عملية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا» تعيد رسم موازين الميدان والردع

جاء بيان القوات المسلحة اليمنية الصادر في 11 سبتمبر 2026 ليعلن بوضوح أن معركة الساحل الغربي دخلت مرحلة جديدة، عنوانها المبادرة العسكرية، وضرب التحشيدات، وتغيير الواقع الميداني، وفرض معادلات جديدة للردع، فالعملية التي أُعلن عن تنفيذها في الثالث من سبتمبر تحت اسم «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا» لم تكن تحركًا عسكريًا محدودًا، بل عملية واسعة متعددة المسارات استهدفت تحشيدات تابعة للسعودية في عدد من مديريات تعز والحديدة، وانتهت بتحقيق نتائج ميدانية كبيرة رغم الغطاء الجوي الكثيف، وأعلن البيان طرد التحشيدات من ست مديريات بمساحة إجمالية بلغت 5400 كيلومتر مربع، وضرب سبع فرق عسكرية تضم 38 لواءً، وتحرير عدد من الأسرى، إضافة إلى تنفيذ 32 عملية تصدٍّ للطائرات الحربية السعودية وإسقاط تسع طائرات، هذه الأرقام، في سياق البيان، لا تُطرح باعتبارها مجرد حصيلة عسكرية، وإنما باعتبارها دليلًا على تحول في طبيعة المواجهة وقواعد الاشتباك.

 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

من التصدي إلى فرض المبادرة

الرسالة الأوضح في العملية أن القوات المسلحة لم تعد تكتفي بإفشال محاولات التقدم، بل انتقلت إلى استهداف التحشيد نفسه وتغيير مواقعه وفرض تراجع ميداني عليه، وهنا تتغير معادلة المواجهة بصورة جوهرية؛ فبدل أن يكون الطرف المبادر هو وحده القادر على فرض إيقاع المعركة، أصبحت المبادرة قابلة للانتقال إلى الطرف المدافع، الذي يملك القدرة على تحويل تحشيدات الخصم إلى أهداف عسكرية،
إنها معادلة واضحة، كلما اتسع التحشيد، اتسع نطاق الاستهداف.

 

 

الجغرافيا اليمنية ليست ساحة مفتوحة للفرض العسكري

يضع البيان السيطرة على الأرض في قلب المعركة، من خلال الإعلان عن طرد التحشيدات من ست مديريات بمساحة 5400 كيلومتر مربع،
وهذه ليست مجرد مساحة جغرافية، بل رسالة سياسية وعسكرية مباشرة مفادها أن الجغرافيا اليمنية ليست مجالًا مفتوحًا لفرض واقع عسكري خارجي، وأن أي محاولة لإنشاء مناطق نفوذ أو سيطرة ستواجه بإعادة تشكيل الواقع الميداني،
ومن هنا تصبح معركة الساحل الغربي جزءًا من معركة أوسع عنوانها السيادة الوطنية واستعادة القرار على الأرض.

 

التفوق الجوي لم يعد ضمانة للحسم

يحمل الإعلان عن تنفيذ 32 عملية تصدٍّ للطيران وإسقاط تسع طائرات رسالة شديدة الأهمية، فالبيان يؤكد أن الغطاء الجوي الكثيف لم يتمكن من إيقاف العملية أو تعطيل أهدافها، وهو ما يعني أن التفوق الجوي لم يعد قادرًا وحده على فرض نتيجة المعركة على الأرض، وهذه الرسالة تضرب في صميم إحدى أهم ركائز القوة العسكرية التقليدية، وتؤكد أن امتلاك السماء لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحكم بمسار المعركة البرية.

 

 

تحرير الأسرى .. النصر العسكري بُعد إنساني

إدراج تحرير الأسرى ضمن النتائج الرئيسية للعملية يؤكد أن آثارها لم تتوقف عند تغيير خطوط السيطرة، فتحـرير أسرى ظلوا لسنوات لدى الطرف الآخر يمثل إنجازًا عسكريًا وإنسانيًا ومعنويًا، ويمنح العملية قيمة تتجاوز الحسابات الميدانية المباشرة، خصوصًا بالنسبة إلى أسر الأسرى وذويهم.

