من الحصار إلى الردع: الساحل الغربي.. معركة خاطفة أعادت رسم موازين القوة في اليمن والمنطقة
أعادت معركة الساحل الغربي التي خاضها أبطال القوات المسلحة اليمنية باقتدار في العملية التي أطلق عليها” والله أشد بأسا وأشد تنكيلا” تعريف موازين القوة في اليمن؛ والمنطقة، فشبكة القواعد والتحصينات التي بُنيت من قبل تحالف العدوان الأمريكي السعودي الصهيوني البريطاني على مدى سنوات لم تصمد أمام عملية سريعة متعددة المحاور، وانقلب التفوق الجوي والعددي إلى خسائر واسعة وانسحاب وفقدان للمواقع، ومع تحرير ست مديريات ومساحة تقدر بـ5400 كيلومتر مربع، انتقل الساحل من مساحة محاصرة إلى عمق استراتيجي يفتح أمام اليمن خيارات جديدة في الدفاع والردع والسيادة، وأن زمن الهيمنة الأمريكية والصهيونية على مقدرات الشعوب قد ولّى.
يمانيون| محسن علي
عملية واسعة على مساحة استراتيجية
شهد الساحل الغربي خلال الأيام الماضية عملية عسكرية واسعة شملت مديريات موزع، وجبل حبشي، والوازعية، والخوخة، والمخا، وذباب، بمساحة إجمالية تقدر بنحو 5400 كيلومتر مربع، وتمثل هذه المناطق امتدادًا جغرافيًا مهمًا على الساحل الغربي، وقربها من الممرات البحرية الحيوية يمنحها وزنًا استراتيجيًا يتجاوز حدودها المحلية، وشاركت في العملية قوات يمنية وأبناء من المناطق والقبائل، فيما واجهت تحشيدات عسكرية للعدو تجاوز قوامها خمسين ألف مرتزق مأجور، مدعومة بترسانة متنوعة من الأسلحة وغطاء جوي كثيف وشبكة واسعة من المعسكرات والقواعد السعودية الأمريكية الصهيوني، غير أن هذا التفوق العددي والناري لم يمنع انهيار خطوط الدفاع خلال فترة قصيرة، بعد تقدم القوات اليمنية من محاور متعددة واستهدافها مراكز القيادة والإمداد.
شبكة عسكرية متعددة الطبقات
كانت التحشيدات السعودية المنتشرة على الساحل الغربي تعتمد على منظومة عسكرية متكاملة، تضم مراكز للقيادة والسيطرة، وقواعد بحرية، ومعسكرات للتدريب والتجميع، ومخازن للأسلحة، ومواقع للمراقبة والدفاع الجوي، إلى جانب منشآت جوية ولوجستية، وشملت مراكز القيادة معسكر مطار المخا، الذي احتضن قيادة العمليات المشتركة ومقرات القيادات العليا، ومعسكر عنبرة في الخوخة، الذي تولى تنسيق العمليات البحرية والبرية، ومعسكر العمري المخصص لتأمين باب المندب والإشراف على التحصينات الساحلية، كما ضمت المنظومة معسكر المحجر شرق حيس، الذي شكل مركزًا للقيادة والإسناد المدفعي، ومركزي جبل الهاملي والرويس في جبهات مقبنة، ومعسكر الشقيرا الذي ربط بين الساحل الغربي ومحافظة لحج.
وعلى المستوى البحري، شملت القواعد ميناء المخا، وقاعدة يختل، ورصيف الخوخة، ورصيف الإنزال العسكري في جزيرة جبل زقر، وكانت هذه المواقع تؤمن حركة الزوارق والسفن اللوجستية وخطوط الإمداد البحرية، وتوفر دعمًا مستمرًا للقوات المنتشرة على الساحل.
أما مراكز التدريب والتجميع، فكان أبرزها معسكر أبو موسى الأشعري، ومعسكر يختل، ومعسكر جبل زقر، حيث جرى إعداد وتجميع أعداد كبيرة من المقاتلين قبل الدفع بهم إلى جبهات القتال، وفي الجانب اللوجستي، اعتمدت التحشيدات على معسكر خالد بن الوليد بوصفه قاعدة رئيسية لتخزين السلاح والعتاد، إلى جانب مخازن جبال النار ومدارس العمري والثوباني والعقد والمغرس.
