من وحدة الأمة إلى سوق السياسة والمال.. قراءة صادمة في ملف إدارة الحج تحت الحكم السعودي

بين قدسية الشعيرة ومقتضيات السياسة، في أيام فضيلة ومباركة تتجه فيه أنظار المسلمين نحو مكة المكرمة وموسم الحج باعتباره أعظم تجمع سنوي في العام، يفتح كتاب “ما الذي أبقاه النظام السعودي للمسلمين من فريضة الحج؟” لمؤلفه القاضي زيد يحيى المحبشي ملفًا شائكًا يتعلق بإدارة واحدة من أعظم الفرائض الإسلامية، متسائلًا عمّا تبقى من الأهداف الرسالية والوحدوية للحج في ظل استمرار النظام السعودي للتوظيف السياسي والاستثمار الاقتصادي للمقدسات الإٍسلامية،.

الكتاب الصادرعن مركز البحوث والمعلومات ووكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، يستعرض التحولات التي شهدتها فريضة الحج، من كونها مؤتمراً إسلامياً جامعاً للوحدة والوعي والتكافل، إلى شعيرة تعرضت لعمليات تفريغ ممنهجة من مضامينها الفكرية والسياسية والحضارية، وكذلك جملة من القضايا المرتبطة بهذا الموسم العظيم ، بدءًا من ارتفاع التكاليف وتقييد بعض الحجاج، وصولًا إلى الحوادث المتكررة وسجالات إدارة الحرمين، في محاولة لإعادة طرح سؤال جوهري حول مستقبل هذه الفريضة ودورها في توحيد الأمة الإسلامية.

يمانيون| محسن علي

الحج كما يريده القرآن.. رسالة أمة لا مجرد طقوس

ينطلق الكتاب من فكرة مركزية مفادها أن الحج في أصله القرآني لم يكن مجرد رحلة تعبدية أو ممارسة شعائرية محدودة، بل مشروعاً متكاملاً لبناء الوعي الإسلامي وتعزيز وحدة الأمة وتبادل الخبرات ومناقشة قضايا المسلمين الكبرى، ويؤكد أن المناسك المختلفة تحمل دلالات تربوية وسياسية وأخلاقية عميقة تتجاوز الأداء الشكلي للشعائر.

كما يعرض رؤية أن الحج كان يمثل عبر التاريخ الإسلامي موسماً لتجديد العهد مع الله، وإظهار قوة المسلمين ووحدتهم، وبناء حالة من التفاعل الحضاري بين شعوب الأمة الإسلامية، غير أن هذه الأهداف لصالح ممارسات شكلية أفرغت الفريضة من كثير من مضامينها.

 

اتهامات بتفريغ الحج من مضمونه الحضاري

يشكل هذا المحور العمود الفقري للكتاب، إذ يوجه المؤلف نقداً مباشراً لما يصفه بدور الوهابية والنظام السعودي في تحويل الحج إلى مجموعة من الطقوس المنعزلة عن واقع الأمة وقضاياها الكبرى. ويجادل بأن إدارة الحج عملت على إقصاء الأبعاد السياسية والتوعوية والاجتماعية التي ارتبطت تاريخياً بهذه الفريضة.

ويستشهد الكتاب بآراء شخصيات دينية وفكرية متعددة، من بينها العلامة حمود الأهنومي والسيد علي الخامنئي والشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، الذين يرون أن الحج يمثل ساحة لوحدة المسلمين وإعلان البراءة من الظلم والاستكبار ومواجهة مشاريع التفريق والهيمنة، كما يركز المؤلف على مفهوم “الحج كمؤتمر عالمي للأمة الإسلامية”، معتبراً أن تغييب هذا البعد ساهم في إضعاف تأثير الحج على الواقع السياسي والثقافي للمسلمين.

