اليمن الكبرى أمام مشروع “إسرائيل الكبرى”.. قراءة في طبيعة الصراع وتحولات الإقليم

لم تعد التطورات المتسارعة في البحر الأحمر وخليج عدن تُقرأ في كثير من الأوساط السياسية والإعلامية بوصفها أحداثاً عسكرية معزولة أو إجراءات مرتبطة بما يروج له العدو السعودي بحماية الملاحة الدولية، بل باتت تُقدَّم ضمن سياق جيوسياسي أوسع يتصل بإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، وصياغة ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تتجاوز حدود اليمن إلى مجمل الإقليم، وفي هذا السياق، لم يعد خافيا أن الصراع الدائر يمثل مواجهة بين مشروعين متعارضين؛ الأول يسعى إلى تكريس ترتيبات إقليمية جديدة تخدم مصالح العدو الإسرائيلي وتوسيع نفوذه تقوده السعودية، والثاني مشروع يمني سيادي يهدف إلى منع فرض تلك الترتيبات والحفاظ على استقلال القرار الوطني وربط أمن المنطقة بحقوق شعوبها.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

البحر الأحمر .. من ممر ملاحي إلى ساحة تنافس استراتيجي

أدت التطورات العسكرية المتلاحقة في البحر الأحمر إلى نقل هذا الممر الحيوي من كونه ممراً تجارياً عالمياً إلى مساحة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية للدول الإقليمية والقوى الدولية، ويذهب عدد من المحللين إلى أن أهمية البحر الأحمر لا تنبع فقط من حجم التجارة العالمية التي تمر عبره، وإنما من كونه يشكل أحد أهم مفاتيح النفوذ في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، وهو ما يجعل أي تغير في معادلات السيطرة أو الردع داخله مؤثراً في توازنات المنطقة بأكملها، ومن هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا الطرح أن التحالفات العسكرية والبحرية التي تقودها السعودية لا يمكن فصلها عن رؤية استراتيجية أشمل لإعادة هندسة البيئة الأمنية في البحر الأحمر بما ينسجم مع التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بما فيها مسارات التطبيع وإعادة بناء التحالفات الإقليمية.

 

اليمن الكبرى في مواجهة مشروع الهيمنة

وفقا لذلك لا يُنظر إلى اليمن باعتباره مجرد طرف في نزاع ، بل باعتباره عقدة جيوسياسية مؤثرة قادرة على تعطيل مشاريع إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وتذهب هذه القراءة إلى أن الموقع الجغرافي لليمن، وسيطرته على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، يجعلان منه لاعباً يصعب تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، وهو ما يفسر -بحسب أصحاب هذا الرأي- حجم الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية التي يتعرض لها، ويطرح هذا الخطاب مفهوم “اليمن الكبرى” بوصفه تعبيراً عن مشروع سيادي يقوم على استقلال القرار الوطني، ورفض تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة لخدمة مصالح خارجية، مع التأكيد على أن مستقبل المنطقة ينبغي أن يُبنى على احترام سيادة الدول وحقوق شعوبها، لا على فرض معادلات القوة.

 

“إسرائيل الكبرى”.. مشروع تقوده السعودي

في المقابل، يبرز مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي استلمت السعودية زمام التنفيذ من إسرائيل لتوسيع نفوذها الإقليمي بصورة غير مباشرة، عبر بناء شبكة واسعة من التحالفات الأمنية والاقتصادية والعسكرية، بما يضمن تفوقها الاستراتيجي ويعزز حضورها في الممرات البحرية ومراكز التأثير، وفي هذا الإطار، فأن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة، وما رافقها من اتفاقيات تطبيع وتحالفات جديدة، أسهمت في توفير بيئة سياسية وأمنية أكثر ملاءمة لتعزيز التعاون الإقليمي الذي يخدم المصالح الإسرائيلية، وإن كانت دوافع وأهداف تلك التحالفات محل تباين بين المحللين.

 

التحالف البحري .. بين حماية الملاحة وإعادة إنتاج الترتيبات الأمنية

ويرى محللون أن الإعلان عن تحالفات بحرية جديدة لا يقتصر على حماية السفن التجارية أو تأمين خطوط الملاحة، بل يمثل خطوة ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل منظومة الأمن البحري في المنطقة، ويذهب هذا الطرح إلى أن هذه الترتيبات تهدف إلى بناء واقع استراتيجي جديد يمنح القوى المتحالفة قدرة أكبر على إدارة الممرات البحرية الحيوية، بما يخدم شبكة المصالح الإقليمية والدولية، في حين ترفض اليمن هذه المقاربة وتعلن أن عملياتها العسكرية تأتي في إطار منع فرض معادلات جديدة تمس السيادة اليمنية وتؤثر في مستقبل المنطقة.

 

فلسطين كجزء من معادلة الصراع

وتربط هذه القراءة بين ما يجري في البحر الأحمر وبين تطورات القضية الفلسطينية، باعتبار أن الصراع لم يعد منفصلاً بين ساحات مختلفة، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية متشابكة، ومن هنا، فإن الموقف اليمني يندرج ضمن رؤية تعتبر أن أمن الملاحة لا يمكن عزله عن أمن شعوب المنطقة، وأن أي ترتيبات أمنية تتجاهل الحقوق الفلسطينية أو تعزز الهيمنة الإقليمية ستظل موضع اعتراض ومواجهة سياسية وعسكرية.

 

 

 

صراع على مستقبل الشرق الأوسط

 

ويشير مراقبون إلى أن المشهد الحالي يعكس انتقال المنطقة من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة رسم موازين القوى، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع المصالح الاقتصادية وخطوط الطاقة والممرات البحرية والتحالفات الدولية، وفي ظل هذا الواقع، فإن اليمن إحدى أكثر الساحات تأثيراً في معادلات الأمن الإقليمي، نظراً لموقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في حركة التجارة العالمية، وهو ما يفسر استمرار الاهتمام الدولي بالتطورات الجارية فيها.

 

ختاما ..

وبغض النظر عن اختلاف التقييمات السياسية لهذه الرؤية، فإنها تعكس اتجاهاً متنامياً في الخطاب السياسي والإعلامي يربط بين التطورات العسكرية في البحر الأحمر وبين التحولات الجيوسياسية الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، ووفق ذلك، فإن ما يجري لم يعد مجرد نزاع حول أمن الملاحة أو توازنات عسكرية محدودة، بل أصبح جزءاً من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي المقبل، وعلى هوية القوى التي ستملك التأثير في ممراته الاستراتيجية وقراراته السياسية، وفي هذا الإطار، يُقدَّم اليمن، في هذه القراءة، بوصفه أحد أبرز مفاتيح هذا الصراع، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل أيضاً بسبب موقعه في قلب النقاش الدائر حول مستقبل التوازنات الإقليمية، ودور القوى المحلية والإقليمية في رسم ملامح الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

You might also like