السُّلْطَان سُلَيْمَانُ بن شَاهِنْشَاه الأَيُّوْبِيّ.. أضعف سَلاطِيْن الدَّوْلَة الأَيُّوْبِيَّة.

[611 - 612هـ / 1214 – 1215م].

شهدت الدولة الأَيُّوْبِيَّة في اليمن بعد وَفَاة سنقر الأعجمي ومقتل كلٍّ من: السُّلْطَان النَّاصِر أَيُّوْب بن طغتكين الأَيُّوْبِيّ وغازي جِبْرِيْل خلال أوائل القرن السابع الهجري مرحلةً من الاضطراب السياسي والعسكري، نتيجة الضربات التي وجّهتها القوى الزَّيْدِيَّة إلى نفوذ الأيوبيين، وما رافق ذلك من ضعف في السلطة المركزية الأَيُّوْبِيَّة وَعَدَم وُجُود من يخلف السُّلْطَان المقتول.

وفي ظل هذه الظروف، اتجه الأيوبيون إلى اختيار أحد أفراد البيت الأيوبي الموجودين في اليمن، أملاً في الحفاظ على الحكم واستمرار الدَّوْلَة؛ فوقع اختيارهم على الأمير سليمان بن شاهنشاه بن عمر تقي الدين الأَيُّوْبِيّ، الذي تولّى السلطنة سنة 611هـ/1214م، ليصبح السُّلْطَان الْخَامِس من السَّلاطِيْن الأَيُّوْبِيّين، وَالْحَاكِم الأَيُّوْبِيّ السَّابِع فِيْ الْيَمَن، وفيما يلي نُبْذَة عَن هَذِهِ السُّلْطَان.

يمانيون / صالح مقبل فارع.

 

◆ اسمه ونسبه:

هُوَ السُّلْطَان سُلَيْمَان بن شَاهِنْشَاه بن عُمَر تَقِيُّ الدِّين بن شَاهِنْشَاه بن أَيُّوب الأَيُّوبِيّ.

ينتمي إلى البيت الأيوبي، الأسرة التي أسسها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، والتي حكمت أجزاءً واسعة من المشرق الإسلامي، وامتد نفوذها إلى اليمن في عهد الدولة الأَيُّوْبِيَّة.

وقد كان سليمان من أفراد الأسرة الأيوبية المقيمين في اليمن، فاختير لتولي الحكم في مرحلة اتسمت بضعف الدولة وتراجع نفوذها.

 

◆ منصبه، وترتيبه بين الْحُكَّام:

يعتبر سُلَيْمَان الأَيُّوْبِيّ خامس سَلاطِيْن الدَّوْلَة الأَيُّوْبِيَّة فِيْ الْيَمَن، وإذا أضفنا سنقر الأعجمي وغازي جِبْرِيْل فهو الْحَاكِم الأَيُّوْبِيّ السَّابِع الَّذِيْنَ حكموا الْيَمَن باسم الدَّوْلَة الأَيُّوْبِيَّة؛ وَهُوَ أحد حُكَّام الْيَمَن وملوكها فِيْ الْقَرْن السَّابِع الْهِجْرِيّ، الثَّالِث عشر الْمِيْلادِي.

 

◆ تَوَلِّيْهِ الْحُكْمَ:

تَوَلَّى السُّلْطَان سليمان بن شاهنشاه الأَيُّوْبِيّ حُكم اليمن سنة 611هـ/1214م([1])، بعد أن رأى الأيوبيون أن استمرار سلطتهم يقتضي تنصيب أحد أفراد الأسرة المقيمين في الْبِلاد، وَذَلِكَ بعد مَقْتَل السُّلْطَان النَّاصِر أَيُّوْب([2]) بن طغتكين الأَيُّوْبِيّ ومقتل غازي([3]) جِبْرِيْل؛ وقبلهما وَفَاة سُنْقُر الأعجمي([4])؛ حَيْثُ دخلت السُّلطة فِيْ فراغٍ سِيَاسِي؛ فاضطربت الدَّوْلَة ووهنت وضعفت وقويت الدَّوْلَة الزَّيْدِيَّة وأخذت بعض الْمَنَاطِق الَّتِي كَانَتْ تحت سيطرة الدَّوْلَة الأَيُّوْبِيَّة؛ ولئلا تسقط الدَّوْلَة الأَيُّوْبِيَّة من الْيَمَن اضطر أُمَرَاؤها فِيْ تَعِز أن يُنصِّبُوا سُلَيْمَان بن شاهنشاه بن عُمَرَ تقي الدين الأَيُّوْبِيّ سُلْطَانًا عَلَى الْيَمَن سنة [611هـ/1214م]؛ تَمَّ اختياره لَا لكفاءته؛ ولكن لأنه ينتسب إِلَى البيت الأَيُّوْبِيّ؛ وَلِأَنَّهُ تزوج بأم السُّلْطَان النَّاصِر أَيُّوْب بن طغتكين الأَيُّوْبِيّ، وَهُوَ مَا يعكس صلته بالبيت الأَيُّوْبِيّ الْحَاكِم فِيْ الْيَمَن.

