بيان الخارجية اليمنية .. رسائل سيادية تعيد تعريف الصراع وتفند رواية النظام السعودي
جاء بيان وزارة الخارجية اليمنية في الرد على بيان خارجية النظام السعودي بوصفه وثيقة سياسية تحمل مضامين تتجاوز حدود الرد الدبلوماسي التقليدي، لتؤسس لرواية متكاملة تستند إلى مفهوم السيادة الوطنية، وتحمل رسائل واضحة بشأن طبيعة الصراع ومستقبله، وتعيد التأكيد على ثوابت الموقف اليمني في مواجهة عدوانًا وحصارًا مستمرين، ومن خلال قراءة تحليلية لمضامين البيان، يتضح أنه يرتكز على عدد من الأبعاد السياسية والقانونية والاستراتيجية التي تعكس رؤية الجمهورية اليمنية لطبيعة العلاقة مع النظام السعودي المجرم، وتحدد سقف المطالب اليمنية ومحددات أي مسار مستقبلي.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
إسقاط رواية الوصاية ورفض التعامل مع اليمن باعتباره تابعًا
أبرز ما حمله البيان هو رفضه القاطع للغة التي اعتبر أنها تعكس نظرة استعلائية يتعامل بها النظام السعودي مع الجمهورية اليمنية، وكأنها مناطق خاضعة لنفوذه أو ولايته السياسية، ويرى البيان أن هذا الخطاب يعكس ذهنية الوصاية التي حاولت مملكة الشر تكريسها لعقود، بينما يؤكد الموقف اليمني أن الجمهورية اليمنية دولة ذات سيادة كاملة، لا تقبل أي وصاية أو تدخل في قرارها الوطني، وأن أي حديث يخالف ذلك يمثل انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
تفكيك خطاب “المنّة” الإنسانية
ومن أبرز الرسائل التي تضمنها البيان رفضه محاولة النظام السعودي تقديم السماح بدخول سفن الغذاء والدواء إلى الموانئ اليمنية باعتباره منحة أو فضلًا يمنحه للشعب اليمني، فالبيان يؤكد أن الغذاء والدواء ليسا امتيازًا تمنحه دولة لدولة أخرى، وإنما حق إنساني أصيل تكفله القوانين الدولية، وأن الحصار المفروض على الموانئ والمطارات هو السبب المباشر في تفاقم الأزمة الإنسانية، وبالتالي فإن رفع القيود ليس إحسانًا، بل التزام قانوني وأخلاقي.
استدعاء الذاكرة الوطنية وتثبيت المسؤولية التاريخية
ويعيد البيان التذكير بحجم الخسائر البشرية التي تكبدها اليمن خلال سنوات العدوان، مؤكدًا أن الشعب اليمني لن ينسى دماء عشرات الآلاف من الشهداء الذين سقطوا نتيجة الغارات الجوية المنسوبة للتحالف بقيادة السعودية، ويحمل هذا الطرح دلالة سياسية تتمثل في التأكيد أن أي مسار سياسي أو تفاهمات مستقبلية لا يمكن أن تتجاهل حجم المأساة الإنسانية وما خلفته سنوات الحرب من آثار عميقة في الوعي الوطني اليمني.
تأكيد أن الأزمة الأساسية هي استمرار العدوان والحصار
ويضع البيان جوهر الأزمة في استمرار ما يصفه بالعدوان والحصار، معتبرًا أن الطريق الأقصر نحو الاستقرار يبدأ برفع اليد السعودية عن اليمن وإنهاء جميع أشكال التدخل العسكري والاقتصادي والسياسي، وفي هذا السياق، يحمل البيان تحذيرًا واضحًا بأن استمرار السياسات الحالية لن يؤدي إلى الاستقرار، وإنما إلى تصاعد المواجهة وتحمل النظام السعودي تبعات ذلك.
