“أبو أحمد محضة”.. الشهيد ذو القدم الواحدة الذي غيّر معادلات جبهة نهم

منذ أن بزغ فجر المشروع القرآني في صعدة، وحتى اللحظة التي ارتقى فيها شهيداً في جبال نهم الشماء، كانت حياة الشهيد عبدالفتاح الخراشي المكنى ” أبو احمد محضة” فصلاً متواصلاً من التضحية والفداء، لم يكن مجرد مجاهدٍ عادي، بل كان قائداً فذاً، ومصلحاً اجتماعياً، ومثالاً يحتذى به في الثبات على المبدأ، لقد عايش جرائم العدوان، وشاهد الظلم بأم عينيه، فكان انضمامه للمسيرة القرآنية قراراً نابعاً من إيمان عميق بقضية وطنه وشعبه هذه السيرة الحافلة بالتحديات والانتصارات تستدعي منا وقفة تأمل لنتعرف على رجلٍ صنع من إعاقته قوة، ومن إيمانه درعاً، ومن استشهاده منارةً للأحرار وقصة تروى للأجيال عن رجل كسر المستحيل.

يمانيون| محسن علي

من صعدة.. حيث بدأت الحكاية

وُلد الشهيد عبدالفتاح مطلق دليم الخراشي في عام 1983م، في منطقة محضة الصفراء بمحافظة صعدة شمال اليمن، ومنذ صغره، اتسم بشخصية مؤمنة وشجاعة، لا تهاب التحديات، كانت نشأته في بيئة شهدت جرائم النظام السابق بقيادة الصريع علي صالح، مما دفعه إلى الانضمام للمسيرة القرآنية بعد الحرب الرابعة ، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته، انتقل خلالها من دائرة الاهتمام بالشأن العام إلى الانخراط في العمل الميداني، وتشير الروايات المتداولة عن سيرته إلى أنه كان من أوائل المنخرطين في العمل الجهادي من أبناء منطقته، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى أحد الشخصيات المعروفة في محيطه، مستفيدًا من قدرته على تحمل المسؤولية والتعامل مع الظروف الصعبة، وبمرور الوقت، لم يعد “أبو أحمد محضة” حاضرًا في الميدان فحسب، بل عُرف كذلك بدوره في الإصلاح بين الناس والعمل الأمني والثقافي، وهي جوانب شكلت، إلى جانب حضوره العسكري، ملامح شخصية متعددة الأدوار.

 

مسيرة جهادية حافلة بالبطولات

كان الشهيد “أبو أحمد محضة” مثالاً للمجاهد المثابر والصابر، ومع تصاعد المواجهات، خاض الشهيد عبدالفتاح الخراشي تجارب ميدانية متعددة حيث شارك في العديد من المعارك الحاسمة، منها الحرب الخامسة والسادسة، وحرب دماج، والقطعة، وعمران، والفرقة، وصولاً إلى عدن ، فكان يقتحم المواقع وينكل بالعدو أشد تنكيل، ويسطر بطولات عظيمة، دون كلل أو ملل في مشواره الجهادي ، وكان معروفاً بإقدامه في الحرب ورجلاً للأمن والثقافة والإصلاح بين الناس في السلم وخلال هذه المحطات، ارتبط اسمه بالإقدام والمبادرة، وفق ما ترويه شهادات رفاقه، الذين وصفوه بالشخصية التي تميل إلى تحمل المسؤولية في أصعب الظروف، ولا تتردد في التقدم عندما تكون الحاجة إلى ذلك أكبر.

 

من أبرز بطولاته الجهادية

قيامه مع ثلاثة من رفاقه باقتحام موقع عسكري يضم أكثر من خمسين جندياً في الحرب السادسة، ونجحوا في تطهير الموقع بالكامل، وفي نفس الحرب، كسر زحفاً للعدو بمفرده بعد أن قام بعملية التفاف عليهم، متحديا الإعاقة وقيادة المعارك وما يميز مسيرة الشهيد هو استمراره في الجهاد رغم إعاقته الجسدية، فقد بُترت قدمه إثر جراح أصابته في الحرب السادسة ، ومع ذلك، لم تثنهِ هذه الإعاقة عن مواصلة طريقه.

يقول عنه الرئيس الشهيد صالح الصماد: “لقد عفا الله أبا أحمد محضة عن الجهاد؛ بسبب إعاقته ولكنه أبى إلا أن يسطّر أروع الملاحم البطولية” وفي جبهة نهم، التي تعد من أشرس المعارك، قاد المعارك وهو مبتور القدم، مؤكداً للجميع أن الإعاقة الدائمة لا تعيق المؤمن الصادق عن أداء واجبه الجهادي في سبيل الله واستطاع بحكمته وحنكته تغيير المعادلات على الأرض، وأثبت أن من وثق بالله وتوكل عليه وعشق الشهادة يصبح ما دون ذلك هيناً مهما عظم، وبغض النظر عن تفاصيل كل مواجهة، فإن القاسم المشترك في مسيرته كان الإصرار على الحضور في الخطوط المتقدمة، وهو ما جعله يحظى بمكانة خاصة لدى رفاقه.

 

حين تحولت الإصابة إلى اختبار جديد

كانت الحرب السادسة نقطة تحول بارزة في حياة “أبو أحمد محضة”، إذ تعرض لإصابة بالغة أدت إلى بتر إحدى قدميه، كان من الممكن أن تشكل الإصابة نهاية لمسيرته الميدانية، وأن تضع حدًا لدوره في ساحات الجهاد والنزال، إلا أن مسار حياته اتجه في الاتجاه المعاكس، فبدلًا من أن ينكفئ بعيدًا عن الميدان، عاد إلى ممارسة دوره الجهادي، متجاوزًا واقع الإعاقة، ومواصلًا حضوره في ساحات المواجهة، وهنا تحديدًا تكمن خصوصية تجربته؛ إذ لم تكن المعركة بالنسبة إليه مرتبطة بسلامة الجسد بقدر ما كانت مرتبطة بالإرادة والاستعداد لتحمل المسؤولية في سبيل الله والدفاع عن المستضعفين.

