مكة ليست ورقة سياسية .. اليمن يغضب لمكة حين صمت الآخرون

في يونيو 2026، لم تمر الإساءة المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مكة والكعبة مروراً عابراً في اليمن،  بل خرجت مسيرات جماهيرية مليونية واسعة في صنعاء والمحافظات اليمنية الحرة ، رافعةً شعارات الغضب والرفض، ومؤكدة أن المساس بالكعبة والمقدسات الإسلامية ليس قضية سياسية عابرة، بل اعتداء على مشاعر المسلمين جميعاً، وهنا تظهر المفارقة التي تستحق أن يسمعها العالم، اليمنيون خرجوا إلى الشوارع دفاعاً عن مكة عندما رأوا إساءة إليها، بينما لم يظهر في المشهد، تحرك سعودي مماثل يوازي حجم الغضب اليمني، ولم يتفوه “خائن الحرمين” بكلمة واحدة، لكن المسألة لا تتوقف عند ترامب.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

من يدافع عن المقدسات عندما تُهان؟

خلال السنوات الماضية، شهد العالم وقائع متكررة أثارت غضب المسلمين بسبب الإساءة إلى القرآن الكريم والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم،  وفي كل مرة، كانت الساحات اليمنية تشهد تحركات جماهيرية مرتبطة بالدفاع عن القرآن والرسول والمقدسات، في حين ظل السؤال مطروحاً حول مستوى الموقف الرسمي العربي والإسلامي تجاه تلك الوقائع، وهنا لا يعود السؤال، من يملك مكة؟ بل يصبح، من يحمل قضية المقدسات فعلاً؟
فالمقدسات لا تُحمى بمجرد امتلاك الجغرافيا، ولا بمجرد رفع شعار «حماية الحرمين»، وإنما تُعرف مكانتها في وجدان من يهبّ عندما تُمس، ويغضب عندما تُهان، ويعتبر الدفاع عنها قضية لا تقبل الصمت.

غزة كشفت الفارق أكثر

حين أُريقت دماء الفلسطينيين في غزة، لم يتعامل اليمن مع القضية باعتبارها ملفاً دبلوماسياً بعيداً، جعلت صنعاء نصرة غزة محوراً رئيسياً في خطابها وتحركاتها، وربطت موقفها بالحرب على العدو الإسرائيلي والدفاع عن الفلسطينيين،   يمكن أن يختلف العالم مع الوسائل اليمنية أو مع الحسابات السياسية والعسكرية لليمن،  لكن وجود هذا الموقف وتحوله إلى تعبئة جماهيرية واسعة أمر موثق ولا يمكن إنكاره، وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً، إذا كانت حرمة مكة تستوجب الغضب، ألا تستوجب حرمة دماء المسلمين في غزة موقفاً أيضاً؟ ، إذا كان الدفاع عن المقدسات واجباً، فكيف يصبح الدفاع عن مكة عنواناً دائماً، بينما تختفي المقدسات عندما يتعلق الأمر بجرائم وانتهاكات في مكان آخر؟

ثم تأتي رواية العدو السعودي الجديدة

اليوم، يعلن العدو السعودي أنه اعترض مسيّرة قال إنها كانت متجهة نحو مكة، متهما القوات المسلحة اليمنية بالوقوف وراءها، وهنا ينبغي أن يكون السؤال واضحاً، أين الدليل؟ ،فمكة ليست عنواناً يمكن استخدامه لتصفية الحسابات السياسية، فاتهام اليمن باستهداف أقدس المقدسات في الإسلام اتهام بالغ الخطورة، وإذا كانت هناك أدلة، فلتُعرض أمام العالم إذا كان صادقا،  أما أن يتحول الاتهام إلى حقيقة لمجرد أنه صدر عن الرياض، فذلك ليس تحقيقاً للحقيقة، بل تثبيت لرواية عدو للإسلام جعل من مقدسات الاسلام مادة لاستعطاف الوجدان الإسلامي.

المفارقة التي يصعب تجاهلها

اليمن الذي خرجت جماهيره غاضبة عندما اعتُبرت إساءة المجرم ترامب مساساً بمكة والكعبة، والذي خرجت ساحاته دفاعاً عن القرآن والرسول، هو نفسه الذي يُتهم اليوم بأنه يستهدف مكة، محاولة بائسة تكشف تناقضاً صارخاً في الصورة التي يراد تسويقها عن اليمن،  فكيف يُقدَّم اليمن للرأي العام الإسلامي باعتباره عدواً لمكة، بينما تسجل ساحاته تحركات جماهيرية ضخمة دفاعاً عن مكة والقرآن والرسول؟  هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح قبل تصديق الرواية الجاهزة.

لا أحد يملك حق احتكار المقدسات

مكة ليست ملكاً لنظام سياسي، والكعبة ليست ملكاً لآل سعود، والقرآن ليس ملكاً لهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس رمزاً لسلطة قامت على القمع والدماء، هذه مقدسات أمة بأكملها، ولهذا فإن من يريد أن يقدم نفسه حامياً للمقدسات لا يستطيع أن يكتفي بالقول «أنا حامي الحرمين»، بل عليه أن يجيب عن سجل مواقفه عندما أُهين القرآن، وعندما أُسيء إلى الرسول صلوات الله عليه وعلى آله،  وعندما نزفت غزة.

ختاما ..

لقد خرج اليمنيون غاضبين عندما اعتبروا منشور ترامب مسيئاً لمكة، كما خرجوا في مناسبات عديدة دفاعاً عن القرآن والرسول وفلسطين،  لذلك فإن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، لا تجعلوا مكة مطيةً سياسية لإدانة أنصار الرسول والرسالة وحامي حمى الاسلام ومقدساته، ومكة أكبر من أن تكون ورقة في حرب الروايات، والمقدسات أكبر من أن تُستخدم لتغطية الصمت، والمواقف وحدها هي التي تكشف من يرى الإسلام قضيةً حيّة، ومن لا يتذكر المقدسات إلا عندما يحتاجها في المعركة.

You might also like