نحن من نفتدي مكة بأرواحنا .. بيان المسيرات يرد على الاتهام ويصعّد معادلة المواجهة

لم تأتِ المسيرات الجماهيرية في أمانة العاصمة والمحافظات الحرة لتسجيل موقف عابر من التطورات الأخيرة، بل جاءت برد سياسي وإعلامي مباشر على اتهام العدو السعودي باستهداف مكة المكرمة، وبإعادة تثبيت معادلة المواجهة العسكرية، «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد»،  البيان يرفع سقف الخطاب بوضوح، ويضع ثلاث رسائل في مواجهة واحدة، رفض الاتهام، وحماية صورة اليمن وموقفه من المقدسات، وتأكيد أن التصعيد والكذب لن يفرض التراجع.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

إسقاط الاتهام من أساسه

البيان لا يناقش اتهام العدو السعودي باعتباره مجرد خطأ في التقدير أو اختلافًا في الروايات، بل يصفه بـ«البهتان العظيم» و«كذبة العصر»،وهذه اللغة تكشف طبيعة المعركة التي يخوضها الشعب اليمني مع العدو السعودي،  والمطلوب ليس فقط نفي الواقعة، وإنما إسقاط المصداقية السياسية والأخلاقية للرواية السعودية،  فالاتهام باستهداف مكة يحمل وزنًا دينيًا وإعلاميًا استثنائيًا، ومن هنا يركز البيان على أن اليمن بمواقفه المعروفة والواضحة لا يستهدف المقدسات، بل يضع الدفاع عنها ضمن قضايا الأمة المركزية.

تحويل مكة من ساحة اتهام إلى عنوان للمواجهة

أخطر ما يفعله البيان سياسيًا هو أنه لا يسمح بأن تبقى مكة مجرد موضوع في رواية العدو  السعودي،  بل يحاول إعادة تعريف القضية بالكامل، فبدل أن تكون الرسالة، «اليمن متهم باستهداف مكة»، يطرح البيان رواية مضادة، أن اليمن يتعرض لاتهام يستهدف موقفه من مقدسات المسلمين، وهذا الموقف جوهري، ثم يوسع البيان الدائرة لتشمل مكة والمدينة والأقصى، ليؤكد أن المقدسات، ليست تفصيلًا في سياسته، وإنما جزء من هويته السياسية والدينية.

الرد لن يكون إعلاميًا فقط

لا يتوقف البيان عند النفي، بل يعلن الاحتفاظ بحق الرد وتفويض القيادة والقوات المسلحة بتحديد «الكيفية المناسبة»،  وهنا تنتقل الرسالة من معركة الرواية إلى معركة الردع، فالبيان لا يحدد طبيعة الرد، ولا توقيته، لكنه يرفض أن يكون الاتهام مدخلًا لفرض معادلة جديدة من قبل العدو، والرسالة السياسية هنا واضحة ، لا يُنظر إلى الاتهام باعتباره نهاية القصة، بل باعتباره تطورًا له تبعات.

«الحصار بالحصار»..  والتصعيد بالتصعيد

إعادة التأكيد على معادلة «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد» ليست عبارة دعائية هامشية؛ إنها تمثل جوهر الرسالة العسكرية للبيان، فالمعادلة تقول، إن الضغوط العسكرية والاقتصادية لن تبقى بلا مقابل، وإن التصعيد سيواجه بتصعيد، والتحشيد العسكري سيقابله استهداف للتحشيدات، وبذلك يثبت البيان قواعد اشتباك معلنة سياسيًا، وإفهام العدو السعودي بأن التصعيد لن ينتج تلقائيًا تنازلًا أو تراجعًا.

الحشود رسالة إلى الداخل والخارج

الحشد الجماهيري في أمانة العاصمة والمحافظات ليس مجرد مشهد احتجاجي؛ إنه جزء من الرسالة نفسها، فالبيان يريد إظهار أن موقف القيادة لا يقف منفردًا، وأن هناك قدرة على التعبئة الجماهيرية وتوحيد الخطاب في جغرافيا واسعة، داخليًا، يعني ذلك دعمًا معنويًا للقوات المسلحة وتأكيدًا على تماسك الجبهة المؤيدة المؤيدة للسيد القائد والقوات المسلحة اليمنية،  وخارجيًا، يقدم الحشد صورة عن أن التصعيد لم يؤدِ إلى انهيار الحاضنة الشعبية للموقف العسكري.

دعوة الأنظمة والأحزاب إلى الاختبار

عندما يدعو البيان الأنظمة والأحزاب والجهات إلى «المواقف الحقيقية»، فهو يفتح جبهة سياسية موازية، فالرسالة لا تتوجه إلى السعودية وحدها؛ بل إلى كل من أدان أو ساند الرواية السعودية،  وهنا يحاول البيان تحويل قضية مكة إلى اختبار للمواقف العربية والإسلامية، من يملك موقفًا حقيقيًا من المقدسات، ومن يكتفي بإدانة سياسية جاهزة؟
وهذا يفسر انتقال البيان من الحديث عن حادثة محددة إلى الحديث عن «قضايا الأمة» والاستقلال ومواجهة الأعداء.

أخطر دلالات البيان.. الجمع بين المقدسات والخيار العسكري

القوة التعبوية في البيان تأتي من دمج ثلاثة مستويات يصعب فصلها، المقدسات و الهوية الدينية و المواجهة العسكرية، فمكة تمنح الخطاب ثقله العاطفي والديني، والحشود تمنحه ثقله الشعبي، والقوات المسلحة تمنحه ثقله العسكري، وبهذا يصبح البيان أكثر من رد إعلامي؛ إنه رسالة تعبئة شاملة تستهدف تثبيت الموقف على المستويات الثلاثة في وقت واحد.

ختاما ..

بيان المسيرات يرفع سقف المواجهة على ثلاثة محاور متزامنة، إعلاميًا من خلال رفض اتهام العدو السعودي ومحاولة إسقاطها أخلاقيًا وسياسيًا، وجماهيريًا من خلال حشد الشارع وتأكيد دعم القوات المسلحة، وعسكريًا من خلال تثبيت معادلة «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد» وإبقاء الرد مفتوحًا، والرسالة الأكثر وضوحًا في البيان هي أن اتهام اليمن باستهداف مكة، لن يتحول إلى نقطة ضعف أو إلى أداة لفرض التراجع؛ بل يجري تحويله إلى عنوان للتعبئة والرد السياسي والتهديد باستمرار التصعيد، وبذلك انتقلت قضية المسيّرة من حادثة عسكرية إلى معركة على الشرعية الدينية والسياسية للرواية؛ معركة خسر فيها العدو السعودي وانتصر فيها الشعب اليمني لأنه صاحب الموقف المدافع عن المقدسات، وأن العدو السعودي هو من يستخدمها في الصراع بسبب فشله في الميدان وخسارته الكبيرة أمام رجال الرجال .

You might also like