السيد حسن نصر الله واليمن.. موقفٌ لم يتبدل من أول الغارات حتى الشهادة
منذ اللحظة الأولى للعدوان الأمريكي السعودي على اليمن في 26 مارس 2015، كان سماحة الأمين العام الشهيد القائد السيد حسن نصر الله أول القادة العظماء الذين أعلنوا موقفهم بصراحة ووضوح، فحينها لم ينتظر بياناً دولياً ولا قراراً أممياً، بل خرج في خطاب مباشر ليعلن أن ما يجري في اليمن هو “عدوان سافر وجريمة كبرى”، وأن الصمت عليه هو تواطؤ، ففي خطاباته الأولى، رفض نصر الله تسمية ما يجري بـ”عملية عاصفة الحزم”، واصفاً إياها بـ”عاصفة الخيانة والعدوان”، وقال: “ما يجري في اليمن ليس حرباً على الإرهاب، بل حرب على شعب أعزل، وعدوان على سيادة دولة، وخدمة لمشروع أمريكي صهيوني يهدف إلى تمزيق المنطقة.” ومنذ ذلك الحين، جعل السيد نصر الله القضية اليمنية جزءاً أصيلاً من خطابه السياسي والإعلامي، فلم يكن يمر أسبوع دون أن يتطرق إلى اليمن في كلماته، يفضح الجرائم، ويحصي الشهداء، ويذكّر العالم بالحصار الذي يخنق الشعب اليمني، حيث وصف العدوان بأنه “حرب إبادة جماعية ترتكبها السعودية بدعم أمريكي، في صمت عالمي مطبق، وتواطؤ دولي مخزٍ”، مؤكداً أن “اليمن يستحق منا كل الدعم، لأنه يقف في وجه المشروع الأمريكي الصهيوني الذي يستهدف الأمة بأكملها.”
يمانيون| محسن علي
من أول غارة على اليمن حتى الاستشهاد
لم تكن نصرة الشهيد السيد حسن نصر الله لليمن قيادة وشعبا موقفًا عامًا بلا مضمون، بل ارتبطت بمحطات واضحة في مسار العدوان الأمريكي السعودي، ففي الأيام الأولى أعلن أن الوقوف إلى جانب اليمن واجب «إنساني وأخلاقي وجهادي وديني»، مؤكدًا أن «لا تهويل ولا تهديد» سيمنعه من مواصلة إعلان موقفه، وبعد أسابيع، اختصر نتائج الجولة الأولى بقوله: «إننا أمام فشل سعودي صريح وواضح وانتصار يمني صريح وواضح»، وعندما تصاعد الحصار، واجه خطاب «حماية المدنيين» بعبارة لاذعة: «حماية المدنيين بالمزيد من قتل المدنيين»، وبعد مجزرة الصالة الكبرى، سأل: «أين مجلس الأمن والموقف الدولي والعالم الإسلامي والعربي؟»، وفي 2017 دعا إلى «صرخة عالمية وعربية وإسلامية» لوقف العدوان، أما في 2024، فقرأ الموقف اليمني في البحر الأحمر ضمن معادلة فلسطين، مؤكدًا أن «ميزان الحق هو مع اليمن لأنّه مع فلسطين».
المواقف العملية.. الدعم الذي تجاوز الكلمات
لم تقتصر مواقف السيد نصر الله على الخطابات والتصريحات، بل ترجمت إلى مواقف عملية على الأرض، فقد كان حزب الله في لبنان من أبرز الداعمين للموقف اليمني في المحافل الدولية والإقليمية، ورفض كل المحاولات الرامية إلى تصنيف اليمن في خانة الإرهاب، أو تحميله مسؤولية ما يجري، كما كان من أشد المدافعين عن حق اليمن في الرد على العدوان، مؤكداً أن “من حق الشعب اليمني أن يدافع عن نفسه بكل الوسائل المتاحة، وأن يرد على العدوان بمثل ما يُعتدى عليه،”وفي أكثر من مناسبة، دعا السيد نصر الله إلى تشكيل جبهة إسلامية موحدة لدعم اليمن، وقال: “لو أن الأمة تحركت كما ينبغي، لما تجرأ العدوان على اليمن. لكن تخاذل البعض هو الذي شجع المعتدي على الاستمرار.”
بداية العدوان 2015 «عدوان سعودي أمريكي على اليمن»
في مهرجان التضامن مع اليمن، الذي أقيم في 17 أبريل 2015، أعلن السيد حسن نصر الله موقفه من الأيام الأولى للعدوان، وقال: «نحن في هذا اللقاء أولا هدفنا أن نعلن رفضنا وشجبنا وتنديدنا واستنكارنا وإدانتنا للعدوان السعودي الأميركي على اليمن وأهله وأن نعلن تأييدنا وتضامننا وتعاطفنا مع هذا الشعب النبيل والشريف والمظلوم»،
وفي السياق نفسه، أوضح أن موقفه لم يكن استجابة لحسابات سياسية عابرة، بل انطلق من مسؤولية أخلاقية ودينية، قائلًا: «من واجبنا الإنساني والأخلاقي والجهادي والديني أن نتخذ هذا الموقف»، وأضاف مؤكدًا استمرار موقفه رغم الضغوط: «لن يمنعنا شيء، لا تهويل ولا تهديد ولا تبعات، من أن نواصل إعلاننا لهذا الموقف».
