المحرقة الجنوبية.. لماذا تدفع السعودية بأبناء الجنوب إلى حرب تخدم خرائط النفوذ؟

لم تعد الدماء التي تُراق في جنوب اليمن مجرد نتيجة لمواجهة عسكرية عابرة، ولا يمكن فصلها عن التحولات المتسارعة في خريطة النفوذ الإقليمي داخل اليمن. فاستمرار السعودية في دفع تشكيلات جنوبية إلى ساحات القتال يطرح سؤالًا صار أكثر إلحاحًا: هل تخوض هذه القوى حربًا من أجل الجنوب، أم يجري استخدام أبنائه وقودًا لصراع إقليمي على الجنوب؟ المشهد يكشف أن الحرب لم تعد تستهدف الخصوم المعلنين فقط، وإنما باتت تحمل في طياتها عملية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة داخل المناطق الجنوبية والشرقية، بما يفتح الطريق أمام ترتيبات سياسية وأمنية تخدم القوى الخارجية أكثر مما تخدم أبناء تلك المناطق.

 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

الجنوب.. الجغرافيا التي تفتح شهية النفوذ

لا يمكن فهم إصرار العدو السعودي على الحضور العسكري والسياسي في الجنوب بمعزل عن أهمية هذه الجغرافيا، فسواحل حضرموت والمهرة تمتد على بحر العرب، وتجاور طرقًا بحرية بالغة الأهمية، فيما تحتضن المنطقة موانئ وثروات نفطية وغازية ومساحات واسعة ذات قيمة استراتيجية،  ولهذا فإن السيطرة على الجنوب تعني السيطرة على سواحل وموانئ وموارد وممرات ومواقع يمكن أن تتحول إلى أوراق نفوذ إقليمي طويلة الأمد.
وقد وثقت دراسات بحثية سابقة تنافس السعودية والإمارات على النفوذ في المناطق الساحلية اليمنية، وعلى بناء تشكيلات محلية مسلحة مرتبطة بكل طرف، خصوصًا في حضرموت والمهرة والمناطق المحاذية لبحر العرب.

 

 

لماذا أبناء الجنوب؟

هنا تتجلى المفارقة الأكثر قسوة، فالقوى الإقليمية لا تدفع بجنودها إلى مقدمة المحرقة بالقدر نفسه الذي تدفع فيه بالقوى المحلية؛ لأن الجندي اليمني هو الذي يدفع الثمن، بينما يبقى القرار الاستراتيجي خارج الميدان،  وهكذا يتحول ابن الجنوب إلى مقاتل في معركة قد لا يعرف حدود أهدافها الحقيقية، ويصبح دمه أداة لإعادة ترتيب موازين القوة بين أطراف إقليمية متنافسة.
والأخطر أن استنزاف القوى الجنوبية يؤدي إلى إضعاف مراكز قوته العسكرية والسياسية وتفكيك قدرتها على فرض قرار مستقل.
وهذه هي المعادلة الأخطر، استنزاف القوى الجنوبية و إضعاف مراكز القوة و تفكيك التوازنات المحلية و إعادة توزيع النفوذ و إنتاج واقع أمني وسياسي أكثر ارتباطًا بالخارج.

 

 

حرب على النفوذ بدمٍ جنوبي

لا يمكن تجاهل التنافس السعودي الإماراتي عند قراءة المشهد.
فالإمارات بنت خلال سنوات الحرب شبكة واسعة من العلاقات والتشكيلات العسكرية والأمنية في الجنوب، فيما سعت السعودية إلى تعزيز حضورها ونفوذها في مناطق أخرى، وعلى رأسها حضرموت والمهرة،  وبالتالي، فإن جزءًا من المواجهة الراهنة يمكن قراءته باعتباره صراعًا على تصفية أو احتواء مراكز النفوذ المرتبطة بالمشروع الإماراتي، وإعادة إخضاع الجنوب لمعادلة نفوذ أكثر انسجامًا مع المصالح السعودية، لكن المفارقة أن هذا الصراع لا تدفع كلفته الرياض وأبوظبي وحدهما، الكلفة يدفعها أبناء الجنوب، إنها حرب بالوكالة، يتحول فيها اليمنيون إلى أدوات في صراع الحلفاء أنفسهم.

