تبدأ بضرب الهوية وتنتهي بتفتيت المجتمع.. ماذا تريد الحرب الناعمة من اليمن؟

تبرز الحرب الناعمة الشيطانية كأحد أخطر مسارات الاستهداف التي تشنها قوى الاستكبار والشر العالمية ممثلة بالعدو الامريكي والكيان الصهيوني، لما تتركه من آثار تتجاوز اللحظة الراهنة لتطال بنية المجتمع وهويته الإيمانية ونسيجه الاجتماعي، عبر تفكيك الروابط الجامعة، وإضعاف المنظومة القيمية، وتشويه الوعي، وصولًا إلى التأثير في القرار والسيادة.

وفي هذا السياق، يحذر السيد القائد من خطورة هذا النوع من الاستهداف، مؤكدًا أن الحرب الناعمة “أخطر بكثير من الحرب الصلبة، من الحرب العسكرية”، وأن استهداف الهوية يمثل “أخطر أشكال الاستهداف”، باعتبار أن غايته النهائية هي السيطرة على الإنسان والتحكم به من خلال تجريده من هويته.

ومن هنا، فإن قراءة آثار الحرب الناعمة على المجتمع اليمني تكشف عن معركة ممتدة، لا تستهدف جبهة واحدة، بل تتحرك عبر مسارات متعددة، تبدأ من الهوية والنسيج الاجتماعي، مرورًا بالقيم والأسرة والتعليم والوعي، وصولًا إلى القرار السياسي والسيادة الوطنية.

يمانيون| محسن علي

حين تتحول الحرب إلى معركة داخل المجتمع

تبدأ أخطر مراحل الحرب الناعمة عندما تنتقل المعركة من استهداف الأرض إلى استهداف الإنسان، ومن محاولة السيطرة على الجغرافيا إلى السعي لإعادة تشكيل الوعي والانتماء، وفي هذا المسار، تعمل أدوات الحرب الناعمة على إضعاف الهوية الإيمانية الجامعة، وإحلال هويات جزئية ومتنازعة مكانها، عبر تضخيم الانتماءات المناطقية والطائفية والسياسية والقبلية، بما يفتح الباب أمام تفكيك المجتمع وتحويله إلى جماعات متنافرة، لكل منها أولوياتها وصراعاتها الخاصة.

ولا تقف خطورة هذا المسار عند حدود الاختلاف الطبيعي داخل المجتمع، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة تحويل هذه الاختلافات إلى أدوات صراع دائم، بما يضعف الشعور بالانتماء المشترك ويجعل المجتمع أكثر قابلية للاختراق والتفكك، كما تستهدف الحرب الناعمة الروابط الوجدانية بين أبناء المجتمع الواحد، من خلال إشغالهم بصراعات جانبية وثانوية، وصرف اهتمامهم عن القضايا الكبرى التي تجمعهم، وهو ما حذر منه السيد القائد، مشيرًا إلى وجود “عمل شيطاني كثيف لتفكيك الروابط بين أبناء هذا البلد تحت كل العناوين”.

وفي سياق موازٍ، تُستدعى سرديات تاريخية مجتزأة أو مشوهة، وتُثار العصبيات والنعرات، بما يؤدي إلى إضعاف الثقة بالهوية الحضارية والإيمانية، وتحويل التاريخ من مصدر للوعي والاعتزاز إلى أداة لإنتاج الخصومة والانقسام، وهكذا، تصبح عملية تفكيك الهوية بمثابة البوابة الأولى التي تعبر منها بقية أدوات الحرب الناعمة إلى المجتمع.

 

ضرب منظومة القيم.. استهداف الحصن الداخلي للمجتمع

إذا كانت الهوية تمثل الإطار الجامع للمجتمع، فإن القيم والأخلاق تمثل جهاز المناعة الداخلي الذي يحافظ على تماسكه واستقراره، ولذلك تحظى هذه المنظومة بموقع مركزي في أهداف الحرب الناعمة.

ويبرز استهداف الأسرة والمرأة في مقدمة هذه المسارات، عبر الترويج لنماذج ثقافية وسلوكية دخيلة، وإعادة تقديم مفاهيم وقيم جديدة قد تؤدي، بحسب هذا الطرح، إلى إضعاف الأدوار الأسرية والتربوية، وإحداث تصدعات في البنية الاجتماعية.

ومع اتساع الفضاء الرقمي، أصبحت منصات الإعلام والتواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لتدفق مختلف الأنماط الثقافية والسلوكية، بما فيها محتويات قد تسهم في نشر قيم الاستهلاك والمظاهر والبحث عن الشهرة، وتخلق لدى بعض الفئات حالة من الفراغ القيمي والاضطراب في منظومة الأولويات، كما يؤدي فرض أنماط حياة استهلاكية مستوردة إلى إضعاف الخصوصية الثقافية، حين يتحول التقليد إلى سلوك يومي، وتصبح معايير النجاح والسعادة مرتبطة بما يُنتج خارج المجتمع، لا بما ينسجم مع منظومته القيمية والثقافية، وبذلك، لا تعمل الحرب الناعمة على إسقاط القيم دفعة واحدة، بل تسعى إلى إحداث تغيير تدريجي وهادئ في الذوق والسلوك ونمط الحياة، حتى يصبح التغيير مألوفًا، ويُعاد تشكيل المجتمع من الداخل دون أن يشعر بخطورة التحول.