 

التسييس والابتزاز السياسي للحج

يخصص الكتاب مساحة واسعة للحديث عن ما يسميه “تسييس الحج”، عبر التحكم في الحصص والتأشيرات واستخدامها كورقة ضغط سياسية ضد بعض الدول أو القوى المخالفة للتوجهات السعودية، ويورد عدداً من الأمثلة والحوادث التي يرى أنها تعكس إخضاع الفريضة لحسابات سياسية وإقليمية، ويشير إلى أن منح التأشيرات وتحديد أعداد الحجاج لم يعد مرتبطاً فقط بالاعتبارات التنظيمية، بل أصبح أداة للتأثير السياسي وإدارة العلاقات مع الدول الإسلامية، معززا هذا الطرح بالإشارة إلى تقارير ومواقف حقوقية وإعلامية انتقدت ما وصفته باستغلال الحج والعمرة لتحقيق أهداف سياسية.

 

الحج كمورد اقتصادي ضخم

من أبرز القضايا التي يناقشها الكتاب البعد الاقتصادي للحج، حيث يتوقف عند الإيرادات المالية الضخمة التي تحققها المملكة من مواسم الحج والعمرة، مستنداً إلى أرقام وتقارير إعلامية دولية تتحدث عن مليارات الدولارات التي يدرها القطاع سنوياً، وهنا يرى أن ارتفاع تكاليف الحج والخدمات المرتبطة به جعل أداء الفريضة أكثر صعوبة بالنسبة لشرائح واسعة من المسلمين، معتبراً أن الرسوم المتزايدة والخدمات الإلزامية أسهمت في تحويل الحج إلى عبء مالي ثقيل على كثير من الراغبين في أدائه.

كما يناقش العلاقة بين مشاريع التنمية الاقتصادية السعودية ورؤية 2030 وبين التوسع في استثمار قطاع الحج والعمرة بوصفه أحد أهم مصادر الدخل غير النفطي.

 

ملف الاعتقالات وملاحقة المعارضين

يفتح الكتاب ملفاً حساساً يتعلق باعتقال بعض الحجاج والمعتمرين أو تسليمهم لبلدانهم، ويستعرض نماذج لحالات يرى أنها تعكس توظيفاً أمنياً للحرمين الشريفين خارج الإطار التعبدي والإنساني المفترض، كما يناول أيضا حملات وبيانات حقوقية صدرت خلال السنوات الأخيرة وانتقدت تحويل فريضة الحج إلى مساحة للملاحقة الأمنية وتصفية الحسابات السياسية مع معارضين أو ناشطين.

 

سجل الحوادث والكوارث في مواسم الحج

يخصص المؤلف فصلاً مطولاً لرصد الحوادث والكوارث التي شهدتها مواسم الحج خلال العقود الماضية، مستعرضاً سلسلة من حوادث التدافع والحرائق والانهيارات وحالات الوفاة الجماعية التي وقعت في المشاعر المقدسة، كما يرى أن تكرار هذه الحوادث يعكس اختلالات في الإدارة والتنظيم والتخطيط، ويستخدمها كجزء من حجته الأساسية بشأن عدم كفاءة إدارة المقدسات الإسلامية، مستشهدا بعدد من الأحداث التاريخية التي تعود إلى بدايات الدولة السعودية الأولى والثانية وما رافقها من صراعات وأعمال هدم للمعالم والآثار الإسلامية.

 

القيمة الفكرية للكتاب

تكمن أهمية الكتاب في أنه لا يكتفي بسرد الأحداث أو توجيه الانتقادات، بل يحاول إعادة طرح سؤال جوهري حول وظيفة الحج في حياة المسلمين: هل هو مجرد شعيرة فردية، أم مؤسسة حضارية كبرى لصناعة الوعي والوحدة والتغيير؟ ويقدم المؤلف رؤية فكرية وسياسية واضحة تنطلق من اعتبار الحج مشروعاً نهضوياً للأمة الإسلامية، ويرى أن استعادة أبعاده الأصلية تمثل شرطاً أساسياً لإحياء دوره التاريخي في توحيد المسلمين ومواجهة التحديات التي تواجههم.

 

ختاما..

يدعو الكتاب إلى ضرورة تحرير الحج من التجاذبات السياسية والاقتصادية، وإعادته إلى مكانته كفريضة دينية خالصة. ويقترح ضرورة تدويل إدارة الحرمين الشريفين لضمان حياديتها وخدمتها لجميع المسلمين دون تمييز.

للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب.

ما_الذي_أبقاه_النظام_السعودي_للمسلمين_في_فريضة_الحج

You might also like