شحنات تتراجع وطرق تتبدل وناقلات تتوارى.. الخسائر السعودية تتسع تحت ضغط معادلة الحصار بالحصار
يوما إثر آخر تتسع كلفة خسائر استمرار الحصار السعودي على اليمن وتداعيات المواجهة لتتجاوز ساحات العمليات العسكرية، لتطال شرايين الاقتصاد السعودي وخطوط إمداد النفط والوقود ومسارات الناقلات والأسواق المستوردة، فمنذ إعلان القوات المسلحة اليمنية معادلة «الحصار بالحصار» وتنفيذها عمليات نوعية،منها استهدفت ناقلات ومنشآت نفطية في العمق السعودي، إلى جانب تجمعات وتحشيدات تابعة للعدو السعودي في عدد من محاور القتال داخل اليمن، وجدت الرياض نفسها أمام فاتورة متصاعدة من الخسائر والضغوط.
وبحسب تقارير دولية، اضطرت المملكة إلى إعادة ترتيب حركة شحناتها، وتحمل تكاليف تأمين أعلى، وسلوك طرق بحرية أطول وأكثر كلفة، فيما تراجعت بعض صادرات الديزل واختفت شحنات أخرى من مؤشرات التتبع المعتادة، ومع استمرار هذه التداعيات، تتقلص الخيارات المتاحة أمام الرياض للحفاظ على انسيابية صادراتها والوصول المنتظم إلى عملائها، بينما تتزايد كلفة حماية منشآتها وناقلاتها وتأمين خطوطها التجارية، في ظل تصاعد العمليات اليمنية المشروعة لكسر الحصار السعودي الأمريكي على الشعب اليمني.
يمانيون| محسن علي
الحصار ينتقل إلى البحر
دخلت المواجهة بين صنعاء والرياض مرحلة تتشابك فيها الجبهة العسكرية مع الاقتصاد والطاقة والنقل البحري، فبعد إعلان اليمن تثبيت معادلة الحصار بالحصار وتوجيه الضربات المنكلة ردًا على الحصار والعمليات العسكرية، أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءًا من معادلة ضغط تؤثر في قرارات شركات الشحن، وحسابات التأمين، ومواعيد التسليم، وقدرة المملكة على استخدام موانئها الغربية باعتبارها منافذ آمنة وفعالة لتصدير النفط والمنتجات المكررة، وتطرح صنعاء هذه التطورات بوصفها نتيجة مباشرة لمعادلة «الحصار بالحصار»، أي نقل كلفة القيود المفروضة على اليمن إلى المصالح التي تعتمد عليها السعودية في تمويل سياستها وحركتها التجارية، وفي المقابل، تحاول الرياض الحفاظ على تدفق صادراتها عبر تغيير المسارات واستخدام ترتيبات أمنية ولوجستية بديلة، غير أن هذه الخيارات ترفع الكلفة وتزيد زمن الرحلات .
اضطراب موانئ النفط
تحتل موانئ ينبع وجيزان موقعًا مهمًا في شبكة الطاقة السعودية، ولذلك فإن أي تهديد لحركة الناقلات في البحر الأحمر ينعكس على قدرة المملكة في نقل الخام والمنتجات المكررة إلى الأسواق، وبينما كانت الرياض تراهن على الساحل الغربي لتوفير طريق بديل عن المسارات المرتبطة بالخليج ومضيق هرمز، لكن المخاطر الجديدة قرب باب المندب جعلت هذا الخيار أكثر تعقيدًا.
ووفق تقرير نشرته وكالة رويترز في أغسطس 2026، أصبحت عمليات تحميل النفط من ينبع أقل وضوحًا بعد لجوء ناقلات إلى إطفاء أجهزة التتبع أثناء وجودها في مناطق مرتفعة المخاطر، وقدمت شركات تتبع الشحن تقديرات متباينة لحجم التدفقات؛ إذ قدرت «كبلر» التحميل بنحو 1.78 مليون برميل يوميًا في أحد الأسابيع، مقارنة بـ4.04 ملايين برميل يوميًا في الأسبوع السابق، بينما سجلت شركات أخرى أرقامًا مختلفة، تكشف خسارة كبرى ومهمة للنظام السعودي.