 

حين تصبح المعرفة ساحة للصراع

من أخطر ميادين الحرب الناعمة قدرتها على الوصول إلى عقل الإنسان، والتحكم في مصادر المعرفة التي تشكل نظرته إلى ذاته ومجتمعه وتاريخه ومستقبله، وفي هذا السياق، يبرز ما يُعرف بالغزو الفكري، الذي يستهدف إعادة صياغة المفاهيم وتقديم سرديات بديلة عن التاريخ والهوية والقيم، بما يؤدي إلى إضعاف الثقة بالذات الحضارية، وإعادة تعريف مفاهيم التقدم والحداثة والاستقلال وفق معايير خارجية، كما يمكن أن تتجلى صناعة الهزيمة النفسية في تكريس صورة الإنسان العربي والمسلم باعتباره عاجزًا عن صناعة مستقبله، مقابل تقديم النموذج الغربي بوصفه النموذج الوحيد للتقدم والنجاح، إلى جانب نشر سرديات تربط الدين بالتخلف، وتقدم الانفصال عن القيم الدينية بوصفه شرطًا للنهوض والتطور.

ومع استمرار هذا الخطاب، تتشكل لدى الأجيال الجديدة تصورات مشوشة حول الذات والهوية والتاريخ، الأمر الذي قد يؤدي إلى فقدان الثقة بالقدرة على المواجهة، ويجعل المجتمع أكثر استعدادًا لقبول الأفكار والمشاريع القادمة من الخارج، وهنا تكمن خطورة المعركة؛ فحين ينجح الخصم في تغيير طريقة تفكير الإنسان، فإنه لا يعود بحاجة إلى فرض أفكاره بالقوة، لأن الإنسان نفسه قد يتحول إلى حامل لهذه الأفكار ومدافع عنها.

 

الوجه السياسي للحرب الناعمة

لا تتوقف تداعيات الحرب الناعمة عند حدود الثقافة والمجتمع، بل تمتد إلى المجال السياسي والسيادي، حيث يصبح التأثير في الوعي مدخلًا للتأثير في القرار، فحين يفقد المجتمع ثقته بذاته وبقدراته، وتتراجع قيمة الاستقلال في وعيه، تصبح التبعية للخارج أكثر قابلية للتبرير، وقد تتحول الإملاءات الخارجية إلى خيارات تبدو طبيعية أو ضرورية، وفي هذا المسار، تُفرغ مفاهيم السيادة والاستقلال من مضمونها، ويُعاد تقديم الارتهان للخارج تحت عناوين سياسية أو اقتصادية مختلفة، بما يؤدي في المحصلة إلى إضعاف القرار الوطني وتحويله إلى قرار مرتهن لمصالح وقوى خارجية.

وتكمن خطورة هذا النوع من السيطرة في أنه لا يحتاج إلى جندي يحتل الأرض أو دبابة تتمركز في الشوارع، بل يكفي أن يصبح القرار السياسي والاقتصادي والثقافي مرتبطًا بإرادة الخارج، وأن تتحول التبعية إلى خيار مقبول في الوعي العام، وهنا تبلغ الحرب الناعمة ذروة أهدافها: السيطرة على القرار دون احتلال مباشر، وإدارة المجتمع من الداخل دون الحاجة إلى السيطرة العسكرية على الأرض.

 

معركة الهوية.. خط الدفاع الأول

تكشف قراءة آثار الحرب الناعمة على المجتمع اليمني عن معركة شاملة ومتعددة المستويات، لا تستهدف جانبًا واحدًا من حياة المجتمع، بل تمتد من الهوية والعقيدة إلى الأسرة والقيم، ومن التعليم والمعرفة إلى الوعي السياسي والقرار السيادي.

وتكمن خطورتها الحقيقية في طبيعتها التراكمية؛ إذ لا تُحدث نتائجها بالضرورة في لحظة واحدة، وإنما تعمل بصورة تدريجية على إضعاف الروابط الاجتماعية، وإرباك منظومة القيم، وتشويه الوعي، وصولًا إلى إنتاج مجتمع أقل تماسكًا وأكثر قابلية للتأثر والاختراق.

 

ختاما

ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة الحرب الناعمة لا يمكن أن تكون أمنية أو عسكرية فقط، بل تتطلب معركة وعي شاملة، تبدأ بإعادة الاعتبار للهوية الإيمانية، وتعزيز الوعي المجتمعي، وحماية الأسرة، وترسيخ القيم، وبناء جيل يملك القدرة على التمييز بين ما يعزز استقلاله وما يقوده إلى التبعية، ففي زمن أصبحت فيه المعركة على الإنسان قبل الأرض، تكون حماية الهوية الإيمانية هي خط الدفاع الأول عن المجتمع، وأحد أهم مفاتيح الحفاظ على استقلاله الثقافي والسياسي والسيادي.

You might also like