خطر خفي يهدد الأجيال.. مجالات الحرب الناعمة الـ6 في تفكيك الهُوِيَّة والمجتمع
تخوض الحرب الناعمة الشيطانية في عصرنا الراهن بقيادة قوى الطغيان والاستكبار العالمي أمريكا الشيطان الأكبر والغدة السرطانية ممثلة بالكيان الصهيوني غمار صراع خفي وتكتيك معقد متعدد الأوجه وفق منظومة متكاملة يستهدف جوهر الأمم وهويتها وقيمها وأخلاقها ومبادئها لاغتيال مستقبل أجيالها، فمن التشكيك في المرجعيات الفكرية إلى إفساد البنية الأخلاقية والاجتماعية، مروراً بالهيمنة الاقتصادية والسياسية، وصولاً إلى تزييف الوعي عبر الإعلام والتقنية، وحتى إعادة صياغة المناهج التعليمية؛ تتكامل مجالات هذه الحرب لتحدث تأثيراً تراكمياً يهدد تماسك المجتمعات واستقلالها.
هذا التقرير يسلط الضوء على الأبعاد المتشعبة لهذه الظاهرة، مستعرضاً المجالات الستة الحيوية التي تستهدفها وكاشفاً عن خطورتها في صياغة مستقبل الشعوب، مما يجعل فهم آلياتها ضرورة ملحة لمواجهة تحدياتها الوجودية.
يمانيون| محسن علي
المجالات التي تستهدفها الحرب الناعمة
تتوزع الحرب الناعمة على مجالات حيوية تشكل البنية العميقة لوجود المجتمع وهويته؛ فهي لا تقتصر على بعد واحد، بل تعمل وفق منظومة متكاملة متعددة المستويات تستهدف إعادة التشكيل في فكر الإنسان وسلوكه وقراراته، وتؤكد الشواهد أن هذه المجالات تتكامل وظيفياً بحيث يسهل الاختراق في أحدها النفاذ إلى بقية المجالات، وهي على النحو الآتي:
أولا: المجال العقائدي والفكري (صراع الهُوِيَّة)
يُعد هذا المجال محور الصراع وأساسه، إذ تستهدف الحرب الناعمة إزاحة المرجعية الإلهية من حياة الإنسان واستبدالها بمنظومات فكرية بديلة.
أ. التشكيك في المرتكزات الإيمانية:
يتم ذلك عبر حملات منظمة للطعن والتشكيك في مصادر الدين، والإساءة للرموز الدينية، بهدف إضعاف الرابطة الروحية للأمة، وهو ما أشار اليه السيد القائد قائلاً: “نشاط مستمر ومكثف وبكل الوسائل على التشكيك في الدين الإلهي والرسالة الإلهية، والدين الإسلامي، والقرآن الكريم، والإساءة إلى الرموز الدينية، والإساءة إلى المنظومة العقائدية، تحت عنوان حرية التعبير، والدعوة إلى الإلحاد، وترك الدين الإلهي عبر خطط وآليات ممنهجة” .
ب. نشر التيارات الفكرية المنحرفة:
يتجلى في دعم تيارات تخدم مشاريع خارجية، سواء عبر نشر الإلحاد أو توظيف التيارات المتطرفة لإحداث تشويه داخلي، هندسة المشاكل من خلال التقسيم والبعثرة وصنع الخلافات والنزاعات: “منها فئات ظهرت مؤخراً في هذه العصور، قدمت نفسها كأديان جديدة، ولديها عقائد جديدة، ومع المعتقدات كذلك تفاصيل في الأمور الدينية، مختلقة عن منهج الإسلام، مثلما هو حال البهائية، والأحمدية، وغيرهم، فئات كثيرة، جداً، في الساحة الإسلامية كذلك ظهرت تيارات جديدة كالتيار الوهابي، ونشطت، وقدمت معتقدات جديدة كفرت فيها أبناء الإسلام، عموماً من كل المذاهب الإسلامية، وقدمت مفاهيم معينة، ومعتقدات، وأفكاراً، ولديها توجهات معينة، وهكذا في الساحة الإسلامية، كم من المذاهب، من التيارات، من الاتجاهات، ومن خارجها، والموضوع يتسع ويزداد مع الوقت” .
ج. مسخ الهُوِيَّة الجامعة:
يتم عبر إحلال هويات بديلة وهشة محل الهُوِيَّة الأصيلة، بما يؤدي إلى تفكيك الانتماء القيمي ولذلك شعبنا مستهدف في انتمائه الإيماني، في هويته الإيمانية، ثقافياً وأخلاقيا، لضرب الروح المعنوية، لتمييع شبابه، ولتشتيت التوجه والوعي والبصيرة، وإبدالها بالزيف، بالدعايات، بالخداع، بالأساليب الماكرة التي تصرف اهتمام الناس عن قضاياهم الأساسية، إلى قضايا ثانوية، أو قضايا أخرى وهمية، بحسب أنواع الدعايات، ما بين دعاية توّظِّف إشكالاً معيناً، وجعله أهم من كل أمر، وما بين دعاية وهمية لا أساس لها من الصحة، حالة من تشتيت الذهنية، من صرف الناس عن التوجهات المهمة، والأولويات الكبيرة ، وهذا المجال يمثل العمق الاستراتيجي للحرب الناعمة؛ إذ إن السيطرة على المرجعية الفكرية تعني التحكم في باقي السلوكيات والقرارات.
