“الليامة”.. النظام القبلي الصارم الذي يحوّل المماطلة في الحقوق إلى معركة شرف وهيبة

بين أوساط المجتمعٍ اليمني الذي تُقاس فيه الكرامة بصدق الموقف، ويُعدّ “الوجه الأبيض” رأس مالٍ معنوياً يفوق المال والسلاح، لم تكن “الليامة” مجرّد قطعة قماش سوداء تُعلّق في الأسواق والطرقات، بل كانت أخطر إعلان اجتماعي يمكن أن يُرفع في وجه رجل أو قبيلة، فهي لحظة يتحول فيها الخلاف من مجرد مطالبة بحق إلى قضية شرف وسمعة ومكانة قبلية، تُفتح معها أبواب الإنذار والطوارئ، ويصبح الوفاء أو “سواد الوجه” خيارين لا ثالث لهما.

وفي عمق المنظومة العرفية اليمنية التي صاغتها القبيلة عبر قرون طويلة من التجربة والحكمة، تبرز “الليامة” كواحدة من أكثر القواعد العرفية حساسية وهيبة، لما تحمله من دلالات تتجاوز التشهير إلى إعلان سقوط الاعتبار الاجتماعي للطرف المماطل، بعد استنفاد سلسلة طويلة من الوساطات والإجراءات العرفية الدقيقة.

هذا التقرير السادس والعشرون من سلسلة “قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن” يفتح واحداً من أكثر الملفات العرفية إثارة وتعقيداً، كاشفاً كيف تحولت “الليامة” إلى منظومة عدالة متكاملة تحفظ الحقوق، وتفرض الالتزام، وتحمي المجتمع من الفوضى والمماطلة، ضمن قواعد صارمة تجعل من الشرف القبلي سلطة تفوق أحياناً سلطة القوانين المكتوبة نفسها.

 

يمانيون| محسن علي

المفهوم العرفي لـ “الليامة”

تُعرف “الليامة” في العرف القبلي بأنها قطعة سوداء من القماش تُرفع من طرف (اللائم) على طرف آخر (الملام) في الأماكن العامة كـ الأسواق، والطرقات، والساحات، والمساجد. تعبر هذه القطعة عن اللوم أو الملام، والذي يعني عرفاً “سواد الوجه” للطرف الملام، وذلك لعدم وفائه بما عليه من حق أو التزام لغريمه رافع الليامة، فعندما يماطل أي غريم في دفع ما عليه من حقوق والتزامات، يصبح ملاماً من صاحب الحق والآخرين بموجب رفع الليامة عليه، لأن رفع الملام فيه تشهير وتشويه للشخص المماطل غير الوافي في تعامله مع الناس، كما يُوحي رفع الليامة في العرف القبلي بإعلان حالة الطوارئ والحرب على الطرف الملتام من قبل رافع الملام، ولرفع الليامة إجراءات مسنونة لا يصح مخالفتها أو الإخلال بها من قبل رافع الملام، وإلا تحمل أحكام عيب مغلظة، كما لا يجوز رفع الليامة لغرض التشويه بإنسان قبل اتخاذ إجراءاتها العرفية المسنونة.

 

الإجراءات العرفية المسنونة قبل رفع الليامة

في حال مماطلة الغريم في الوفاء بحق أو التزام، لا يحق للغريم صاحب الحق رفع الليامة مباشرةً. بل يجب عليه اتخاذ خمسة إجراءات عرفية مسنونة قبل ذلك:

الإجراء الأول: النده

هو أول إجراء عرفي، حيث يقوم صاحب الحق بـ “النده” لغريمه المماطل، أي إشعاره بسرعة الوفاء، فإن استجاب ووفى، فقد “بيض وجهه”، وإن لم يستجب، ينتقل المطالب إلى الإجراء الثاني.

الإجراء الثاني: التقديم

بعد “النده” دون وفاء، يقوم صاحب الحق بـ “التقديم” لأقرباء غريمه، أي إشعارهم بالمماطلة الحاصلة من قريبهم. يترتب عليهم واجب عرفي بإلزام قريبهم بالوفاءـ فإن قاموا بواجبهم وتم الوفاء، فقد “أصبحوا بيضان وجيه”، وإن لم يقوموا بذلك، ينتقل صاحب الحق إلى الإجراء الثالث

الإجراء الثالث: الدفر

بعد “التقديم” دون وفاء، يقوم صاحب الحق بـ “الدفر”، أي الوصول إلى بيت الغريم أو إلى الساحة للمضاف، فإن أجدى ذلك، كان بها، وإلا، ينتقل صاحب الحق إلى الإجراء الرابع

الإجراء الرابع: التثوير

بعد “الدفر” دون وفاء، يقوم صاحب الحق بـ “التثوير” لغرامة أو قبيلة الغريم، أي إبلاغهم بالمماطلة الحاصلة من الغريم وأقربائه، فإن قام أولئك الغرامة أو القبيلة بواجبهم العرفي بإلزام صاحبهم بالوفاء، وتم الوفاء، فقد “بيضت وجيههم”، وإن لم يقوموا بذلك، ينتقل صاحب الحق إلى الإجراء الخامس

الإجراء الخامس: الإشهاد

بعد “التثوير” دون وفاء، يقوم صاحب الحق بـ “الإشهاد”، أي إبلاغ القبائل الأخرى المجاورة والصافية ليكونوا شهوداً على هذا المغرم أو القبيلة التي لم تقم بواجبها، على من تم إشهادهم واجب عرفي بالانتقال إلى الغريم المماطل وغرامته كوساطة لإقناعهم بالوفاء، فإن استجابوا وتم الوفاء، فقد “بيضت وجيههم”، وإلا، يصبح أولئك الوسطاء شهوداً على مماطلة الغريم وقبيلته، ويصبح من حق الطرف المطالب بالحق رفع الليامة والملام على غريمه وغرامته على ثلاث مراحل عرفية مسنونة.