 

◆ الْعَاصِمَة والنُّفُوْذ:

كَانَتْ الْعَاصِمَة هِيَ مَدِيْنَة “تَعِز“؛ وَهِيَ الْعَاصِمَة التاريخية لِلْيَمَنِ فِيْ العهد الأَيُّوْبِيّ.

أما عَن نفوذ سُلَيْمَان الأَيُّوْبِيّ؛ فقد كَانَ مسيطرًا عَلَى جَنُوْب الْيَمَن ووسطه وغربه؛ وخاصة من إب إِلَى عَدَن، بِالإِضَافَةِ إِلَى تَهَامَة، وَهِيَ مَنْطِقَة جغرافية يَمَنِيَّة لَا بأس بِهَا؛ وَأَهَمُّ مدنها: عَدَن، تَعِز، جِبلة، زَبِيْد.

بينما الْمَنَاطِق الْيَمَنِيَّة الشِّمَالِيَّة من ذَمَار إِلَى نَجْرَان فقد كَانَتْ تحت سيطرة الدَّوْلَة الزَّيْدِيَّة وَهِيَ الدَّوْلَة المجاورة لِلدَّوْلَةِ الأَيُّوْبِيَّة فِيْ الْيَمَن، وعاصمتها: ظَفَار دَاوُود، وحاكمها آنذاك هُوَ الإِمَام الْمَنْصُوْر بِاللَّهِ عَبْداللَّهِ بن حَمْزَة بن سُلَيْمَان([5])، وَكَانَتْ الزَّيْدِيَّة فِيْ عهد سُلَيْمَان أقوى من الدَّوْلَة الأَيُّوْبِيَّة؛ وَاسْتَطَاعَ الإِمَام عَبْداللَّهِ أن يُسَيْطِر عَلَى مَنَاطِق جَدِيْدة كَانَتْ قبلاً تحت سيطرة الدَّوْلَة الأَيُّوْبِيَّة؛ كالمناطق مَا بين عمران وإب، كصنعاء، وَذَمَار.

أما الْمَنَاطِق الشَّرْقِيَّة الْيَمَنِيَّة، كحضرموت؛ فكانت ممالك بعيدة ودول مُسْتَقِلَّة بذاتها؛ لَا تتبع لَا الأَيُّوْبِيَّة ولا الزَّيْدِيَّة؛ كدولة آل قَحْطَان فِيْ تَرِيْم حَضْرَمَوْت، ودولة آل الدَّغَّار فِيْ شِبَام حَضْرَمَوْت، وغيرها.

 

◆ صفاته وسياسته:

كان سُلَيْمَان بن شاهنشاه الأَيُّوْبِيّ ضعيفًا، وماجنًا وفاسقًا، كثير السُّكر، ومنشغلاً بالملذات، وشديد التعلق بالنساء.

فقد جمع عنده من النساء ما لا يُحصى لهن عدد، فانشغل بالنساء والملذات، وانصرف عَن تدبير شؤون الدولة وأحوال الرعية، في وقت كانت فيه البلاد بحاجة إلى قيادة سياسية وعسكرية قوية.

 

◆ انشغاله عَن شؤون الحكم بالملذات وَالنِّسَاء:

كان من أبرز ما نُسب إليه أنه انشغل بالملذات وَالنِّسَاء وترك الحكم والنظر في أحوال الناس، ولم يُولِ إدارة الدولة ما تستحقه من عناية، وهو ما جعل فترة حكمه قصيرة ومضطربة، حتى لقد قال ذات يَوْم شعرًا:

انظروا لِلمُلكِ غيري أنا مشغولٌ بِأَيْرِي([6])

 

◆ مُدَّة حُكْمِهِ:

اسْتَمَرَّ حُكْمُ سُلَيْمَان بن شاهنشاه بن تقي الدين الأَيُّوْبِيّ عدة أشهر فَقَطْ، من آخر سنة 611هـ/1214م، إِلَى الأشهر الأُوْلَى من سنة 612هـ/1215م، وَذَلِكَ خِلالَ الْفَتْرَةِ: [611 – 612هـ / 1214 – 1215م]، فَتَمَّ عزله لضعفه وانشغاله بالملذات وَالنِّسَاء عَن إِدَارَة الحكم.