طرق أطول وكلفة أعلى
لمواجهة مخاطر الحصار اليمني، اتجهت ناقلات سعودية إلى سلوك مسارات شمالية عبر البحر الأحمر أو إلى الدوران حول إفريقيا، وذكرت بلومبرغ أن المملكة ترسل ناقلات لمسافات طويلة حول القارة الإفريقية، فيما تنقل كميات أخرى شمالًا لتفادي المنطقة القريبة من باب المندب، ويمثل تغيير المسار خسارة لوجستية مباشرة، حتى عندما تصل الشحنة إلى وجهتها، فالرحلة الأطول تعني استهلاكًا إضافيًا للوقود، وأجورًا أعلى للطاقم، ووقتًا أطول قبل التسليم، وحاجة إلى تغطية تأمينية أكبر، كما يمكن أن تؤثر في قدرة الموانئ والمصافي على تنظيم جداول التحميل، وفي التزامات المورد تجاه العملاء الذين يحتاجون إلى إمدادات منتظمة، كما تتضاعف الخسائر عندما تضطر شركات النقل إلى إعادة ترتيب أساطيلها أو تجنب مناطق بأكملها، فكل ناقلة تسلك طريقًا بعيدًا تعني قدرة أقل على تنفيذ رحلة أخرى خلال الفترة نفسها، وكل يوم إضافي في البحر يرفع الكلفة التشغيلية ويقلل الكفاءة التجارية.
جازان والأسواق الإفريقية
تظهر الخسائر بصورة أكثر وضوحًا في صادرات الديزل من مصفاة جيزان، فقد أشار تقرير لرويترز، استنادًا إلى بيانات شركة «كبلر»، إلى هبوط شحنات الديزل من جازان إلى إفريقيا إلى الصفر خلال أغسطس، بعدما بلغت 163 ألف طن في يوليو، ويعني هذا التراجع أن السعودية لم تفقد شحنة أو صفقة عابرة فحسب، بل واجهت اضطرابًا في قناة تجارية تربط منتجاتها بأسواق إفريقية، وبمجرد تراجع الإمدادات، بدأ مشترون بالبحث عن مصادر بديلة، فيما ارتفعت صادرات آسيوية إلى إفريقيا لتعويض جزء من النقص القادم من الشرق الأوسط، وقد تعود بعض الشحنات السعودية إذا تحسنت الظروف، لكن بناء علاقات جديدة بين المشترين والموردين البدلاء قد يجعل استعادة الحصة السوقية أكثر صعوبة.
التأمين يضاعف الفاتورة
تتجاوز كلفة الحصار المتبادل قيمة النفط الذي لا يصل إلى السوق، لتشمل التأمين على السفن والشحنات، فارتفاع مخاطر الحرب يدفع شركات التأمين إلى زيادة الأقساط، وقد يجعل بعض الناقلين أكثر تحفظًا في قبول الشحنات أو يفرض عليهم طلب ضمانات إضافية، وفي الحالات الأكثر خطورة، قد تضطر الشركات إلى تعليق الرحلات أو تحويلها إلى مسارات بعيدة، وتؤثر هذه الزيادة في جميع أطراف سلسلة الطاقة، فالسعودية تتحمل تكلفة حماية المنشآت والناقلات، وشركات النقل ترفع أسعارها لتغطية المخاطر، والمشترون يعيدون احتساب كلفة وصول الشحنات، بينما قد تضطر الرياض إلى تقديم خصومات للحفاظ على عملائها، وبذلك يتحول التهديد البحري إلى استنزاف متراكم لا يظهر في بند واحد من الموازنة، بل يتوزع على النقل والتأمين والتشغيل والتسويق.
خسارة الميزة الجغرافية
لطالما استفادت السعودية من موقعها المطل على البحر الأحمر والخليج، ومن قدرتها على استخدام أكثر من منفذ لتسويق إنتاجها النفطي، لكن اضطراب الملاحة يجعل الموقع الجغرافي، الذي كان عنصر قوة، مصدرًا لتكلفة إضافية عندما تصبح الموانئ بحاجة إلى حماية ومسارات بديلة، وتشير بلومبرغ إلى أن السعودية تعيد تنظيم حركة نفطها، وأن ناقلات تحمل ملايين البراميل تسلك طرقًا أطول حول إفريقيا أو تتجه شمالًا عبر البحر الأحمر لتجنب مناطق الخطر، وعلى الرغم من أن هذه البدائل تمنح المملكة قدرة على مواصلة بعض التدفقات، فإنها تقلل ميزة الوصول السريع إلى الأسواق وتزيد حساسية الصادرات لأي حادث أمني أو تغير في أسعار التأمين.
