حكمة القبيلة اليمنية.. كيف تحولت “الثارات” المعقدة إلى “صلح عام” في وجه العدوان؟
في الوقت الذي راهن فيه تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي منذ عام 2015 على تفجير الداخل اليمني عبر إذكاء الصراعات القبلية وإحياء قضايا الثأر المعقدة، كانت القبيلة اليمنية تخوض معركة موازية لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية؛ معركة الحفاظ على النسيج الاجتماعي وإفشال مشاريع التفكيك والفوضى لتثبت أصالتها وحكمتها البالغة ولتتحول إلى صمام أمان يحمي النسيج الاجتماعي ويحصن الجبهة الداخلية ، ومن خلال استجابة واسعة منقطعة النظير لتوجيهات السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، أطلقت مسار “الصلح العام” الذي أطفأ نيرانا استعرت لعقود، وتحولت مبادرات الصلح العام إلى ظاهرة مجتمعية امتدت على كافة المحافظات والمناطق الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء في ظل إسناد رسمي من السلطات المحلية والسياسية والثورية.
هذا التقرير يسلط الضوء على كيف تغلبت القبائل على جراحها، وكيف تكامل العرف القبلي مع سلطة القانون لإنهاء حقبة من الدماء، مؤسساً لعصر جديد من الوئام والتلاحم الوطني.
يمانيون| محسن علي
استجابة واعية لتوجيهات القيادة
لطالما شكلت قضايا الثأر جرحاً غائراً في جسد المجتمع اليمني، استنزف طاقاته وأرواح أبنائه لعقود طويلة، ومع بدء العدوان الأمريكي السعودي على اليمن في عام 2015، أدركت القيادة الثورية ممثلة بالسيد عبدالملك بدر الدين الحوثي خطورة هذه الظاهرة على تماسك الجبهة الداخلية، ومن هنا، جاءت التوجيهات الحكيمة بضرورة إرساء “الصلح العام” وإنهاء النزاعات القبلية، وتوجيه البوصلة نحو مواجهة العدو الخارجي.
استجابت القبائل اليمنية لهذه التوجيهات بوعي استثنائي، متجاوزة خلافاتها الشخصية والتاريخية، فلقد أدرك مشايخ ووجهاء القبائل أن استمرار الثارات في ظل العدوان يمثل خدمة مجانية للعدو، فبادروا إلى عقد اللقاءات والوساطات، متنازلين عن حقوقهم الشخصية حقناً للدماء وحفاظاً على وحدة الصف، هذا التحول يعكس عمق الانتماء الوطني لدى القبيلة اليمنية وهويتها الإيمانية الفريدة، وقدرتها على التكيف مع التحديات الوجودية.
من ساحة الثأر إلى ساحة الوعي الوطني
منذ الأيام الأولى للعدوان على اليمن عام 2015، أدركت القوى المعادية أن إسقاط الجبهة الداخلية يمثل أقصر الطرق لإضعاف اليمنيين، ولذلك، لم يكن الرهان العسكري وحده هو الخيار المطروح، بل جرى التعويل أيضاً على تفجير البنية القبلية وإعادة إنتاج الثارات القديمة والنزاعات الاجتماعية لإغراق البلاد في فوضى داخلية تستنزف المجتمع والدولة معاً، غير أن ما حدث كان عكس ما خُطط له تماما، فبدلاً من الانزلاق إلى الاحتراب القبلي، شهد اليمن واحدة من أوسع عمليات الصلح المجتمعي في تاريخه الحديث، قادتها القبائل اليمنية مدفوعة باعتبارات دينية ووطنية وأخلاقية، واستجابة مباشرة للدعوات المتكررة التي أطلقتها القيادة الثورية والسياسية لتجنيب المجتمع الانقسام الداخلي وتعزيز التلاحم الوطني في مواجهة العدوان الخارجي.
الجبهة الداخلية عصية على الاختراق
منذ الأيام الأولى للعدوان، راهنت دول التحالف على إحداث اختراقات في الجبهة الداخلية اليمنية، معتمدة على إذكاء النزاعات القبلية وتغذية قضايا الثأر بالمال والسلاح، كان الهدف واضحاً: إشغال اليمنيين بصراعات داخلية تضعف مقاومتهم وتسهل السيطرة عليهم.
إلا أن وعي القبيلة اليمنية ويقظة الأجهزة الأمنية أسقطا هذه الرهانات تباعاً، فبدلاً من الاحتراب الداخلي، شهدت المحافظات اليمنية الحرة موجة غير مسبوقة من التصالح والتسامح، وأدرك اليمنيون أن العدو الحقيقي هو من يقصف مدنهم ويحاصرهم، فتحولت طاقات القبائل من الاقتتال الداخلي إلى رفد الجبهات بالرجال والمال،وبذلك، تحولت الجبهة الداخلية إلى حصن منيع تحطمت عليه كل مؤامرات التمزيق والتشتيت.
توجيهات القيادة.. البعد الوطني في معالجة الثأر
لم تُطرح قضية الثأر بوصفها شأناً اجتماعياً فقط، بل باعتبارها قضية أمن قومي تتصل مباشرة بصلابة الجبهة الداخلية، فخلال السنوات الماضية تكررت الدعوات الرسمية والقبلية إلى: إيقاف الثارات، وتجريم الاقتتال الداخلي، والتوجه نحو التحكيم والمصالحة، وتعزيز التماسك الداخلي, وحماية النسيج القبلي من الإختراق، وقد لعبت هذه التوجيهات دوراً محورياً في تحويل المصالحات القبلية إلى مشروع وطني واسع، لا مجرد مبادرات محدودة أو موسمية.
