بعد ضربات جيزان وينبع.. المرتزقة يشنون حرب الأكاذيب
في كل مرة تتلقى فيها السعودية ضربة عسكرية مؤثرة، يتكرر المشهد ذاته بصورة تكاد تكون نمطية؛ فبمجرد أن تهتز معادلات الردع، تنطلق على منصات التواصل الاجتماعي موجة منظمة من الخطاب الإعلامي الذي يتبناه مرتزقة الرياض، في محاولة لاحتواء آثار الضربة وصرف الأنظار عن نتائجها، وتنشغل الرياض بإدارة تداعيات الضربات التي طالت جيزان وينبع، بتشغيل المرتزقة بإدارة معركة أخرى لا تدور في الميدان، وإنما في الفضاء الإلكتروني، حيث تُطلق حملات التهديد والوعيد، وتُنسج الروايات الدعائية، وتُعاد تدوير الأكاذيب في محاولة للتغطية على الإخفاقات العسكرية والسياسية، غير أن اللافت في هذه الحملات أنها لم تعد تحقق الأثر الذي سعت إليه في السنوات الماضية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مادة للسخرية والانتقاد، حتى أصبح مطلقوها يتلقون اللعنات والاستهجان من المتابعين بدلاً من تحقيق أي مكسب دعائي، وهو ما يعكس حالة الإفلاس الإعلامي التي وصل إليها الخطاب المرتبط بالعدوان.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
حملة إلكترونية تكشف حالة الارتباك السعودي
التوقيت الذي اندفعت فيه حسابات الارتزاق الموالية للرياض لإطلاق موجة من التهديدات والاتهامات لم يكن عفوياً، بل جاء متزامناً مع تصاعد الاهتمام بنتائج الضربات التي استهدفت جيزان وينبع، الأمر الذي يعكس وجود محاولة لتغيير اتجاه النقاش العام من الحديث عن تأثير الضربات إلى إثارة ضجيج إعلامي موازٍ، وتشير هذه السرعة في توحيد الخطاب وتكرار المفردات ذاتها إلى وجود غرفة إعلامية تعمل على توجيه الرسائل، بحيث تتولى الحسابات المرتبطة بالعدوان إعادة إنتاج الرواية السعودية وإغراق منصات التواصل بمحتوى يهدف إلى التشويش على الوقائع الميدانية.
الأكاذيب بديلاً عن الإنجازات
عندما تعجز الأدوات العسكرية عن تحقيق أهدافها، يصبح الإعلام أحد البدائل لتعويض الفشل، ولذلك اعتمد المرتزقة على خطاب يقوم على ثلاثة محاور متكررة، أهمها ،
تضخيم التهديدات وإطلاق الوعيد دون امتلاك أدوات تنفيذها.
التشكيك في أي نجاح عسكري تحققه القوات المسلحة اليمنية.
محاولة صناعة انتصار إعلامي افتراضي يعوض غياب الإنجاز الحقيقي.
وهذه المعادلة تكشف أن الحرب الإعلامية التي يخوضها المرتزقة ليست تعبيراً عن قوة، بل عن أزمة متفاقمة، لأن الخطاب الدعائي يزداد كلما تقلصت الخيارات الميدانية.
التغطية على الجرائم.. الهدف الحقيقي للحملة
لا يمكن فصل هذه الحملات عن سياقها الأشمل، إذ تأتي بالتزامن مع محاولات صرف الأنظار عن تداعيات العمليات العسكرية السعودية وما يرافقها من خسائر وأضرار، ومن هذا المنطلق، تصبح الأكاذيب وسيلة لتحويل النقاش العام بعيداً عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمسار الحرب، والتركيز بدلاً من ذلك على حملات الاتهام والتحريض والتهويل، ويكشف هذا السلوك عن اعتماد متزايد على الحرب النفسية باعتبارها إحدى أدوات إدارة الأزمة الإعلامية، في ظل صعوبة تقديم رواية مقنعة بشأن التطورات الميدانية.
مرتزقة بلا مشروع.. ووظيفة واحدة
المتابع لخطاب هذه الحسابات يلاحظ أنها تكاد تخلو من أي رؤية سياسية أو مشروع وطني، إذ ينحصر نشاطها في الدفاع عن الرواية السعودية، والهجوم على كل ما يتعارض معها، وهذا التحول جعلها تفقد تدريجياً قدرتها على التأثير، لأنها لم تعد تُنظر إليها باعتبارها تعبر عن موقف مستقل، وإنما كامتداد للآلة الإعلامية التي تعمل لخدمة أجندة العدو السعودي، وهو ما يفسر اتساع فجوة الثقة بينها وبين الجمهور.
منصات التواصل.. ساحة حرب نفسية
يحاول المرتزقة استثمار الانتشار السريع لمنصات التواصل لإحداث انطباع بوجود حالة تعبئة واسعة، عبر تكرار الوسوم والرسائل ذاتها، وإعادة تدوير المحتوى بصورة مكثفة، لكن هذه الآلية تواجه تحدياً متزايداً يتمثل في قدرة المستخدمين على التحقق من المعلومات، فضلاً عن أن كثافة الرسائل المتشابهة أصبحت تكشف الطابع المنظم للحملة بدلاً من إخفائه، الأمر الذي يفقدها جزءاً كبيراً من تأثيرها.
من التهديد إلى السخرية
من أبرز الدلالات التي رافقت هذه الحملات أن كثيراً من رسائل التهديد لم تلقَ التفاعل الذي كان مخططاً له، بل واجهت موجة من التعليقات الساخرة والانتقادات، حتى بدا أن مطلقيها وجدوا أنفسهم في مواجهة غضب المستخدمين بدلاً من توجيه الرأي العام، وهذا التحول يعكس تراجع فاعلية الخطاب القائم على لغة الابتذال والكذب والتخويف والوعيد.
معركة الرواية لم تعد سهلة
تؤكد هذه التطورات أن الصراع لم يعد مقتصراً على الميدان العسكري، بل امتد إلى معركة الرواية والإدراك العام، حيث تسعى كل جهة إلى تثبيت سرديتها أمام الجمهور، غير أن نجاح أي رواية إعلامية يبقى مرتبطاً بمدى انسجامها مع الوقائع، وهو ما يجعل حملات التضليل تواجه تحديات متزايدة كلما اتسعت الفجوة بين الخطاب الدعائي والحقائق التي يراها الناس على الأرض.
ختاما ..
تكشف موجة التهديدات والأكاذيب التي أطلقها المرتزقة عقب ضربات جيزان وينبع أن ما يجري ليس مجرد تفاعل عابر على منصات التواصل، بل جزء من حملة إعلامية تهدف إلى امتصاص آثار الضربات وتحويل الأنظار عن تداعياتها، غير أن تكرار الأساليب ذاتها، واعتماد خطاب يقوم على التهويل والتضليل، جعلا هذه الحملات تفقد الكثير من قدرتها على التأثير، بل وتحولت في كثير من الأحيان إلى عبء على مطلقيها، بعدما وجدوا أنفسهم في مواجهة موجة من الرفض والسخرية بدلاً من كسب التعاطف أو تغيير مسار النقاش العام، وفي ظل هذا المشهد، تبدو حرب الأكاذيب انعكاساً لأزمة في الخطاب أكثر من كونها تعبيراً عن قوة، ومحاولة لتعويض ما تعجز الوقائع عن تقديمه.