منحت اليمن استقلالاً ذاتياً واسعاً، ممهدة الطريق لإعلان المملكة المستقلة تماماً عقب خروج الأتراك النهائي في عام 1918م، كان هذا الانتصار بمثابة “اللبنة الأولى” في بناء دولة يمنية حديثة ترفض التبعية للخارج، فالإمام يحيى، بعبقريته العسكرية، استطاع تحويل جبال اليمن إلى “فخ استنزاف” للأتراك، مما أجبر “الباب العالي” على الاعتراف بالسيادة اليمنية قبل سنوات من سقوط الخلافة، وكانت هذه الاتفاقية هي المسمار الأخير في نعش الوجود العثماني، والشرارة التي أعلنت ولادة أول دولة عربية مستقلة تماماً في العصر الحديث.
“حرب الـ 15 عاماً”.. مواجهة قاذفات بريطانيا بالخناجر والولاء
في واحدة من أكثر فصول التاريخ إثارة، خاضت الدولة المتوكلية نزاعاً حدودياً مريراً مع بريطانيا (1919-1934).
تحدي “سلاح الجو الملكي”: عندما عجزت القوات البرية البريطانية عن صد زحف “الجيش المظفر”-وهو الجيش التقليدي المكون من القبائل- نحو الضالع ولحج، لجأت لندن لاستخدام سلاح الجو لقصف المدن اليمنية، ورغم الفارق التكنولوجي الهائل، لم يتراجع اليمنيون، بل حولوا كل صخرة في جبال تعز والبيضاء إلى متراس للمقاومة.
عقيدة “اليمن الطبيعي”: كان الإمام يحيى يرى في عدن والمحميات “أرضاً مغتصبة”، ورفض التوقيع على أي معاهدة تشرعن الوجود البريطاني، مما جعل المملكة المتوكلية “الدولة الوحيدة” في المنطقة التي لم تخضع للوصاية أو الانتداب.
الدبلوماسية “الخشنة”..اللعب مع الكبار لكسر الحصار
لم تكن العزلة التي فرضتها الدولة المتوكلية “جهلاً”، بل كانت “استراتيجية دفاعية”، فقد أدركت الدولة المتوكلية مبكراً أهمية التوازن الدولي، فكانت أول دولة عربية تقيم علاقات مع الاتحاد السوفيتي وإيطاليا وفرنسا، في محاولة لكسر العزلة التي حاولت بريطانيا فرضها عليها
المناورة الدولية: في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تحاول خنق اليمن، فاجأ الإمام يحيى العالم بتوقيع معاهدات مع الاتحاد السوفيتي (1928) وإيطاليا، مستخدماً التنافس الدولي كـ “درع دبلوماسي” لحماية استقلال بلاده.
معاهدة لندن 1934: انتزع اليمن اعترافاً بريطانياً كاملاً بالسيادة المتوكلية، مع الاحتفاظ على حق اليمن في المطالبة بأراضيه الجنوبية، وهي المناورة التي وصفتها التقارير الاستخباراتية البريطانية آنذاك بأنها “انتصار سياسي لليمنيين بأسلوب السهل الممتنع”، و”الهدنة المسلحة” التي حفظت كيان الدولة
بناء المؤسسة العسكرية وحلم القوة
لتحقيق طموحاتها في حماية السيادة، أولت الدولة المتوكلية اهتماماً كبيراً ببناء جيش وطني، فقد تم تأسيس “الجيش المظفر” وإرسال بعثات عسكرية إلى العراق ومصر وإيطاليا لتعلم الفنون العسكرية الحديثة،هذا الجيش، رغم إمكانياته المحدودة مقارنة بالقوى الاستعمارية، كان الأداة التي خاضت بها المملكة حروبها الدفاعية في الشمال والجنوب، وشكل النواة الأولى للضباط الذين لعبوا أدواراً محورية في تاريخ اليمن اللاحق.
“الجيش المظفر”.. عقيدة القتال حتى الرمق الأخير
يبرز التحقيق دور “الجيش المظفر” كقوة ضاربة لم تكن تعتمد على العتاد بقدر اعتمادها على “عقيدة الأرض”
التصنيع الحربي البدائي: في ظل الحصار، استطاع اليمنيون تصنيع بعض الذخائر وإصلاح المدافع العثمانية القديمة، مما جعلهم يخوضون حروباً استنزافية طويلة الأمد أرهقت الخزينة البريطانية.
البعثات العسكرية: أرسلت المملكة ضباطاً إلى العراق ومصر، ليس فقط للتعلم، بل لبناء “نواة قوة” قادرة على حماية البحر الأحمر من الأطماع الإيطالية والبريطانية المتزايدة.
الوجه البطولي لليمن
إن قراءة تاريخ الدولة المتوكلية من زاوية “مقارعة الغزو” تكشف عن وجه بطولي لليمن، حيث تحولت “العزلة” إلى “حصانة”، و”الفقر” إلى “زهد مقاتل”، لقد أثبتت هذه الدولة أن السيادة لا تُمنح في أروقة الأمم المتحدة، بل تُنتزع من فوهات المدافع وفوق قمم الجبال.
الصمود في وجه العواصف
واجهت الدولة المتوكلية تحديات جسيمة، من النزاعات الحدودية مع الجيران إلى الضغوط الاستعمارية المستمرة،ورغم الانتقادات التي وجهت لسياسة “الانغلاق” التي انتهجها الإمام يحيى، إلا أن المؤرخين يجمعون على أنها كانت “درعاً واقياً” حمى اليمن من الذوبان في المشاريع الاستعمارية التي اجتاحت المنطقة العربية آنذاك.
إن تاريخ الدولة المتوكلية في مقارعة الغزو ليس مجرد سرد للمعارك، بل هو تجسيد لمفهوم “الكرامة الوطنية”، فلقد استطاعت هذه الدولة، بإمكانيات ذاتية وقبائل متلاحمة، أن تقف في وجه “الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”، وأن تحافظ على هوية اليمن واستقلاله في زمن كان فيه الاستقلال عملة نادرة، ليظل دورها في مقاومة الاحتلال فصلاً مشرقاً يؤكد أن اليمن كان وسيبقى “مقبرة للغزاة” وعصياً على الانكسار.
ختاما.. إرث السيادة الذي لا يغيب
تظل الدولة المتوكلية، رغم كل التحديات الداخلية، النموذج الأبرز في التاريخ العربي الحديث للدولة التي “اشترت سيادتها بالدم”، إن صمودها في وجه الغزو والاحتلال لم يكن مجرد صدفة تاريخية، بل كان نتاجاً لإرادة وطنية صلبة آمنت بأن “اليمن لليمنيين”، هذا الإرث من المقاومة هو الذي جعل من اليمن عصياً على الاستعمار المباشر، وترك بصمة لا تمحى في وجدان الأجيال المتعاقبة.