دعشنة اليمن.. مخطط سعودي يستهدف الهوية ويخدم الأجندة الصهيوأمريكية

“ما من فتنة وقعت في شعبٍ من شعوب أمتنا الإسلامية في هذا العصر إلا وللسعودي دورٌ فيها”.. بهذه الكلمات، التي حملت في طياتها خلاصة تجربة مريرة، وصف سماحة قائد الثورة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي- يحفظه الله- الدور السعودي المدمّر في اليمن والعالم الإسلامي فمنذ انطلاق عدوانه على اليمن في 26 مارس 2015، بإسناد أمريكي ومشاركة صهيونية، لم يتوقف السعودي عند حدود الإجرام والقصف والحصار، بل مضى في مشروع أعمق وأخطر: تحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الطائفية، ودعشنة أبناء الشعب اليمني، وإغراق المنطقة في فتنةٍ تكفيريةٍ تخدم مصالح الصهيونية وأمريكا.

يمانيون| محسن علي

السيد القائد يقرع جرس الإنذار من نشر الوباء التكفيري

ففي خطابه الأخير حول آخر التطورات والمستجدات في السادس عشر من صفر 1448هـ أزاح السيد القائد الستار عن استراتيجية سعودية خطيرة لمخطط سعودي امريكي ممنهج ترمي إلى نشر “الوباء التكفيري” في اليمن بشكل عام بهدف “دعشنة” المجتمع اليمني وتمزيق وحدته، هذا التوجه، يجد جذوره في تصريحات طائفية صريحة أُطلقت مع بداية العدوان ويذكّر بتصريحات مثيرة للجدل صدرت عن شخصيات دينية سعودية بارزة قبل12 عاما، يتجلى في دعم الرياض للجماعات التفكيرية الوهابية ويؤكد أنها تسعى بجدية لإسقاط النموذج السوري في اليمن، عبر توظيف الجماعات التكفيرية (داعش والقاعدة) كأدوات لتكريس الفوضى وتدمير النسيج الاجتماعي، في خدمة واضحة للمشروع الأمريكي والإسرائيلي وأجنداته في المنطقة.

 وإذ يقف اليمن اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من التصعيد، بعد نكث السعودي لاتفاقية خفض التصعيد وتهربه من تنفيذ خارطة السلام الموقعة في عمان، فإن كلمات القائد تأتي كجرس إنذار يفضح الوجه الحقيقي للدور السعودي الذي لا يتورع عن دعم الجماعات التكفيرية والسلفية الوهابية، وتأسيس ألوية ذات طابع عقائدي، في محاولةٍ مكشوفةٍ لإسقاط النموذج السوري في اليمن، وإعادة إنتاج المشهد الدموي الذي مزّق سوريا وأغرقها في حربٍ أهليةٍ طاحنة، ومحاولة استنساخه تحت المظلة الصهيوأمريكية.


من وعد السديس”  إلى واقع الدعشنة

تُشكل تصريحات إمام الحرم المكي، المدعو عبد الرحمن السديس، التي أطلقها إبان انطلاق العدوان على اليمن في عام 2015، نقطة مفصلية في فهم الأبعاد الحقيقية للحرب، فقوله الصريح: “حربنا في اليمن هي حرب بين السنة والشيعة، وهي طائفية بجدارة، وإن لم تكن طائفية جعلناها طائفية”، لم يكن مجرد رأي شخصي، بل كان بمثابة إعلان نوايا رسمية لمؤسسة دينية تابعة للنظام السعودي، كشفت عن استراتيجية واضحة لتحويل الصراع في اليمن من أبعاده السياسية والعسكرية إلى صراع طائفي بحت.

هذا الإعلان التاريخي يفسر اليوم ما أشار إليه السيد القائد حول مساعي “دعشنة” اليمن، فالنظام السعودي، بعد أن أعلن عن نيته تطييف الصراع، انتقل إلى التنفيذ الميداني عبر نشر “الوباء التكفيري،  ووفقاً لكلمة السيد القائد، فإن هذا التوجه يهدف بشكل أساسي إلى استهداف أبناء الشعب اليمني، لا سيما في المناطق الجنوبية المحتلة، عبر دعم التيارات السلفية التكفيرية لتكون أداة لضرب النسيج الاجتماعي وطمس الهوية الإيمانية الأصيلة لليمنيين، التي طالما كانت حصناً منيعاً ضد مشاريع التفتيت.