 

 قائد بقدم واحدة في جبهة نهم

في جبهة نهم، وجد “أبو أحمد محضة” نفسه أمام واحدة من أكثر المراحل صعوبة في مسيرته الجهادية، فالمنطقة الجبلية الوعرة، وطبيعة المواجهات فيها، جعلت من الجبهة اختبارًا بالغ التعقيد للمقاتلين والقادة على حد سواء، إلا أن الشهيد تولى مسؤولية القيادة الميدانية، وواصل حضوره في الصفوف الأمامية رغم فقدانه إحدى قدميه، ولم يكن ذلك الحضور مجرد تفصيل عابر في سيرته، بل أصبح من أكثر المحطات التي ارتبط بها اسمه، حتى تحولت قصته إلى نموذج يُستشهد به عند الحديث عن الصبر والثبات وتجاوز الإعاقة.

وقد أشار السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي إلى تجربته في جبهة نهم، مستشهدًا به ضمن نماذج الجرحى والمعاقين الذين واصلوا أدوارهم رغم إصاباتهم، مؤكدًا أن “أبو أحمد محضة” قاد المعارك في منطقة جبلية وهو مبتور القدم، وفي تلك الجبهة، لم يكن التحدي الذي يواجهه مرتبطًا بالعدو وحده، بل كان عليه أن يتعامل أيضًا مع واقع جسدي جديد فرضته الإصابة، وأن يحافظ في الوقت نفسه على حضوره القيادي وقدرته على إدارة الميدان، لتصبح قصة “أبو أحمد محضة” تتجاوز حدود المعركة نفسها، لتتحول إلى قصة إرادة؛ رجل فقد قدمه، لكنه لم يفقد قدرته على الوقوف في وجه التحديات.

 

وصيته تختصر المسيرة

من أهم ما أوصى به الشهيد قوله: “أوصي الجميع بالجهاد ومواصلة الدرب وعدم التفريط والتهاون والتمسك بهدى الله فهو سبيل النجاة والفلاح والسير على نهج الشهداء وعلى خُطاهم” ، وتلخص هذه الوصية جانبًا أساسيًا من شخصيته، فقد كان يرى أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملكه من قوة جسدية فقط، وإنما بما يحمله من مبادئ وقناعات، وبقدرته على الثبات عندما تشتد المحن، ولهذا، بقيت وصيته جزءًا من الإرث الذي خلفه، إلى جانب المواقف التي رويت عن حياته والقصص التي تناقلها رفاقه عن حضوره في الجبهات.

 

مدرسة في العزيمة والإصرار

لم يكن “أبو أحمد محضة” شخصية عسكرية فقط، بل تتحدث سيرته عن رجل جمع بين أدوار متعددة، من العمل الميداني إلى الإصلاح بين الناس، ومن النشاط الثقافي إلى تحمل المسؤوليات الأمنية، غير أن أكثر ما جعل تجربته حاضرة في الذاكرة هو ذلك التناقض اللافت بين واقع جسدي فرضته الإصابة، وإرادة لم تسمح لذلك الواقع بأن يحدد حدودها، ففقدان القدم لم يمنعه من العودة إلى الميدان، والإصابة لم تدفعه إلى الانكفاء، والجراح لم تحول بينه وبين مواصلة ما اعتقد أنه واجبه، وفي جبهة نهم، حيث قاد المعارك وهو مبتور القدم، اكتملت الصورة التي ستبقى مرتبطة باسمه؛ صورة رجل جعل من الإعاقة عنوانًا للتحدي، ومن الجرح دافعًا للاستمرار، ومن حياته نموذجًا لما يمكن أن تفعله الإرادة عندما تقترن بالإيمان والقناعة.

 

الاستشهاد.. نهاية الرحلة وبداية الخلود

في السادس عشر من يوليو عام 2016م، انتهت رحلة الشهيد عبدالفتاح مطلق دليم الخراشي في جبهة يام بنهم، حيث ارتقى شهيدًا إثر إصابته بقذيفة هاون، عن عمر ناهز الثالثة والثلاثين عامًا، فكان استشهاده خاتمة لمسيرة حافلة بالمحطات والمواجهات، بدأت من صعدة، وامتدت إلى عدد من الجبهات، قبل أن تنتهي في جبال نهم، ووري جثمانه الثرى في روضة الشهداء بمنطقة غواي بني معاذ، لتبقى ذكراه حاضرة في ذاكرة من عرفوه، وفي روايات رفاقه الذين عاشوا معه مراحل مختلفة من حياته ومسيرته الجهادية.

 

ختاما

تبقى سيرة الشهيد عبدالفتاح الخراشي، المعروف بـ”أبو أحمد محضة”، واحدة من القصص التي تستدعي التوقف والتأمل؛ ليس فقط لأنها تحكي عن رجل خاض معارك متعددة، وإنما لأنها تقدم نموذجًا إنسانيًا لمجاهد عظيم واجه أقسى اختبار يمكن أن يواجهه الإنسان، ثم اختار أن يحول جرحه إلى قوة، وأن يجعل من تجربته مصدر إلهام لمن حوله في ذاكرة اليمن كقائد لم تكسره الجراح ولم توقفه الإعاقة عن نيل أسمى الأماني وهي الشهادة.

You might also like