سبتمبر.. ثورة الشعب التي أرهقت إمبراطوريات المال والسلاح

21 سبتمبر، في الحساب الزمني، يومٌ من الأيام، ولكنه في التاريخ اليمني يومٌ لا كالأيام؛ نعم، إن الأحداث الكبرى التي تغيّر مجرى التاريخ هي التي تجعل سويعات بعض الأيام أكثر قيمةً من عشرات الأعوام.

 

 

يمانيون| علي صومل

ولثورة الـ21 من سبتمبر 2014م محدداتها الإيمانية وموجهاتها القرآنية، وجذورها الفكرية والتاريخية، التي أكسبتها ملامح وخصائص متميزة عن كثير من الثورات الشعبية التي شهدتها البلدان العربية مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
فلم تكن الثورة ثورةً انفعاليةً وغير واعية، بل كانت ثورةَ فكرٍ وسياسةِ حكم، انطلقت متكئةً على عقيدة الثورة ومبدأ الخروج على الظالم، وعلى إرث تاريخي كبير يتمثل في التاريخ الجهادي لأئمة أهل البيت عليهم السلام، وفي مقاومة اليمنيين للاستبداد والاستعمار على امتداد التاريخ؛ من عاشوراء وثورة الإمام زيد، إلى مقاومة الاستعمار العثماني، وغيرها من المحطات التي شكّلت ذاكرة اليمن الثورية.
ومن هنا تجلت وتتجلى مصاديق الأثر النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية»؛ إذ لم تكن الثورة حدثًا منفصلًا عن شخصية اليمن التاريخية والفكرية، وإنما امتدادًا لمخزونه الإيماني والثوري.

أولًا: الوحدة الإيمانية والوطنية
من أبرز ما حققت الثورة ترسيخ الأخوة الإيمانية والوحدة الوطنية بين أبناء اليمن الواحد، بعيدًا عن التباينات المذهبية والحزبية والجهوية التي كانت تشق طريقها أنصارُ الفرقة وتشب حريقها أُكيارُ الفتنة.
وقد تجسد ذلك عمليًا في المشاركة الجماهيرية الواسعة في الثورة، وفي حضور أبناء مناطق واتجاهات سياسية واجتماعية مختلفة في ساحاتها، وفي رفع مطالب جامعة لأبناء الشعب.
فقد كانت ساحات الثورة تستقبل جموع الأحرار الوافدين إليها من كل حدب وصوب، وكانت أدبياتها تعبر عن المطالب التي اجتمع عليها الثوار من مختلف المذاهب والأحزاب.

ثانيًا: التحرر من الوصاية والهيمنة الخارجية
انطلقت الثورة كذلك من واقع سياسي واقتصادي وأمني بالغ الصعوبة، ورأت في التحرر من الوصاية الخارجية والهيمنة الإقليمية شرطًا لاستقلال القرار اليمني.
فقد كانت لها رؤيتها وأهدافها التغييرية، ومن يعود إلى قراءة الظروف السياسية التي صاحبت قيامها يدرك ضرورتها الحتمية؛ من الأزمات الخانقة والسياسات التي أرهقت الشعب، إلى حالة الانفلات الأمني وصعود الجماعات المسلحة والإرهابية.
ولهذا رفعت الثورة شعار تحرير القرار السياسي من الشروط المذلة والقيود المكبلة لحرية اليمن، وتمكينه من تقرير مصيره بنفسه وصنع مستقبله بيده.
وكانت في أساسها انتفاضةً تحرريةً ضد الهيمنة الخارجية والوصاية الأمريكية بالدرجة الأولى، وإجهاضًا لمشاريعها التدميرية التي تستهدف وحدة اليمن وأمنه واستقراره، بما في ذلك مشاريع أقلمة الوطن، وهيكلة الجيش، ودعشنة المجتمع.

ثالثًا: يمنية الرؤية والقرار
ومن أبرز ما يميز الثورة أنها يمنية الرؤية والقرار والقيادة والأنصار؛ فلم تستنسخ رؤيتها من ثورات أجنبية، ولم تستقدم قوات عسكرية لفرضها، ولم تكن قيادتها مصرية أو جزائرية أو خليجية أو غير ذلك، وإنما انطلقت من قيادة يمنية عُرفت ـ منذ سنوات طويلة ـ بإخلاصها وصلاحها وصدقها مع الله ومع أبناء شعبها.
وهنا تكمن إحدى أهم خصائص الثورة: أنها لم تكن مشروعًا مستوردًا، وإنما امتدادًا لثقافة ثورية متجذرة في الوعي اليمني.