كما ضمت المنظومة مواقع للرصد والدفاع الجوي، من بينها معسكر الدفاع الجوي شرق المخا، ومحطات الرادار والمراقبة البحرية في جبل زقر وحنيش الكبرى وذباب، إضافة إلى مطاري المخا وذباب ومدرج جزيرة زقر ومهبط المروحيات في حنيش ومدرج عنبرة، وقد صُممت هذه البنية لتوفير عمق دفاعي متعدد الطبقات، يبدأ من الخطوط الأمامية ويمتد إلى القواعد الخلفية ومراكز القيادة البعيدة.
تعدد المحاور أربك خطوط الدفاع
انطلقت العملية في الثالث من سبتمبر عبر عدة مسارات متزامنة، الأمر الذي أربك التحشيدات وأفقدها القدرة على تحديد محور الهجوم الرئيسي، وأدى الضغط المتزامن إلى تشتيت الاحتياطيات ومنعها من التركيز على جبهة واحدة، كما عطل قدرة القيادة على إعادة توزيع القوات أو إرسال تعزيزات فعالة، واستفاد الجيش اليمني من طبيعة الأرض، فتحركت عبر الوديان والمرتفعات، واعتمدت السرعة والمجموعات الصغيرة والتمويه لتقليل خطر الاستهداف الجوي، وأتاح هذا الأسلوب الاقتراب من المواقع العسكرية وتجاوز التحصينات الأمامية قبل أن تتمكن غرف العمليات من استيعاب اتجاهات الهجوم، ومع اختراق الخطوط الأولى، انتقلت العمليات إلى مراكز القيادة والقواعد الرئيسية، وأدى سقوط هذه المواقع إلى قطع خطوط الاتصال بين الوحدات الميدانية وقياداتها، وتراجع القدرة على إدارة المعركة، قبل أن تضطر أعداد كبيرة من المقاتلين إلى الفرار وترك الأسلحة والآليات خلفها.
تراجع فاعلية الغطاء الجوي
لم تتمكن الغارات الجوية الكثيفة التي شنها طيران العدو السعودي من وقف التقدم أو حماية المواقع المستهدفة، فقد واجهت الطائرات تحركات متفرقة وتمويهًا ميدانيًا واستفادة من طبيعة الجغرافيا، إضافة إلى نشاط فعّال لوسائل الدفاع الجوي، فيما نفذت قوات الدفاع الجوي اليمني 32 عملية تصدٍّ للطيران الحربي السعودي، أسفرت عن إسقاط تسع طائرات استطلاع مسلحة، وأدى ذلك إلى تقليص قدرة الطيران على الاستطلاع وتحديد الأهداف وتوفير الإسناد القريب، كما حرم التحشيدات من جزء أساسي من قدرتها على مراقبة التحركات وتوجيه الضربات، ومع تراجع فاعلية الغطاء الجوي، فقدت الوحدات المدافعة صورة واضحة عن تطورات الميدان، وتقلصت قدرتها على استدعاء الاحتياطيات أو إعادة تنظيم الصفوف، ما سرّع انهيار المواقع المتقدمة والقواعد الخلفية في آن واحد.
انهيار سبع فرق وتحرير الأسرى
وفق بيان المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع أسفرت العملية عن انهيار سبع فرق عسكرية تضم 38 لواءً، وسقوط أعداد كبيرة بين قتيل وجريح وأسير، فيما فرّ آخرون تاركين وراءهم آليات وأسلحة ومعدات، كما جرى تحرير عدد من الأسرى اليمنيين الذين ظلوا محتجزين لدى التحشيدات لسنوات، ويكشف الوصول إلى مواقع الاحتجاز عن دقة المعلومات المتعلقة بالبنية الداخلية للانتشار العسكري، وعن قدرة القوات المهاجمة على التقدم نحو أهداف محددة بدل الاكتفاء باستهداف الخطوط الأمامية، كما أن سقوط معسكرات التدريب والتجميع حرم التحشيدات من احتياطياتها البشرية، وقلل قدرتها على تعويض الخسائر أو استعادة زمام المبادرة.