أّذرع التطرف في تشكلات عسكرية جديدة

طيلة سنوات العدوان والحصار على مدى 12 عاما كشفت العديد من التقارير الاستقصائية والوقائع الميدانية، عن علاقة وثيقة بين تحالف العدوان والجماعات التكفيرية (داعش والقاعدة) وتواجد مكثف لهما في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة من اليمن، هذه التنظيمات، التي تُصنف دولياً كجماعات إرهابية، لم تكن مجرد ظاهرة عابرة أو نتيجة للفوضى، بل برزت كأذرع قتالية وظيفية تعمل بشكل مباشر تحت مظلة التحالف السعودي الأمريكي، لتظهر اليوم بشكل بارز وفق التوجه السعودي الأمريكي في تشكيلات عسكرية تابعة للرياض والإدارة الأمريكية، حيث شاركت خلال 12 عاما في معارك ضد القوى الوطنية اليمنية وقبائل اليمن في اكثر من 12 جبهة مفتوحة، مستفيدة من الدعم اللوجستي والجوي الذي يوفره التحالف الإجرامي بشكل مباشر.
هذا التواجد ليس عشوائياً، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إغراق اليمن في دوامة من العنف الطائفي الذي لا ينتهي، وتحويل الصراع إلى حرب أهلية داخلية تخدم مصالح القوى الخارجية، ويؤكد مراقبون أن قتال هذه الجماعات تحت الراية السعودية الأمريكية يمثل دليلاً دامغاً على أن “الدعشنة” سياسة ممنهجة تهدف إلى تفكيك اليمن من الداخل.

 

القاعدة وداعش في صفوف التحالف

على صعيد متصل أوردت تحقيقات لشبكة سي إن إن الأمريكية والجارديان البريطانية أن السعودية والإمارات قامتا بنقل أسلحة أمريكية وبريطانية الصنع إلى التنظيمات الإرهابية في اليمن، لدفعها للقتال ضد الجيش اليمني واللجان الشعبية (أنصار الله)، كما أكدت وكالة “أسوشيتد برس أن السعودية عقدت اتفاقيات سرية مع تنظيم القاعدة، تقضي بدفع أموال للتنظيم مقابل انسحابه من بعض المناطق، في حين كشفت بي بي سي أن قوات التحالف قاتلت في إحدى المعارك الكبرى على نفس الجبهة مع مسلحين موالين للقاعدة ، وفي أكثر من 12 جبهة مفتوحة، هذه الوقائع ترسم صورة قاتمة لتحالف يزعم محاربة الإرهاب، بينما هو في الواقع يموله ويسلحه ويقاتل إلى جانبه، ويأتي الدعم السعودي لهذه الجماعات كجزء من استراتيجية أوسع، إذ أن هذه التنظيمات تؤدي دوراً مزدوجاً: من جهة، تقاتل في صفوف المرتزقة ضد القوى الوطنية، ومن جهة أخرى، تعمل على طمس الهوية الإيمانية لليمن عبر نشر الفكر التكفيري .

 

 تأسيس ألوية عقائدية لتمزيق النسيج الاجتماعي

لم يكتفِ العدو بإشعال الحرب وتشديد الحصار على اليمن، بل مضى في مشروع أعمق يتمثل في دعشنة أبناء اليمن، أي إغراقهم في فتنة تكفيرية تعيد إنتاج النموذج السوري في اليمن، وقد تجلى هذا المشروع عبر دعم السعودية والإمارات لتشكيل ألوية عسكرية ذات طابع عقائدي سلفي، على رأسها ألوية العمالقة  ومؤخرا ما يسمى “ألوية درع الوطن” التابعة للسعودية, حيث كشفت دراسة لمؤسسة كارنيغي أن السعودية استفادت من الجماعات السلفية في اليمن كقوة صلبة في مواجهة أنصار الله، حيث حوّلتهم من تيار ديني تقليدي إلى مجموعات مسلحة تقاتل في الجبهات،  وبحسب المصادر ذاتها، فإن السعودية تملك ثلاثة دوافع رئيسية لدعم السلفيين: أولها تثبت العداوة المذهبية بين السلفيين والمذهب الزيدي، وثانيها غياب أجندة سياسية للسلفيين قد تشكل عبئاً على التحالف، وثالثها الحفاظ على النفوذ الديني السعودي في اليمن ، بهدف تمزيق المجتمع اليمني على أسس عقائدية وتحويله إلى ساحة صراع طائفي ومذهبي قاتم ودائم.