تفكيك أهداف الحرب
وفي الخطاب ذاته، خلص نصر الله إلى أن الهدف الحقيقي للحرب، هو إعادة الهيمنة الخارجية على اليمن، فقال إن الغاية تتمثل في «إعادة الهيمنة والوصاية السعودية الأميركية على اليمن» بعد استعادة الشعب اليمني قراره وسيادته، كما رفض تقديم العدوان باعتباره حربًا عربية أو طائفية، مؤكدًا أن اليمن جزء أصيل من العالم العربي والإسلامي، وأن الاعتداء عليه لا يكتسب شرعيته من الشعارات المرفوعة.
إعلان «الفشل السعودي» 2015
في كلمة متلفزة بتاريخ 5 مايو 2015، ناقش نصر الله إعلان التحالف انتهاء «عاصفة الحزم» والانتقال إلى «إعادة الأمل»، وطالب بتقديم دليل عملي على تحقق الأهداف المعلنة «إننا أمام فشل سعودي صريح وواضح وانتصار يمني صريح وواضح»، وقال أيضًا: «بكل بساطة لننتهي من الخداع الأول ونقول دلوني على هدف واحد وليس عن كامل أهداف عاصفة الحزم قد تحقق حتى الآن».
الحصار وحماية المدنيين
في خطابه في مايو 2015، انتقد التناقض بين إعلان «حماية المدنيين» واستمرار القصف والحصار، واختصر المفارقة بالعبارة التالية: «حماية المدنيين بالمزيد من قتل المدنيين»، كما وصف سياسة الضغط على المجاهدين من أبناء وقبائل اليمن عبر استهداف عائلاتهم وبيوتهم بأنها سياسة غير قادرة على كسر الإرادة الشعبية، وقال إن الضغط عبر «قتل أهلهم وقصف نسائهم وأطفالهم وتدمير بيوتهم» هو سياسة فاشلة لا تؤدي إلى إخضاع الشعوب.
مجزرة الصالة الكبرى 2016
بعد الغارة الأمريكية السعودية على مجلس العزاء في الصالة الكبرى بصنعاء في 8 أكتوبر 2016، طرح سؤالًا عن غياب الموقف الدولي، وقال في كلمة تأبينية في 23 أكتوبر: «أين مجلس الأمن والموقف الدولي والعالم الإسلامي والعربي من سقوط مئات الشهداء في غارة على الصالة الكبرى في صنعاء؟»، كما أشار إلى أن: «في اليمن ما لا يقل عن 15 إلى 20 مليون يمني محاصر».
الصمود اليمني 2017
في خطاب الذكرى الحادية عشرة لانتصار تموز، في أغسطس 2017، دعا نصر الله إلى تحرك عربي وإسلامي لوقف الحرب، مؤكدًا أن اليمن يعيش كارثة إنسانية واسعة، وجاء في المقتطف المنشور عن الخطاب: «من أجل إيقاف الكارثة الإنسانية في اليمن يجب أن يطالب العالم كله أمريكا والسعودية بوقف العدوان»، كما دعا إلى: «صرخة عالمية وعربية وإسلامية لوقف العدوان السعودي الأمريكي على اليمن».
اليمن في معادلة فلسطين والبحر الأحمر 2024
في يناير 2024، وبعد بدء العدوان الأمريكي البريطاني على اليمن، وصف نصر الله الهجوم بأنه: «حماقة أمريكية وبريطانية وتناقض أمريكي»، وحذر من أن التصعيد سيحوّل البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة، وقال: «الأخطر أن ما فعله الأميركيون في البحر الأحمر سيضر بأمن الملاحة البحرية كلها، حتى السفن التي تذهب إلى فلسطين المحتلة، حتى السفن غير الإسرائيلية، حتى السفن التي ليس لها علاقة بهذا الموضوع، لأن البحر الأحمر صار ساحة قتال وصواريخ ومسيرات وبوارج.. اختل الأمن»، كما أكد أن الاعتقاد بإمكان تراجع اليمن بعد القصف الأمريكي البريطاني هو تقدير خاطئ، وقال: «إذا كان الأميركيون يعتقدون بأنّ اليمن سيتراجع بعد العدوان فهم مخطئون ومشتبهون وجهلة»، وفي ربط مباشر بين اليمن وفلسطين، قال: «ميزان الحق هو مع اليمن لأنّه مع فلسطين»،
اليمن في وجدان السيد نصر الله.. حتى آخر نفس
حتى في آخر خطاباته قبل استشهاده، لم ينسَ السيد نصر الله اليمن، كان يتابع مستجدات الميدان اليمني، ويبارك العمليات العسكرية التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية، واصفاً إياها بـ”العمليات البطولية التي ترد على العدوان وتثبت معادلات الردع”.وقال في أحد خطاباته الأخيرة: “اليمن اليوم يكتب تاريخاً جديداً للأمة، ويؤكد أن المقاومة هي الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق. ونحن مع اليمن حتى النصر،”وبعد استشهاده، خرجت الجماهير اليمنية في مسيرات مليونية حاشدة، تنديداً بالجريمة، وتأكيداً على الوفاء لشهيد الإسلام والإنسانية، ورفعت صوره إلى جانب صور الشهداء اليمنيين، في مشهد يعكس عمق الارتباط بين دمشق وبيروت وصنعاء، وبين كل أحرار الأمة.