 

◆ الأوضاع السياسية والعسكرية في عهده:

لم يكن حكم سليمان بن شاهنشاه بن تقي الدين منفصلًا عن الأزمات التي كانت تعصف بالدولة الأيوبية في اليمن.

 

1- تراجع النفوذ الأَيُّوْبِيّ:

واجه الأيوبيون في اليمن خلال تلك المرحلة ضربات متتابعة من القوى الزيدية، الأمر الذي أدى إلى إضعاف نفوذهم في عدد من المناطق، وهدد استمرار حكمهم.

وكانت الدولة بحاجة إلى سلطان يجمع بين القوة العسكرية والقدرة على إدارة التحالفات السياسية، غير أن سُلَيْمَان الأَيُّوْبِيّ لم يتمكن من القيام بهذا الدور.

 

2- ضعف السلطة الْمَرْكَزِيَّة:

أدى انشغال السلطان بالملذات إلى إضعاف متابعة شؤون الدولة، في وقت كانت فيه السلطة المركزية تحتاج إلى ضبط الأقاليم وحماية المدن ومواجهة الخصوم.

 

3- الحاجة إلى تدخل أيوبي من خارج الْيَمَن:

أمام هذا الوضع، اتجه الأيوبيون إلى استقدام سلطان جديد من مصر، هو الملك المسعود يوسف بن الكامل، الذي وصل إلى اليمن سنة 612هـ/1215م، وتولى الحكم بعد سليمان.

 

◆ خَلْعُه وعَزْلُهُ وَنِهَايَة حُكْمِهِ:

لم يستمر حُكم السلطان سليمان تقي الدين الأيوبي طويلًا، إذ لم يتجاوز عدة أشهر، وانتهى بعزله سنة 612هـ/1215م.

وجاء عزله في سياق تراجع الدولة الأيوبية في اليمن، والحاجة إلى قيادة جديدة قادرة على إعادة تنظيم شؤون الحكم ومواجهة الأخطار السياسية والعسكرية.

 

◆ السُّلْطَان المسعود يوسف بن الكامل وخلافة سُلَيْمَان:

وبعد عزل سيلمان سنة [612هـ/1215م] تَوَلَّى السُّلْطَان الْمَسْعُوْد يُوْسُف بن الْكَامِل الأَيُّوْبِيّ([7]) الحُكمَ في اليمن، بعد قدومه من مصر، ليبدأ عهد جديد في تاريخ الدولة الأَيُّوْبِيَّة إِذْ كَانَ مجيئه نقطة تَحَوُّلٍ في مسار الحكم الأيوبي، إذ جاء في وقت كانت فيه الدولة تعاني من الضعف والتراجع؛ فالسُّلْطَان المسعود أعاد للدولة الأيوبية هيبتها ورونقها، وهو ما يعكس أهمية انتقال السلطة من سليمان إلى سلطان جديد في تلك المرحلة.

 

◆ تقييم عهده في تاريخ الْيَمَن:

يُمَثِّلُ عهد السلطان سليمان بن شاهنشاه بن تقي الدين الأَيُّوْبِيّ مرحلة قصيرة من مراحل الحكم الأيوبي في اليمن، اتسمت بضعف القيادة السياسية وتراجع القدرة على مواجهة التحديات التي كانت تعترض الدَّوْلَة، ووفقًا لِذَلِكَ فإن أبرز أسباب قصر عهده تمثلت في:

– ضعف شخصيته السياسية والإدارية.

– انشغاله بالملذات عن شؤون الحكم.

– تراجع النفوذ الأيوبي أمام القوى الزيدية.

– حاجة الدولة إلى سلطان أكثر قدرة على إدارة الأوضاع السياسية والعسكرية.

ومع ذلك، فإن فهم عهده ينبغي أن يكون ضمن السياق الأوسع لتاريخ الدولة الأيوبية في اليمن، التي كانت تمر بمرحلة من التحديات الداخلية والخارجية.

 

◆ الْخَاتِمَة:

كان السلطان سليمان بن شاهنشاه بن تقي الدين بن شاهنشاه الأيوبي أحد سلاطين الدولة الأيوبية في اليمن، وقد تولى الحكم سنة 611هـ/1214م، في مرحلة كانت الدولة تعاني فيها من الضعف والتراجع أمام القوى الزيدية.

لم يدم حكمه سوى عدة أشهر، وانتهى بعزله سنة 612هـ/1215م، ليخلفه الملك المسعود يوسف بن الكامل الأيوبي القادم من مصر.

وتبقى سيرته مثالًا على أثر ضعف القيادة والانشغال عن شؤون الدولة في تقويض السلطة السياسية، خصوصًا في الفترات التي تكون فيها البلاد أمام تحديات عسكرية وسياسية كبيرة.