ثانيا: المجال الأخلاقي والاجتماعي
يستهدف هذا المجال البنية القيمية التي تحفظ تماسك المجتمع، ويُركّز على تفكيك (جهاز المناعة الأخلاقي) من خلال التالي:
أ. إفساد الأسرة والمرأة:
يتم عبر الترويج لنماذج ثقافية مغايرة تُضعف الروابط الأسرية وتعيد تعريف الأدوار الاجتماعية، وتقديم الابتذال والسفور والفوضى في العلاقات والارتباطات التي لا يضبطها ضابط، بأنها الرقي والتطور والحداثة ومواكبة العصر، وتصوير الحشمة والعفة والطهارة والسلامة الأخلاقية بأنها تعبر عن تخلف وانحطاط وحالة من الرجعية، وفي هذا الصدد يحذر السيد القائد بأن: “أخطر ما يسعى له أعداء الإسلام، في معركتهم الشاملة التي يستهدفون بها هذه الأمة، وفي المقدمة النساء والجيل الناشئ، هو: ضرب المرأة المؤمنة، في مبادئها، وأخلاقها، وقيمها، والسعي لإفسادها، وهذا أسوء عمل عدائي وشيطاني خبيث – ويضيف بأنهم- يعتبرون إفساد المرأة وسيلة لإفساد الرجل، وبالتالي ضرب عصفورين بحجر واحد” .
ب. تمييع المفاهيم الأخلاقية:
يشمل إعادة تعريف القيم بحيث يصبح الانحراف مقبولًا، والالتزام محل انتقاد، إلى جانب نشر النزعة الاستهلاكية، الذي يؤدي إلى تفكك داخلي تدريجي، يفقد المجتمع معاييره الضابطة لسلوك أفراده.
ثالثا: المجال السياسي والسيادي:
في هذا المجال تسعى الحرب الناعمة إلى التأثير في القرار الوطني وإعادة توجيهه بما يخدم القوى المهيمنة على رأسها قوى الاستكبار العالمي وتستهدف بالدرجة الأولى ما يلي:
أ. التوظيف السياسي للمفاهيم العالمية:
يتم استخدام شعارات مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير وحرية المرأة، كأدوات ضغط سياسي، والتي كانت الغطاء لـ:”هجمة بالغة الخطورة، ونتيجتها: أن تخسر أمتنا حريتها، وكرامتها، واستقلالها، وثرواتها، ولكن تحت عنوان الحرية بنفسه، والإنقاذ، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والتحرير، وغير ذلك من العناوين، لكن الحقيقة هي: أن تتحول أمتنا، بكل إمكاناتها، وثرواتها، وبشرها، وموقعها، مغنماً لأعدائها” .
ب. توظيف المؤسسات الدولية:
تُستخدم المنظمات الدولية لإضفاء الشرعية على التدخلات الخارجية، حيث:”إن حجم الظلمات والهجمة الظلامية الشيطانية، التي يقودها اللوبي اليهودي الصهيوني، وأتباعه في الغرب الكافر، ومن يحذو حذوهم قد وصلت إلى مستوى خطير في امتهان الكرامة الإنسانية، والإفساد في الأرض، والظلم والطغيان والإجرام، والاستهتار بالأخلاق، ومن ذلك إعلانها العداء لله تعالى ولرسله وأنبيائه وكتبه وإحراقها للمصاحف، وترويجها للشذوذ الجنسي، والفاحشة الجنسية، في حملة مكثفة تتبناها الأمم المتحدة بمختلف مؤسساتها، والمنظمات الدولية، وأمريكا وإسرائيل، والأنظمة الأوروبية؛ لتفكيك المجتمع البشري وتهديد النسل وتدمير الأسرة، إضافة إلى سعيهم لتمييع الإنسان، وتفريغه من كل مشاعر الكرامة الإنسانية” وهذا المجال يعكس انتقال الحرب الناعمة إلى مستوى السيادة والقرار، حيث يتم التأثير دون تدخل عسكري مباشر.