مقتطفات من كلماته عن اليمن.. صرخات في وجه الظلم
لم تكن مواقف السيد حسن نصر الله مجرد تصريحات دبلوماسية، بل كانت تعبيراً عن قناعة راسخة بأن اليمن يمثل خط الدفاع الأول عن الأمة. وفيما يلي مقتطفات من أبرز كلماته عن اليمن:
عن العدوان:
“العدوان على اليمن هو عدوان على الأمة العربية والإسلامية بأكملها، ومن يقف مع اليمن اليوم إنما يقف مع الحق والعدل والإنسانية.”
عن الحصار:
“الحصار على اليمن جريمة حرب مكتملة الأركان، ومن يمارس الصمت عليه شريك في الجريمة. كيف يسمح العالم لنفسه أن يمنع الدواء والغذاء عن شعب كامل؟”
عن الصمود اليمني:
“الشعب اليمني يقدم نموذجاً فريداً في الصمود والتحدي، وهو يقاتل نيابة عن الأمة كلها. هذا الشعب العظيم الذي يقف في وجه أعتى آلة حربية في المنطقة، هو شعب يستحق كل الدعم والتقدير.”
عن الدعم:
“نحن مع اليمن، وقلوبنا مع اليمن، ودعاؤنا لليمن. وكل ما نستطيع تقديمه لليمن، سنقدمه، لأن اليمن ليس بلداً بعيداً عنا، بل هو امتداد لأمتنا وقضيتنا.”
عن القيادة اليمنية:
“السيد عبدالملك الحوثي يقود شعباً عظيماً في معركة وجود، ونحن نحيي هذا الصمود وهذا الثبات. اليمن اليوم هو خط الدفاع الأول عن الأمة.”
عن المستقبل:
“اليمن سينتصر، لأن الحق لا يُهزم، ولأن الشعوب التي تقاوم لا تُقهر. والعدوان سينكسر على صخرة الصمود اليمني، كما انكسرت كل المؤامرات على هذا الشعب العظيم.”
عن الشهداء:
“شهداء اليمن هم شهداء الأمة، ودماؤهم الطاهرة ستكتب نصراً قريباً بإذن الله. ونحن على يقين بأن النصر قادم، وأن اليمن سيعود حراً عزيزاً مستقلاً.”
من كلماته الخالدة
«نحن مع الشعب اليمني، وقلوبنا معه، ونؤكد أن اليمن ليس وحده في هذه المعركة».
«الحصار على اليمن جريمة حرب مكتملة الأركان».
«من حق الشعب اليمني أن يدافع عن نفسه بكل الوسائل المتاحة».
«اليمن اليوم هو خط الدفاع الأول عن الأمة».
«نحن واليمن في خندق واحد، نواجه عدوًا واحدًا، ونحلم بنصر واحد».
«اليمن سينتصر، لأن الحق لا يُهزم، ولأن الشعوب التي تقاوم لا تُقهر».
«أقول للشعب اليمني: أنتم في قلوبنا، ونحن معكم، والنصر قادم بإذن الله».
ختاما
ارتقى السيد حسن نصر الله شهيداً، لكنه لم يرحل من ذاكرة اليمنيين، الذين يتذكرون كل كلمة قالها، وكل موقف وقفه، وكل دعاء دعا به لهم، لقد كان صوته أعلى من صوت الطائرات، وكلماته أقوى من الحصار، ومواقفه أثقل من الجبال،، وتبقى رسالته حية في وجدان وذاكرة الشعب اليمني: “اليمن ليس وحده، والأمة كلها معه، والنصر قادم بإذن الله، ” سلامٌ عليك يا شهيد الإسلام والإنسانية، سلامٌ عليك يوم وُلدت، ويوم استشهدت، ويوم تُبعث حياً.