استنساخ السيناريو السوري

على غرار ما حدث في سوريا ، يُحاول النظام السعودي استنساخ الواقع السوري في اليمن، هذا المخطط يعتمد على خلق بيئة خصبة للجماعات المتطرفة، وتحويل الصراع من مواجهة مع عدوان خارجي إلى اقتتال داخلي بصبغة طائفية، بهدف تحقيق الأهداف التالية:

تفتيت الدولة اليمنية: عبر تقسيم البلاد إلى كيانات متناحرة، وتحويل المحافظات الجنوبية إلى كانتونات تديرها جماعات تكفيرية موالية، مما يضعف أي محاولة لتوحيد الصف الوطني

استنزاف المقدرات البشرية والاقتصادية: بجعل الشباب اليمني وقوداً لحروب عبثية لا تخدم سوى أمن العدو الصهيوني والقوى الإقليمية والدولية التي تسعى للسيطرة على ثروات اليمن وموقعه الاستراتيجي

تدمير النسيج الاجتماعي: بضرب قيم التعايش التاريخي بين اليمنيين، وإحلال الكراهية المذهبية والطائفية محلها، مما يضمن استمرار حالة عدم الاستقرار والفوضى


المخاطر الوجودية.. تهديد الهوية والسيادة الوطنية

هذا التوجه تتجاوز مخاطره الجانب العسكري إلى استهداف “الهوية الإيمانية” لليمنيين، وهو ما حذر منه قائد الثورة؛ فاليمن، بتاريخه العريق وهويته الإيمانية الأصيلة، يمثل عقبة أمام المخططات التوسعية، كما إن الحرمان الممنهج من الثروات في محافظات غنية مثل الجوف والمهرة، بالتوازي مع نشر الفكر التكفيري، يهدف إلى تحويل اليمن إلى شعب “مستعبد ومقهور” تحت الإشراف الأمريكي والبريطاني، سيما وأن التواجد التكفيري في الجنوب المحتل، ودعمه من قبل قوى العدوان، يمثل تهديداً وجودياً ليس فقط لأمن اليمن واستقراره، بل لقدرته على استعادة سيادته وقراره المستقل، بيد أنه يسعى إلى تجريد اليمن من مقومات قوته، وتحويله إلى دولة فاشلة يسهل التحكم بها ونهب ثرواتها، وتكريس تبعيته للقوى الخارجية.


اليمن في مواجهة المشروع الصهيوني.. أبعاد إقليمية ودولية

التحرك السعودي في اليمن، ودعمه للجماعات التكفيرية، ليس معزولاً عن الصراع الإقليمي الأوسع، بل هو جزء لا يتجزأ من مخطط “إسرائيل الكبرى” وتغيير الشرق الأوسط، فالسعودية، من خلال سعيها لـ “دعشنة” الجنوب ونشر الفوضى، تؤدي دور الوكيل للأمريكي والبريطاني لإزاحة أي عائق يقف أمام تنفيذ المخطط الصهيوني في المنطقة وهو ما يواجهه الشعب اليمني بصموده وثباته التاريخي حيث يمثل شوكة في حلق هذا المشروع، وهو ما يفسر حجم العدوان والتآمر الذي يتعرض له. فالمعركة في اليمن هي معركة تحديد مصير المنطقة، بين مشروع المقاومة والتحرر، ومشروع التبعية والتفتيت الذي تقوده قوى العدوان ويدعمها الغرب والكيان الصهيوني.

ختاما

الرهان السعودي على “دعشنة” اليمن ونشر وباء التكفير ليس سوى محاولة يائسة لتعويض الفشل العسكري بتمزيق النسيج الاجتماعي من الداخل، لكن التاريخ يثبت أن الهوية الإيمانية لليمنيين كانت دوماً الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها مشاريع التفتيت والفتن، وبينما تواصل الرياض نكث العهود والهروب من استحقاقات السلام الموقعة في عمان، وتتجه نحو التصعيد العسكري على اليمن يبقى صمود الشعب اليمني ووعيه بمخاطر هذا المشروع التكفيري هو الضمانة الوحيدة لإسقاط الأجندات الصهيونية-الأمريكية، مؤكداً أن اليمن لن يكون أبداً ساحة للفوضى، بل وطناً وشعبا عصياً على الانكسار والتبعية لا يخضع في عبوديته إلا لله الواحد الأحد.

You might also like