 

◆ المصادر والمراجع:

تَارِيْخ شَنبَل: تَارِيْخ حَضْرَمَوْت، المعروف بـ”تَارِيْخ شَنْبَل“، تأليف: العلامة المؤرخ أحمد عَبْداللَّهِ شَنْبَل، المتوفي سنة 620هـ، تَحْقِيْق: عَبْداللَّهِ مُحَمَّد الحِبْشِي، الناشر: مكتبة صنعاء الأثرية، الطبعة الأولى 1415هـ- 1994م. الطبعة الثانية، 1424هـ – 2003م.
جواهر تاريخ الأحقاف، تأليف: محمد علي عوض باحنَّان، الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع، جدة، السعودية، الطبعة الأولى، 1420هـ- 2008م.
غَايَةُ الأَمَانِيِّ فِيْ أَخْبَارِ القُطْرِ اليَمَانِيّ [ملخص أنباء الزمن]، تأليف العلامة المؤرخ: يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد بن علي، تحقيق وتقديم: د. سعيد عَبْدالفَتَّاحِ عاشور، مراجعة: د. محمد مصطفى زيادة، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، 1388هـ – 1968م، منتدى سور الأزبكية.
الفَضْلُ المزيد على بغية المستفيد في أخبار مدينة زَبِيْد، تأليف: العلامة عَبْدالرَّحْمَنِ بن عَلِي مُحَمَّد الدَّيْبَع الشيباني. تحقيق: الدكتور يوسف شُلحُد، مركز الدراسات والبحوث الْيَمَني، صنعاء، 1983م.
اللَّطائِفُ السَّنِيَّةُ فِيْ أَخْبَارِ المَمَالِكِ الْيَمَنيةِ؛ تأليف: العلامة المؤرخ محمد بن إِسْمَاعِيْل الكبسي المتُوُفِّيَ 1308هـ، تحقيق: خالد أَبَازيد الأذرعي؛ أبو حسان، مكتبة الجيل الجديد، الْيَمَن، صنعاء؛ الطبعة الأولى 1426هـ – 2005م.

◆ الهوامش:

([1]) تَارِيْخ شَنبَل 75، جواهر تاريخ الأحقاف 413، غَايَة الأَمَانِيِّ 398 وما بعدها، اللطائف 119.
([2]) الطِّفْل أَيُّوْبُ بن طغتكين بن أَيُّوْب الأَيُّوْبِيّ “لم يحكم” [609 – 611هـ / 1202 – 1214م]، أحد حُكَّام الْيَمَن وملوكها، فِيْ الْقَرْن السَّابِع الْهِجْرِيّ، الثَّالِث عشر الْمِيْلادِي.
([3]) غازي جِبْرِيْل “وَصِيُّ الطِّفْل أَيُّوْب بن طغتكين الأَيُّوْبِيّ” [607 – 611هـ / 1210 – 1214م]، أحد حُكَّام الْيَمَن وملوكها، فِيْ الْقَرْن السَّابِع الْهِجْرِيّ، الثَّالِث عشر الْمِيْلادِي.
([4]) الأتابك سُنْقُر الأعجمي “وَصِيُّ الطِّفْل أَيُّوْب بن طغتكين الأَيُّوْبِيّ” [598 – 607هـ / 1202 – 1210م]، أحد حُكَّام الْيَمَن وملوكها، فِيْ الْقَرْنَين السَّادِس وَالسَّابِع الْهِجْرِيّين، الثَّالِث عشر الْمِيْلادِي.
([5]) الإِمَامُ الْمَنْصُوْرُ بِاللَّهِ عَبْدُاللَّهِ بْنُ حَمْزَةَ بن سُلَيْمَان بن حَمْزَةَ “مُؤَسِّسُ الدَّوْلَةِ الزَّيْدِيَّةِ الرَّابِعَةِ” [594 – 614هـ / 1197 – 1217م]، أحد حُكَّام الْيَمَن وملوكها، فِيْ الْقَرْنَينِ السَّادِس وَالسَّابِع الْهِجْرِيّين، الثَّانِي عشر وَالثَّالِث عشر الْمِيْلادِيين.
([6]) الْفَضْل المزيد لابن الدَّيْبَع، صـ86-87.
([7]) الْمَلِك المَسْعُودُ يُوْسُف بن الْكَامِل بن العادل أَيُّوْب الأَيُّوْبِيّ “آخِرُ سَلاطِينِ الدَّوْلَة الأَيُّوْبِيَّة في الْيَمَن” [612 – 625هـ / 1215 – 1228م]، أحد حُكَّام الْيَمَن وملوكها، فِيْ الْقَرْن السَّابِع الْهِجْرِيّ، الثَّالِث عشر الْمِيْلادِي.

* * *

 

You might also like