رابعًا: إعادة الاعتبار للهوية اليمنية
ومن أعظم ما صنعته هذه الثورة اليمنية المجيدة أنها أعادت صياغة الهوية اليمنية الفريدة، ونفَت الخبث عن ثقافتها الدينية الأصيلة، بعد عقود من محاولات التجريف والتحريف.
وتصالح اليمنيون مع ذاتهم الأولى وشخصيتهم المثلى، ومع تاريخهم المجيد المشرق وإرثهم الحضاري المتميز، بعد أن كانوا قد تقمصوا شخصية الآخرين المشبوهة وانفصلوا عن تاريخهم اليمني الأصيل.
ولعل هذا هو أحد أسرار صمودهم في وجه الهجمة العدوانية الشرسة التي تستهدف اليمن أرضًا وإنسانًا وفكرًا وهوية.
وقد توثّقت علاقةُ اليمنيين برسولهم الأعظم وبأهل بيت نبيهم الأكرم، وخصوصًا بالإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، ودعا قائلًا: «اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».
فحب اليمنيين لعلي بن أبي طالب عليه السلام ونصرتهم له في الحاضر هو أحد مفاتيح النصر الذي يحققه شعب اليمن الأبي الثائر في صراعه مع تحالف العدوان السعودي الأمريكي الجائر.
ولقائل أن يقول: كيف ينصر اليمنيون عليًا في هذا العصر؟
وسأترك عليًا عليه السلام يجيب عن هذا السؤال بنفسه؛ فقد ورد في نهج البلاغة أنه عليه السلام، لما أظفره الله بأصحاب الجمل، قال له بعض أصحابه: «وددت أن أخي فلانًا كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعدائك»، فقال له عليه السلام: «أهوى أخيك معنا؟» قال: نعم.

قال: «فقد شهدنا، ولقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوامٌ في أصلاب الرجال وأرحام النساء، سيرعف بهم الزمان، ويقوى بهم الإيمان».
ها هم اليمنيون اليوم، يا أمير المؤمنين، قد رعف بهم الزمان وقوي بهم الإيمان؛ فقد أصبح صغار اليمن قبل كباره سيوفًا قاطعة لأعناق أهل الطغيان، ورماحًا شارعة في كبد أهل العدوان، وكأنهم يذكروننا بأسلافهم العظماء بالأمس، الأشتر النخعي رحمه الله أنموذجًا.

خامسًا: الإرث الثوري ومقاومة الغزاة
لقد كان الطابع الجهادي والفكر الثوري اللذان تشبع بهما اليمنيون منذ القرون الأولى، وخصوصًا منذ القرن الثالث الهجري بعد مجيء الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام إلى اليمن بدعوة من حكماء اليمن وعقلائه آنذاك، هو ما جعل اليمن جديرًا بأن يكون مقبرة الأناضول ومقبرة الغزاة.
ومن الملاحظ في التاريخ اليمني المعاصر أن الحملة الاستعمارية التي اكتسحت البلدان العربية في القرن الماضي أحجمت عن محاولة الإقدام على الاستعمار العسكري لشمال اليمن، وما ذلك إلا لأنها درست إيديولوجيته الفكرية وتركيبته الاجتماعية، فوجدته صعب المراس، عصيًا على الانكسار، يأبى الضيم ويثور على الظلم.
فمبدأ الثورة والخروج على الظالم من أصول عقائده وصميم ثقافته؛ فهل من يعتقد وجوب الانتفاضة على حاكمه المسلم إذا فسق أو جار سيحجم عن مقاومة البغاة ومنازلة الغزاة، وخصوصًا إذا كانوا هودًا ونصارى؟!
الواقع يجيبكم.

سادسًا: القيادة المؤمنة
وتبقى خصوصية مهمة جدًا تميزت بها هذه الثورة، وهي القيادة المؤمنة الصادقة؛ قيادة الثورة الحكيمة ممثلة في السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي ـ حفظه الله تعالى ـ الذي قاد الثورة بحنكة وشجاعة.
ولولا هذه القيادة الرشيدة، ومن إلى جانبها من الكوكبة العلمائية المستبصرة والنخبة السياسية الحرة، لما تحقق شيء من أهداف الثورة، ولأجهضها النافذون في السلطة فورًا، أو لسرقوا إنجازاتها كما صنعوا بسابقتها من قبل.
ثورة قطعت يد العمالة
وبالمختصر المفيد، فإن كل القوى الانتهازية والطامعة في إبقاء السيطرة الأمريكية والسعودية على اليمن، وموقعه الاستراتيجي المتميز، وثرواته الطبيعية البكر، لم تقبل بثورة الـ21 من سبتمبر؛ لأنها قطعت أيادي الهيمنة، وأفشلت مشاريع الاستعمار، وطردت زعامات الخيانة والعمالة إلى خارج السلطة، ومن ثم إلى خارج الوطن.
ولا أدل على محاربة قوى الاستكبار العالمي والإقليمي للثورة من شن العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي منذ ليلة 26 مارس 2015م، وكل ذلك سعيًا منهم إلى قتل روح الثورة وخنق الإرادة التحررية للشعب.
وقد خابت ظنونهم، وتحطمت آمالهم، ودارت دائرة السوء عليهم، وباتوا يكتبون نهاية وجودهم بما يرتكبونه من جرائم ومجازر، ويتعرضون له من هزائم وخسائر.
وفي الختام، تكفي هذه الثورة شرفًا أنها من صنع اليمن الخاص؛ فثقافة الثورة متجذرة في أعماق ووجدان شعبنا اليمني الحر، وقد أخذ أبناؤه من إرث الثورة بحظ وافر، وهذا هو أعظم ما يميزها عن ثورات المهجر التي استُوردت بنودها وجنودها من خارج الوطن.
ثورتكم منتصرة، وخصومكم منتحرة، وكل عام واليمن من نصر إلى نصر.

You might also like