بالغزو وسفك الدماء.. كيف استولى آل سعود على الحجاز؟

لم تصل سلطة آل سعود إلى مكة والمدينة عبر اتفاق سياسي أو انتقال هادئ للحكم؛ فقد دخل الحجاز في حرب انتهت بإسقاط المملكة الحجازية الهاشمية، وخروج الشريف حسين وأبنائه من المشهد، وانتقال السيطرة على أقدس مدن المسلمين إلى عبدالعزيز بن سعود، وتكشف وثائق بريطانية أن ما جرى بين 1924 و1925 كان حربًا بين نجد والحجاز، وأن القوات التابعة لابن سعود تقدمت عسكريًا من نجد باتجاه مدن الحجاز، فسقطت واحدة تلو الأخرى، بل إن إحدى الوثائق البريطانية تتحدث صراحة عن «احتلال مكة بواسطة ابن سعود»، بينما تصف وثائق أخرى الحدث بأنه «غزو الحجاز».

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

من نجد إلى الحرمين

تعود جذور المشروع إلى التحالف الذي نشأ في القرن الثامن عشر بين آل سعود ومحمد بن عبدالوهاب مؤسس الوهابيةالتكفيرية الدموية، وهو تحالف جمع السلطة السياسية بالمشروع الديني، ومهّد لتوسع الدولة السعودية الأولى في أجزاء واسعة من الجزيرة العربية، وفي بدايات القرن التاسع عشر وصلت الحملات السعودية الأولى إلى الحجاز، فدخلت مكة والمدينة تحت سيطرة الدولة السعودية الأولى لفترة، قبل أن تنتهي تلك الدولة على يد قوات محمد علي باشا عام 1818،  ثم عادت الدولة السعودية الثانية، وبعد سقوطها استأنف عبدالعزيز بن عبدالرحمن مشروع آل سعود باستعادة الرياض عام 1902، ثم توسيع نفوذه تدريجيًا حتى أصبح صاحب القوة الأبرز في وسط وشرق الجزيرة، لكن السيطرة على نجد لم تكن نهاية المشروع؛ فالهدف الأكثر أهمية كان الحجاز.

الحجاز .. مفتاح الشرعية والنفوذ

كان الحجاز يضم مكة والمدينة، ويحكمه الشريف حسين بن علي ثم ابنه علي ضمن المملكة الحجازية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، ومع تزايد قوة ابن سعود تصاعد الصراع بين الطرفين، حتى جاءت سنة 1924 لتفتح الفصل الأكثر دموية وحسمًا، تحركت قوات الإخوان التابعة لابن سعود نحو الحجاز، فسقطت الطائف في سبتمبر 1924، وتوجد في الأرشيف البريطاني وثائق مستقلة عن أحداث الطائف تحمل عنوانًا صريحًا عن «مجازر الوهابيين في الطائف عام 1924»، وتضم تقارير ومراسلات وشهادات مرتبطة بأحداث العنف وخسائر السكان، لم يكن سقوط الطائف حادثًا منفصلًا؛ فقد فتح الطريق نحو مكة.

مكة.. المدينة التي سقطت بالحرب

مع انهيار الدفاعات الهاشمية، تقدمت القوات السعودية نحو مكة، وانتهت المعركة بسيطرة قوات ابن سعود على المدينة، وهنا تبرز أهمية الوثائق البريطانية؛ فهي لا تقدم الحدث باعتباره مجرد «ضم إداري»، بل تسجل مخاوف ومراسلات حول احتلال مكة بواسطة ابن سعود، في سياق الحرب الدائرة بين نجد والحجاز، أما الرواية السعودية الرسمية فتقدم الحدث باعتباره جزءًا من عملية توحيد البلاد، وتؤكد أن عبدالعزيز دخل مكة لاحقًا وأدى العمرة، والاختلاف هنا ليس في أصل انتقال السيطرة إلى ابن سعود، وإنما في كيفية توصيف الحدث وتوقيته ودلالته السياسية.

المدينة .. آخر معاقل الحكم الهاشمي

لم تتوقف الحملة عند مكة، استمر الضغط العسكري على بقية الحجاز، وسقطت المدينة المنورة، ثم حوصرت جدة حتى استسلمت عام 1925، وتحمل الوثائق البريطانية ملفًا بعنوان واضح عن «سقوط المدينة، استسلام جدة، تنازل الملك علي، وتدنيس الأضرحة بواسطة الوهابيين»، بما يعكس طبيعة التحولات التي رافقت انتقال السلطة في الحجاز، وبسقوط جدة انتهت عمليًا المملكة الحجازية الهاشمية، وأصبح الحجاز تحت سلطة عبدالعزيز بن سعود.

لم تكن معركة على الأرض فقط

كان الصراع أوسع من مجرد مواجهة عسكرية،  فقد اصطدم مشروع ابن سعود بالحجاز سياسيًا وعسكريًا ودينيًا، وتزامن ذلك مع تحولات إقليمية عميقة بعد سقوط الدولة العثمانية عام 1924،  كما كانت بريطانيا تتابع الصراع عن كثب، وتوجد في أرشيفاتها مراسلات حول مستقبل المدن المقدسة وموقف الحكومة البريطانية من الحرب بصفتها الداعم الأول .

من السيطرة إلى المملكة

بعد إخضاع الحجاز، بدأ تثبيت السلطة الجديدة وإعادة تنظيم الإدارة، ثم أصبح عبدالعزيز ملكًا على الحجاز وسلطانًا على نجد وملحقاتها، قبل أن يُعلن عام 1932 قيام المملكة العربية السعودية، وهكذا فإن الطريق إلى المملكة لم يبدأ من لحظة إعلانها عام 1932، بل مرّ بمحطات متتابعة،  التحالف الديني والسياسي، توسع الدولة السعودية، استعادة الرياض، ثم الحرب على الحجاز، فسقوط الطائف ومكة والمدينة وجدة،  والوثائق المعاصرة تضع أمام الباحث حقيقة لا يمكن تجاوزها، الحجاز لم ينتقل إلى حكم آل سعود نتيجة تسوية سياسية سلمية؛ بل انتقلت سلطته بعد حرب عسكرية انتهت بإسقاط الحكم الهاشمي وإقامة سلطة ابن سعود على مكة والمدينة وسائر الحجاز. 

You might also like