الإسناد الرسمي.. تكامل العرف القبلي مع سلطة القانون
لم تكن جهود القبائل لتثمر بهذا الشكل الواسع لولا الإسناد القوي والمباشر من السلطات الرسمية في صنعاء
، فقد أولى المجلس السياسي الأعلى اهتماماً بالغاً لملف الثأر، وشكل لجاناً عليا للمصالحة الوطنية ومعالجة قضايا الثأر، ضمت في عضويتها كبار مشايخ اليمن ومسؤولين حكوميين .
عملت هذه اللجان بتناغم تام مع الأعراف القبلية، حيث وفرت الغطاء الرسمي والدعم اللوجستي لجهود الوساطة،كما ساهمت الأجهزة الأمنية والقضائية في تثبيت دعائم الصلح، من خلال توثيق الاتفاقيات وضمان تنفيذها، مما عزز من ثقة المواطنين في جدية مساعي الدولة، هذا التكامل بين العرف القبلي وسلطة القانون شكل نموذجاً فريداً في إدارة الأزمات الاجتماعية، وأثبت قدرة مؤسسات الدولة في صنعاء على استعادة دورها كراعٍ للسلم الأهلي.
سقوط الرهان الخارجي
منذ ما قبل العدوان وحتى أثناءه خلال 12 عاما كان الرهان واضحاً للعدو.. وهو دفع القبائل إلى الاقتتال الداخلي، وتشتيت المجتمع، وتحويل اليمن إلى جغرافيا ممزقة بالنزاعات، لكن ما حدث أن القبيلة اليمنية، رغم ما تعرضت له من استهداف وضغوط، أظهرت قدراً كبيراً من الحكمة السياسية والاجتماعية، ونجحت في الفصل بين الخلافات الداخلية والمعركة الوطنية الكبرى.
فبدلاً من الانهيار، تحولت القبيلة إلى أحد أهم عوامل الاستقرار المجتمعي، وأسهمت في: حماية الأمن الداخلي والاستقرار المجتمعي, احتواء النزاعات في مهدها، منع توسع العنف، الحفاظ على الجبهة الداخلية، تعزيز حالة النفير والتعبئة العامة والجهادية في أوساط القبائل، توسع ثقافة “التحكيم والصلح” كبديل عن التصعيد والثأر ويرى متابعون أن فشل مشاريع التفكيك الداخلي شكّل أحد أبرز أسباب صمود اليمن طوال سنوات العدوان والحصار.
إحصائيات ووقائع.. إنجازات تاريخية في ملف الثأر
تعكس لغة الأرقام حجم الإنجاز التاريخي الذي تحقق في ملف الثأر خلال الفترة (2015-2027)، ورغم صعوبة الحصر الدقيق لكل القضايا، إلا أن التقارير الرسمية والقبلية تشير إلى نتائج مبهرة:
تم حلحلة الآلاف من قضايا الثأر والنزاعات القبلية في مختلف المحافظات الحرة (صنعاء، ذمار، عمران ،صعدة،حجة،الحديدة, وإب…وغيرها)
إنهاء قضايا ثأر معقدة دامت توارثتها الأجيال لأكثر من 20 إلى 40 عاما
تراجع ملحوظ في نسبة انخفاض معدل الجرائم ذات الطابع القبلي والنزاعات المسلحة الداخلية بنسبة
70-80% مقارنة بفترة ما قبل 2015م.
ومن أبرز قصص النجاح التي جسدت هذا التحول، قضية الثأر في مديرية الحداء بمحافظة ذمار، والتي دامت لأكثر من 20 عاماً وراح ضحيتها أكثر من 40 شخصاً، بفضل جهود الوساطة القبلية والرسمية، تم طي صفحة هذا الصراع الدامي في مشهد مهيب يعكس تسامح وعفو اليمنيين ، كما شهدت محافظات أخرى كإب وصنعاء (مثل صلح أرحب ورداع) إغلاق ملفات ثأر شائكة، مما أسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي .
القبيلة اليمنية.. حكمة التاريخ وصلابة الموقف
ما حدث خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد نجاح في حل قضايا اجتماعية، بل كان تحولاً عميقاً في الوعي القبلي اليمني فالقبيلة التي طالما قُدمت في بعض الأدبيات بوصفها عامل اضطراب، أثبتت في لحظة تاريخية حساسة أنها قادرة أيضاً على أن تكون عامل استقرار، وحائط صد اجتماعي، وقوة حماية للنسيج الوطني, ليصبح أكثر قدرة على مواجهة الغزو والاحتلال الجديد.
نحو مستقبل خالٍ من الثأر
إن ما حققته القبائل اليمنية، مسنودة بالسلطات الرسمية في صنعاء، في ملف الثأر يمثل معجزة اجتماعية بكل المقاييس،لقد أثبت اليمنيون أنهم قادرون على تجاوز أعمق جراحاتهم عندما يتعلق الأمر بمصلحة الوطن ومواجهة التحديات الوجودية، ومع استمرار مساعي “الصلح العام”، يمضي اليمن بخطى ثابتة نحو مستقبل خالٍ من الثأر، تتسيد فيه قيم التسامح والإخاء، وتتفرغ فيه طاقات المجتمع للبناء والتنمية والدفاع عن السيادة الوطنية.