بعد سنوات الغرور.. معادلة الردع تقلب المشهد: كيف أعادت القوات المسلحة اليمنية رسم قواعد الاشتباك مع السعودية؟

لم تعد المواجهة بين اليمن والسعودية تُقرأ بالمنطق الذي حكم سنوات العدوان الأولى، بل أصبحت تُقاس بميزان جديد فرضته التطورات الميدانية، وأعادت من خلاله القوات المسلحة اليمنية صياغة معادلات الردع، بعد أن انتقلت من مرحلة الدفاع وامتصاص الضربات إلى مرحلة امتلاك زمام المبادرة والقدرة على الرد في العمق، لقد كشفت التطورات الأخيرة عن تحول استراتيجي في طبيعة الصراع، إذ لم يعد الطرف الذي اعتاد فرض الوقائع بالقوة قادراً على الاحتفاظ بتفوقه النفسي والإعلامي كما كان في السنوات الأولى للحرب، بل وجد نفسه أمام واقع جديد يفرض عليه التعامل مع تداعيات الضربات اليمنية وما تتركه من آثار سياسية وعسكرية وإعلامية.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

من فائض القوة إلى حسابات الردع

خلال سنوات العدوان الأولى، كانت الطائرات السعودية تنفذ غارات استهدفت مواقع مدنية في اليمن، بينما كانت البيانات الرسمية السعودية كثيراً ما تعلن أن الأهداف عسكرية أو مرتبطة بقيادات أو مخازن أسلحة، وفي المقابل، كانت صنعاء تؤكد أن كثيراً من تلك الضربات أصابت أحياء سكنية ومنشآت مدنية، معتبرة ذلك جزءاً من سياسة الحرب التي تعرض لها اليمن، في تلك المرحلة، كانت السعودية تتحرك وهي تمتلك تفوقاً جوياً واسعاً، فيما كانت القدرات اليمنية على الوصول إلى العمق السعودي محدودة، الأمر الذي منح الرياض هامشاً كبيراً للتحرك دون خشية من رد مماثل، أما اليوم، فإن الصورة تبدو مختلفة؛ إذ تعلن القوات المسلحة اليمنية مسؤوليتها عن عمليات تستهدف العمق السعودي، في إطار ما تصفه بأنه رد على العدوان والحصار، وهو ما يعكس انتقالها إلى مرحلة الردع وفرض معادلات جديدة.

 

تغير في الخطاب الإعلامي

أحد أبرز أبعاد هذا التحول يتمثل في تغير الخطاب الإعلامي والسياسي، ففي بداية الحرب، كانت الرواية السعودية تتسم بالثقة العالية، وكانت البيانات العسكرية تعلن تفاصيل العمليات باعتبارها جزءاً من تفوق عسكري واضح، أما في المرحلة الحالية، فقد أصبح التعامل مع الضربات اليمنية أكثر حذراً، سواء من خلال تقليل حجمها أو التركيز على احتواء آثارها الإعلامية والسياسية، وهو ما يراه مراقبون انعكاساً لتغير البيئة العسكرية مقارنة ببداية الصراع.

 

الرسالة الاستراتيجية

تحمل العمليات اليمنية رسائل متعددة، أهمها أن استمرار الحصار أو التصعيد العسكري ستكون له كلفة مباشرة داخل العمق السعودي، وتسعى القوات المسلحة اليمنية، من خلال الإعلان الرسمي عن عملياتها، إلى تثبيت معادلة تقوم على أن أي تصعيد لن يبقى محصوراً داخل الأراضي اليمنية، وأن مبدأ الرد بالمثل أصبح جزءاً من قواعد الاشتباك التي فرضتها سنوات الحرب.

 

الحرب النفسية ومعركة الإرادات

لا تقتصر أهمية العمليات على آثارها العسكرية، بل تمتد إلى بعدها النفني والإعلامي، فالصراع الحديث لا يُحسم بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بقدرة كل طرف على التأثير في وعي جمهوره ورفع معنويات أنصاره وإضعاف الثقة لدى خصمه، ومن هذا المنطلق، تمثل الضربات التي تعلنها القوات المسلحة اليمنية بعداً معنوياً يتجاوز نتائجها الميدانية، إذ تُقدمها صنعاء بوصفها دليلاً على امتلاك القدرة على المبادرة وكسر حالة التفوق المطلق التي سادت في السنوات الأولى من الحرب.

 

دلالات التحول

يمكن تلخيص أبرز دلالات المشهد الراهن في عدة نقاط أبرزها ، انتقال المواجهة من حالة التفوق الأحادي إلى معادلة ردع متبادل، وتغير الخطاب السياسي والإعلامي مقارنة بما كان عليه في بداية الحرب، وتصاعد أهمية الحرب النفسية إلى جانب العمليات العسكرية، وتأكيد أن القدرات العسكرية اليمنية شهدت تطوراً مكّنها من تنفيذ عمليات بعيدة المدى، وارتفاع الكلفة السياسية والعسكرية لاستمرار الصراع بالنسبة لجميع الأطراف.

 

المشهد الجديد

تكشف التطورات الأخيرة أن الحرب لم تعد كما بدأت، وأن سنوات الصراع أفرزت واقعاً مختلفاً عن الحسابات التي انطلقت منها العمليات العسكرية العدوانية في بدايتها، فمسار الحرب يعكس تغيراً واضحاً في طبيعة التوازنات العسكرية والإعلامية، حيث أصبح الرد اليمني عاملاً مؤثراً في معادلة الصراع، بعد أن كان اليمن في سنوات الحرب الأولى يفتقر إلى القدرة على الرد بالمستوى نفسه، وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن معادلات القوة في هذا الصراع أصبحت أكثر تعقيداً، وأن أي قراءة للمشهد الحالي لا يمكن أن تنفصل عن التحولات التي فرضتها سنوات الحرب، والتي أعادت رسم قواعد الاشتباك بصورة تختلف جذرياً عما كانت عليه في بداياتها.

You might also like