الصراع في المحافظات المحتلة .. دليل على واقع الاحتلال
ومن النقاط اللافتة في البيان استحضاره للتوترات التي شهدتها بعض المحافظات المحتلة بين القوى المدعومة من السعودية والإمارات، باعتبارها دليلًا على وجود نفوذ وسيطرة مباشرة للقوتين داخل تلك المناطق، ويستند البيان إلى هذه الوقائع لنفي الرواية التي تنكر وجود تدخل عسكري مباشر، معتبرًا أن الصراع بين القوى المدعومة من الرياض وأبوظبي يعكس طبيعة النفوذ الخارجي على تلك المحافظات.
تحميل النظام السعودي المسؤولية المباشرة عن الحرب
ويرفض البيان محاولات تحميل المسؤولية للأطراف المحلية فقط، مؤكدًا أن مئات الآلاف من الطلعات الجوية التي نفذها طيران التحالف خلال سنوات الحرب تمثل دليلًا على أن القرار العسكري كان سعوديًا بالدرجة الأولى، وبذلك يسعى البيان إلى تثبيت المسؤولية السياسية والعسكرية المباشرة للنظام السعودي عن مجريات الحرب ونتائجها.
معادلة الردع وربط الأمن بالأمن
ومن أكثر مضامين البيان دلالة حديثه عن أن وضع مطار الرياض ينبغي أن يكون كوضع مطار صنعاء، وأن موانئ ينبع وجيزان وغيرها يجب أن تكون كوضع ميناء الحديدة، وتعكس هذه الرسالة معادلة “الحصار بالحصار”، أي أن استمرار القيود على المنشآت المدنية اليمنية سيقابله ربط أمن المنشآت الحيوية في السعودية بمستوى ما يتعرض له اليمن، ويحمل هذا الطرح رسالة ردع استراتيجية تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل في التأثير على المصالح الحيوية.
تراكم الجرائم وأثرها السياسي
ويؤكد البيان أن قائمة الجرائم والانتهاكات طويلة، وأن آثارها السياسية والإنسانية لن تسقط بالتقادم، معتبرًا أن استمرار الإنكار لن يؤدي إلا إلى زيادة التعقيد، وأن معالجة جذور الأزمة تظل أقل كلفة من استمرارها، كما يربط البيان بين المكابرة السياسية وبين إطالة أمد الصراع، داعيًا إلى مراجعة السياسات السابقة والانخراط في مسار يعالج أسباب الأزمة من جذورها.
السيادة الكاملة .. السقف النهائي للموقف اليمني
ويختتم البيان بتحديد ما يعتبره الثابت الوطني الذي لا يقبل المساومة، والمتمثل في استقلال الجمهورية اليمنية استقلالًا كاملًا، وسيادة غير منقوصة، واستعادة الحقوق المشروعة، دون انتقاص، ويؤكد أن هذا المطلب يمثل الحد الأدنى الذي يلتف حوله الشعب اليمني، وأن أي حلول لا تحقق هذا الهدف لن تنهي أسباب الصراع.
ختاما ..
يعكس بيان وزارة الخارجية اليمنية تحولًا من مجرد الرد السياسي إلى صياغة خطاب متكامل يعيد تعريف طبيعة الصراع من منظور السيادة الوطنية والاستقلال الكامل، ويركز البيان على تفنيد الرواية السعودية عبر التأكيد على رفض الوصاية، ورفض تصوير الحقوق الإنسانية باعتبارها امتيازات، وتحميل النظام السعودي مسؤولية الحرب وتداعياتها، مع التشديد على أن إنهاء الحصار والتدخلات يمثل المدخل الأساس لأي استقرار مستقبلي، كما يقدم البيان معادلة ردع جديدة تربط بين أمن اليمن وأمن السعودية، ويؤكد أن مستقبل العلاقات لن يبنى إلا على أساس الاحترام المتبادل، وإنهاء التدخل، والاعتراف الكامل بسيادة الجمهورية اليمنية وحقوقها المشروعة، باعتبار ذلك الطريق الأقل كلفة لتجنب مزيد من التصعيد.