انتقال من الدفاع إلى المبادرة
لا تقتصر أهمية العملية على المساحة المحررة، بل تمتد إلى التحول في طبيعة الموقف العسكري، فالساحل الغربي يمثل عمقًا جغرافيًا وبحريًا مهمًا، والسيطرة على أجزاء واسعة منه تتيح تأمين مناطق جديدة وإعادة تنظيم خطوط الحركة والإمداد، كما تمنح القوات اليمنية قدرة أكبر على مراقبة الممرات البحرية وفرض معادلات ردع جديدة، ويضع تحرير المناطق القريبة من ميناء المخا وباب المندب حدًا لمشروع فصل الساحل عن الداخل وتحويل المناطق الساحلية إلى كيانات مرتبطة بالخارج، كما يعيد التأكيد على وحدة الجغرافيا اليمنية، ويمنح البلاد مجالًا استراتيجيًا أوسع في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية، وبالنسبة للسعودية، التي راهنت على السيطرة على الساحل الغربي لتأمين باب المندب ودعم مرتزقتها المحليين، فإن خسارة هذه المواقع تعني تراجعًا في النفوذ والقدرة على حماية التحشيدات، كما تفرض التطورات الجديدة على الولايات المتحدة الأمريكية وكيان العدو الإٍسرائيلي إعادة النظر في حساباتهما المتعلقة بأمن البحر الأحمر والموانئ وخطوط الملاحة.
عوامل النجاح والدروس العسكرية
استند نجاح العملية إلى مجموعة من العوامل الميدانية؛ أولها الثقة بالله وبنصره واللامركزية في القيادة، التي منحت الوحدات قدرة على اتخاذ قرارات سريعة والتكيف مع المتغيرات، وثانيها السرعة والمفاجأة، إذ لم تمنح الهجمات المتزامنة التحشيدات وقتًا لإعادة تنظيم الصفوف أو استخدام الاحتياطيات، كما أدت المشاركة الشعبية دورًا مهمًا في توفير المعلومات المتعلقة بالأرض ومواقع الانتشار، وتأمين الدعم اللوجستي، وتحويل البيئة المحلية إلى عنصر مساند للعملية، وتُظهر التجربة كذلك أن التفوق المادي لا يضمن النصر ما لم يقترن بقيادة كفؤة، وتخطيط دقيق، وروح قتالية مرتفعة، وقدرة على استثمار نقاط الضعف، وتبرز العملية أيضًا نموذجًا معاكسًا لحرب الاستنزاف؛ فبدل أن تؤدي الضغوط والحصار والتحشيد المستمر إلى إضعاف اليمن، انعكست المعادلة على الطرف المهاجم الذي خسر قواته وعتاده ومواقعه الاستراتيجية خلال فترة قصيرة.
النصر العسكري والبعد الأخلاقي
تزامن التقدم العسكري مع قرار العفو الرئاسي العام من المجلس السياسي الأعلى ممثلا بالرئيس مهدي المشاط تجاه المغرر بهم، ليأخذ الانتصار بعدًا يتجاوز السيطرة على الأرض، ففتح باب العودة أمام اليمنيين الذين جرى دفعهم إلى القتال يقطع الطريق على استثمار الانقسامات المناطقية والقبلية، ويمنح فرصة لمعالجة آثار الحرب عبر المصالحة المجتمعية، ويؤكد هذا المسار أن الهدف لا يقتصر على هزيمة التحشيدات، بل يشمل استعادة الاستقرار وتحرير الإنسان من تأثيرات التجنيد والاستقطاب، وتحويل اللحظة العسكرية إلى فرصة لبناء مجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على تجاوز آثار الصراع.
ختاما
إن ما حدث في الساحل الغربي ليس نهاية المطاف، بل هو مقدمة لمعركة فاصلة لقد أثبت اليمن أنه قادر على هزيمة أقوى التحالفات، كما أن استمرار الصمود والتصعيد بالتصعيد، وضرب تحشيدات العدو، وتثبيت معادلة الحصار بالحصار، كل ذلك يمهد لمرحلة جديدة يكون فيها اليمن فاعلاً رئيسياً في رسم مستقبل المنطقة.