رابعا: المجال الاقتصادي (حرب التبعية)
يتخذ الاستهداف الاقتصادي طابعًا ناعمًا يعتمد على إضعاف الاستقلال الاقتصادي، من خلال النقاط التالية:
أ. الحصار والضغط المعيشي:
يتم استخدام الاحتياجات الأساسية كوسيلة للضغط على المجتمعات، حيث يقول السيد القائد: “ألا نقبل بالخضوع نتيجة الظروف الضاغطة، نخضع للباطل، نخضع للابتزاز بالباطل، نخضع لما يمس بكرامتنا، أو حريتنا، أو ديننا، لماذا؟ نتيجة للظروف المعيشية الصعبة، هذا لا ينبغي أبداً” .
ب. بناء التبعية الاقتصادية:
يتجلى في تحويل المجتمعات إلى مستهلكة، وربطها بالمؤسسات المالية الدولية، حيث يوضح السيد القائد خطورة ذلك بقوله: “هذه الهجمة خطيرة جداً، هذه الهجمة؛ لأنها تشتغل على كل المسارات: سياسياً تحت عناوين متعددة، تستهدفنا في الجانب الاقتصادي؛ حتى تصل بنا إلى أن نفقد كل المقومات الاقتصادية، نتحول إلى أمة لا تنتج شيئاً من أساسيات حياتها، ومجرد سوق استهلاكية، وكثير منها أيضاً ليس فقط يصلون إلى حد انعدام المقومات الذاتية على المستوى الاقتصادي، وانعدام القدرة على الإنتاج، إنما متسولون أيضاً، يتحول الكثير منا إلى متسولين، يعتمدون على المنظمات، على الهبات؛ ثم يتم استغلالهم -بشكل أو بآخر- على المستوى العسكري وعلى كافة المستويات” وهذا المجال يؤدي إلى إضعاف القدرة على اتخاذ القرار المستقل، مما يجعل بقية المجالات أكثر عرضة للاختراق.
خامسا: المجال الإعلامي والتقني
يمثل الإعلام والتقنية الأداة المركزية للحرب الناعمة، حيث يتم من خلالهما إعادة تشكيل الإدراك المجتمعي من خلال التالي:
أ. تزييف الوعي:
عبر نشر الشائعات وإعادة صياغة الأحداث بما يخدم أهداف معينة: “يستخدمون حرب الدعاية كحرب لتزييف الوعي، لصرف الاهتمام عن الأولويات المهمة” .
ب. الهيمنة السيبرانية:
باستخدام المنصات الرقمية ومحركات البحث لرصد السلوك وتوجيهه، ويُعد هذا المجال المحرّك التنفيذي لبقية المجالات، نظرًا لسرعته وانتشاره الواسع.
سادسا: المجال التعليمي والأكاديمي
يستهدف هذا المجال بناء الأجيال القادمة وفق تصورات معرفية محددة، بالتركيز على النقاط التالية:
أ. تعديل المناهج:
يتم عبر إعادة صياغة المحتوى التعليمي بما يضعف القيم الأصيلة: “على المستوى التعليمي والمناهج التعليمية، على المستوى الثقافي والفكري، حرب ثقافية وفكرية، تستهدف تقديم بدائل ثقافية وفكرية؛ لتحل محل مفاهيم القرآن الكريم، محل ثقافة الإسلام، محل مبادئ الإسلام” .
ب. المؤسسات التعليمية الأجنبية:
تُسهم في تشكيل نخب فكرية مرتبطة بالنموذج الغربي، حيث يمثل التعليم أداة استراتيجية بعيدة المدى لضمان استدامة التأثير الناعم.
نواة التأثير الأساسي للسيطرة
تبين هذه المجالات أن الحرب الناعمة تقوم على تكامل استراتيجي بين ميادين متعددة؛ إذ يبدأ التأثير من المجال الفكري ليمتد إلى السلوك الاجتماعي وصولاً للقرار السياسي والاقتصادي وبذلك، فإن النجاح في المجالين الثقافي والفكري يمهّد لتحقيق الأهداف في بقية المجالات دون الحاجة إلى صراع مباشر، ومن خلال ما سبق يتضح أن هذه الحرب تعتمد على منظومة متكاملة من الأدوات تشمل: الإعلام، والتقنية، والتعليم، والاقتصاد، والثقافة، مما يمنحها قدرة فائقة على التغلغل في مختلف مفاصل المجتمع، ولا تعمل هذه الأدوات بمعزل عن مجالات استهدافها، بل تترابط في إطار منهجي تكاملي يركز على ضرب المرتكزات العقائدية والقيمية والاجتماعية والسيادية للمجتمع.
ختاما
يكشف هذا الترابط أن فاعلية الحرب الناعمة لا تكمن في أداة بعينها، بل في قدرتها على التنسيق بين الأدوات والمجالات لإحداث تأثير تراكمي في الوعي الجمعي؛ ومن ثم، فإن إدراك هذه البنية التكاملية يُعد شرطًا أساسيًا لبناء استراتيجيات مواجهة قادرة على تفكيك أدوات التأثير والحد من نتائجها وتداعياتها.