 

الشعب والقبائل.. قوة تتجاوز الميدان

يشدد البيان على المشاركة الشعبية والقبلية الكبيرة، ليؤكد أن المعركة لا تُدار بمعزل عن المجتمع، وإنما تستند إلى حاضنة شعبية وقبلية تشكل جزءًا من منظومة الصمود والمواجهة،
وهنا تبرز معادلة مهمة، القوة العسكرية لا تعمل منفردة، بل تتحرك ضمن بيئة اجتماعية ترى نفسها جزءًا من معركة الدفاع عن الأرض والاستقلال والسيادة.

 

 

الحصار بالحصار .. نقل المواجهة إلى البحر

يؤكد البيان أن الملاحة البحرية آمنة لجميع الشركات باستثناء السفن السعودية المشمولة بالحظر المعلن، ويشدد على استمرار معادلة الحصار بالحصار، وهذا الإعلان يؤكد أن أدوات المواجهة لم تعد محصورة في الجبهة البرية، بل تمتد إلى المجال البحري والاقتصادي، بما يجعل الضغط المتبادل جزءًا أصيلًا من معادلة الردع،
فالرسالة هنا صريحة، الحصار لن يبقى بلا كلفة على الطرف الذي يفرضه.

 

 

التصعيد بالتصعيد .. قاعدة اشتباك لا لبس فيها

يأتي التأكيد على استمرار «التصعيد بالتصعيد» ليحسم طبيعة المرحلة المقبلة، فالقوات المسلحة تعلن بوضوح أن رفع مستوى الاعتداءات سيقابله رفع لمستوى الرد، وأن محاولة فرض وقائع جديدة بالقوة ستواجه بقوة مقابلة.

وبذلك تنتقل المعادلة من مجرد ردود متفرقة إلى قاعدة اشتباك معلنة ومفتوحة على احتمالات التصعيد المتبادل.

 

 

الوعي جزء من الحرب على الأرض

البيان لم يكتفِ بالإعلان عن النتائج العسكرية، بل خاض أيضًا معركة الرواية الإعلامية، من خلال الإشادة بوعي الشعب في مواجهة التضليل والدعاية المعادية، وهذا يؤكد أن السيطرة على الوعي أصبحت جزءًا من المعركة؛ فالمواجهة لا تدور حول المواقع فقط، وإنما حول من يحدد تفسير الأحداث ومن يفرض روايته على الجمهور.

 

ختاما ..

يؤكد بيان القوات المسلحة اليمنية أن معركة الساحل الغربي دخلت مرحلة مختلفة، تقوم على المبادرة بدل الانتظار، واستهداف التحشيدات بدل الاكتفاء بصدها، وتثبيت السيطرة على الجغرافيا، ومواجهة التفوق الجوي، وتوسيع أدوات الردع إلى المجال البحري والاقتصادي،
والرسالة المركزية للبيان واضحة، التحشيد سيُضرب، والتصعيد سيُقابل بالتصعيد، والحصار سيُواجه بالحصار، ومحاولة فرض السيطرة على الأرض اليمنية ستواجه بمعركة لاستعادة السيادة عليها، وبهذا المعنى، فإن عملية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا» لا يقدمها البيان باعتبارها حدثًا عسكريًا عابرًا، بل باعتبارها إعلانًا عن مرحلة جديدة في إدارة المواجهة، عنوانها الأبرز فرض كلفة مباشرة على كل محاولة لتغيير موازين الميدان بالقوة، إنها، وفق الرسالة التي يحملها البيان، معركة على الأرض والسماء والبحر والوعي في آن واحد؛ ومعركة لإعادة تعريف حدود القوة ومن يملك القدرة على فرض قواعد الاشتباك.

You might also like