أسواق تبحث عن بديل
تشكّل السوق الإفريقية واحدة من أبرز ساحات المنافسة التي انعكست فيها آثار الاضطراب، فقد أظهرت بيانات نقلتها رويترز أن تراجع الشحنات السعودية من الديزل تزامن مع زيادة الإمدادات الآسيوية المتجهة إلى إفريقيا، ويعني ذلك أن الضغط لا يقتصر على الإيرادات الحالية، بل قد يمتد إلى الحصة السوقية والثقة التجارية، فالمشتري الذي يواجه تأخرًا متكررًا أو غموضًا في موعد وصول الشحنة يبحث عن مورد أكثر انتظامًا، حتى لو كان السعر أعلى قليلًا، وإذا استقرت البدائل الجديدة، فإن السعودية قد تحتاج لاحقًا إلى تقديم شروط أكثر تنافسية لاستعادة العملاء، وهو ما يضغط على هامش الربح ويزيد كلفة العودة إلى الأسواق.
الضغوط المالية
تأتي هذه التطورات في وقت تتحمل فيه السعودية نفقات كبيرة مرتبطة بالمشروعات الاقتصادية والإنفاق العسكري والأمني، وقد ذكرت بلومبرغ أن المملكة تجري محادثات أولية للحصول على قرض جديد لا يقل عن 8 مليارات دولار، ونسبت المعلومات إلى أشخاص مطلعين على الملف، بسبب الحصار اليمني المباشر، حيث يكشف اتساع الضغوط على المالية السعودية، فالخسارة لا تقتصر على عائد نفطي مفقود، بل تشمل أموالًا إضافية تُنفق لحماية المصدر والحفاظ على تدفقه.
الرحلات غير المرئية
أدى لجوء الناقلات إلى إطفاء أجهزة التتبع إلى خلق ما يعرف بالرحلات غير المرئية، وهذه الممارسة لا تعني تلقائيًا توقف الشحنات، لكنها تجعل حجم الصادرات أقل وضوحًا وتزيد التباين بين تقديرات شركات المتابعة، وقد أشار تقرير رويترز إلى أن نحو 70 في المائة من عمليات التحميل على الساحل الغربي السعودي خلال فترة معينة جرت دون تغطية مستمرة لإشارات التتبع، ومن منظور اقتصادي، يمثل الغموض خسارة بحد ذاته، فالمستثمرون والمشترون يحتاجون إلى معلومات موثوقة، وأي تراجع في وضوح البيانات يرفع علاوة المخاطر ويجعل التعاقدات المستقبلية أكثر تحفظًا، كما أن إخفاء المسارات لا يلغي المخاطر، بل ينقل جزءًا منها إلى قرارات أكثر تعقيدًا في التأمين والتسليم والتسوية التجارية، وليست بعيدة أيضا عن أنظار القوات المسلحة اليمنية ورصدها الدقيق.
معادلة استنزاف
حققت معادلة «الحصار بالحصار» هدفها في نقل الضغط إلى القطاعات الأكثر حيوية بالنسبة للسعودية، فقد أصبحت المملكة أمام معادلة مكلفة: إما تقليل نشاط بعض الموانئ والمسارات، أو مواصلة الشحن في بيئة أكثر خطورة، أو سلوك طرق أطول تستهلك وقتًا ومالًا، وهو ما ظهر جليا في اضطراب حركة الناقلات، ارتفاع مخاطر التأمين، زيادة مسافات الشحن، تراجع شحنات جيزان إلى إفريقيا، وتنامي الحاجة إلى بدائل لوجستية وتمويلية.
خاتمة مميزة
تظهر معادلة «الحصار بالحصار» في صورتها الاقتصادية بوصفها ضغطًا متدرجًا على شرايين الطاقة السعودية، فالعمليات اليمنية، دفعت ناقلات إلى تغيير مساراتها أو إخفاء إشاراتها، وأربكت حركة الشحن من موانئ البحر الأحمر، وأثرت في شحنات الديزل المتجهة إلى إفريقيا، ورفعت كلفة التأمين والنقل، وقللت من الميزة الجغرافية التي كانت تتمتع بها المملكة، كما تشير هذه التطورات إلى أن خسائر الرياض لا تقاس فقط بما تفقده من شحنات أو إيرادات، بل أيضًا بما تنفقه للحفاظ على صادراتها، وما تخسره من مرونة وثقة وحصة سوقية فاستمرار التصعيد يوسع فاتورة المواجهة ويهدد أمن الملاحة والطاقة في المنطقة.
وفي نهاية المطاف، يبقى إنهاء العدوان الأمريكي السعودي ورفع الحصار عن اليمن أقل كلفة من استمرار معادلة تستنزف الاقتصاد وتتجه بالمملكة نحو الهاوية.