 

المراحل العرفية المسنونة في رفع الليامة

تتم عملية رفع الليامة على ثلاث مراحل متتالية وهي كالتالي:

الأولى: مرحلة الإنذار

هي أولى مراحل رفع الليامة، ويتم فيها رفع قطعة بيضاء من القماش في الأماكن العامة لمدة أسبوع كامل (يُسمى “ثمان” عند القبائل)، هذا بمثابة تنبيه وإنذار للطرف المماطل. إذا مضى الأسبوع ولم يتم الوفاء، ينتقل صاحب الحق إلى المرحلة الثانية

الثانية: مرحلة الخيار

في هذه المرحلة، تُرفع قطعة سوداء من القماش إلى جانب القطعة البيضاء السابقة، وذلك لمدة أسبوع آخرـ يعني رفع القطعة السوداء إلى جانب البيضاء تخيير الغريم المماطل (الملتام) بين الوفاء أو الجفاء، بعد مرور الأسبوع الثاني دون وفاء، يعني ذلك أن الملتام قد اختار الجفاء، مما يحتم دخول اللائم في المرحلة الثالثة

الثالثة: مرحلة الطوارئ

في مرحلة الطوارئ، تُنزل القطعة البيضاء نهاية الأسبوع الثاني، وتُبقى القطعة السوداء المعبرة عن الجفاء وسواد الوجه لمدة أسبوع كامل، فإذا لم يحصل وفاء من الملتام خلال الأسبوع الثالث، فإن حالة الطوارئ والحرب قد بدأت على الغريم الملتام الذي “سود وجهه” بعدم الوفاء، وباتباع هذه الإجراءات، يكون الطرف اللائم قد أخرج نفسه من أي لبس أو عيب قد يترتب عليه تجاه غريمه الملتام، ولا يتحمل أي أحكام مغلظة مهما حصل منه على غريمه من أفعال أو تعدٍ بعد مضيه في الإجراءات العرفية المسنونة

 

مفهوم عيب الليامة

هو تلك الأحكام المغلظة التي يتحملها الطرف اللائم أو الطرف الملام عند ارتكاب أحدهما أي مخالفات أو اعتداءات أثناء أو بعد رفع الليامة، ويُعتبر “عيب الليامة” من العيوب الحمراء في العرف القبلي، والذي يُحكم في نواتجه بـ “المحدش” في عرض الإنسان، وفي دمه، وفي ماله.

 

يُوضح “عيب الليامة” في حالتين:

الحالة الأولى: إذا كان رفع الملام متسنناً (صحيحاً)

إذا كان رفع الليامة من الطرف اللائم على غريمه بصورة سليمة وفق الإجراءات المسنونة عرفاً، فإنه يُعتبر “عيب أحمر على الملتام”، بمعنى أن كل ما يحصل من اعتداءات أو أفعال من الطرف الملتام على الطرف اللائم أثناء أو بعد رفع الليامة، يُعتبر عيباً أحمر يُحكم فيه بـ “المحدش”، سواء كان الاعتداء في عرض اللائم، أم في دمه، أم في ماله، وكل ما يحصل من اللائم في الملتام، فلا يُحكم فيه بالعيب، وإنما بحكم الحد الأصلي فقط، لأن رفع الليامة وفق إجراءاتها العرفية الصحيحة يُبطل حكم العيب على الطرف اللائم.

 

الحالة الثانية: إذا كان رفع الملام أعوجاً (خاطئاً)

إذا كان رفع الليامة من الطرف اللائم بصورة خاطئة ومخالفة للإجراءات العرفية المسنونة، أو كان لغرض التشويه والتشهير بغريمه دون حق، فإنه يُعتبر “عيب أحمر على اللائم”، بمعنى أن كل ما يحصل من اعتداءات أو أفعال من الطرف اللائم على الطرف الملتام أثناء أو بعد رفع الملام، يُعتبر عيباً أحمر يُحكم فيه بـ “المحدش”، سواء كان الاعتداء على الملتام في عرضه، أم في دمه، أم في ماله، وكل ما يحصل من الملتام في اللائم، فلا يُحكم فيه بالعيب، وإنما بمحكوم الحد الأصلي فقط، لأن رفع الملام الأعوج يُبطل أي عيب على الملتام

 

ختاما

تُعد “الليامة” تجسيداً حياً لآليات العدالة العرفية في المجتمع القبلي اليمني، حيث تتجاوز مجرد العقاب لتشمل رد الاعتبار وصون الكرامة، إنها نظام متكامل يضمن حقوق الأفراد ويحمي النسيج الاجتماعي من خلال إجراءات دقيقة ومراحل متصاعدة، تنتهي إما بالوفاء واستعادة الوجه الأبيض، أو بمواجهة عواقب وخيمة تصل إلى “المحدش” في حال الإصرار على المماطلة أو التشهير بالباطل، وهذا العرف يعكس حكمة الأجداد في بناء منظومة قانونية واجتماعية تحافظ على التوازن والعدل في مجتمعاتهم وتجسيدا لأصالتهم القيمية والأخلاقية والإيمانية.

المرجع: قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن – الشيخ روضان.

You might also like