 

 

 

الطريق إلى بحر العرب

تزداد خطورة هذه المعادلة عند ربطها بالجغرافيا البحرية،  فمن يضمن وجودًا عسكريًا وأمنيًا مستقرًا في المناطق الساحلية الجنوبية والشرقية، يمتلك أوراقًا استراتيجية تتجاوز حدود اليمن الداخلية،  وهنا تبرز أهمية الموانئ والسواحل الممتدة على بحر العرب وخليج عدن، وما يمكن أن توفره من مواقع للتموضع والمراقبة وحماية خطوط النقل والطاقة والمصالح البحرية.
ومن هذه الزاوية، فإن أي ترتيبات سياسية أو عسكرية تُفرض على الجنوب لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد ترتيبات محلية؛ فقد تكون جزءًا من هندسة طويلة الأمد لخريطة النفوذ البحري في المنطقة.

 

 

الاتفاقات والترتيبات الخفية.. من يملك القرار؟

إن الحديث المتكرر عن ترتيبات واتفاقات غير معلنة بين قوى إقليمية وقيادات جنوبية يثير أسئلة خطيرة حول طبيعة الدور المطلوب من هذه القيادات،  وحتى عندما لا تتوافر وثائق علنية تثبت تفاصيل تلك التفاهمات، فإن تتابع التدخلات والتحركات وإعادة توزيع القوات والنفوذ يفرض قراءة سياسية لا تتجاهل احتمال وجود تفاهمات تتجاوز ما يعلن للرأي العام،  فالمعيار الحقيقي ليس ما يقال في البيانات، وإنما ما يحدث على الأرض، من يُستقدم؟ ومن يُبعد؟ ومن تُضعف قواته؟ ومن يُعاد تمكينه؟
ومن تُفتح أمامه الطريق نحو الساحل والموانئ؟، هذه الأسئلة تكشف جوهر الصراع أكثر من التصريحات السياسية.

 

 

المحرقة.. والنتيجة التي تخدم الخارج

أخطر ما في استمرار هذا الاحتلال السعودي أن جميع أدواتها المحلية من مرتزقتها قد تخرج منها أضعف مما دخلت، فحين تُستنزف القوى العسكرية الجنوبية، وتتآكل مراكز القوة، وتتسع الانقسامات، يصبح المجال أكثر اتساعًا أمام القوى الخارجية لفرض ترتيباتها،  وهنا تتكشف المفارقة، قد تكون المعركة خاسرة عسكريًا، لكنها رابحة استراتيجيًا لمن يريد إعادة تشكيل الجنوب. فليس شرطًا أن ينتصر طرف محلي بصورة كاملة؛ يكفي أن تُستنزف الأطراف جميعها حتى يصبح العدو السعودي هو اللاعب الأكثر قدرة على التحكم بالنتيجة.

 

 

 ليست حربًا من أجل الجنوب

إن أخطر ما ينبغي أن يدركه أبناء الجنوب أن رفع شعارات حماية الجنوب لا يعني بالضرورة أن الحرب تخدم الجنوب، فالجنوب الذي تُستنزف قواه، وتُفكك مراكز قوته، وتُدار تشكيلاته من الخارج، وتتحول أرضه إلى ساحة صراع سعودي إماراتي، لن يكون صاحب القرار في مستقبله، ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد من ينتصر في هذه المعركة؟  بل من سيملك الجنوب بعد أن تنتهي المعركة؟
ومن سيملك سواحله وموانئه؟ ومن يتحكم بموارده؟ ومن يحدد قراره العسكري والسياسي؟  ومن يضمن ألا يتحول بحر العرب إلى بوابة لتموضع خارجي دائم على حساب السيادة اليمنية؟
إن استمرار العدو السعودي في دفع أبناء الجنوب إلى هذه المحرقة، وفق هذه القراءة، لا يبدو مجرد دعم عسكري لحلفاء محليين، بل جزءًا من صراع أوسع لإعادة ترتيب الجنوب ومراكز قوته وخرائط نفوذه،  وفي النهاية، يبقى الدم يمنيًا، والأرض يمنية، والثمن يدفعه أبناء الجنوب، بينما يجري رسم خرائط النفوذ بعيدًا عنهم،  وهنا تكمن الحقيقة الأكثر مرارة قد يُطلب من ابن الجنوب أن يموت دفاعًا عن أرضه، بينما تكون المعركة الحقيقية التي يُدفع إليها هي معركة الآخرين على أرضه.

You might also like