حين انتقلت المعركة من المدرج إلى المضيق.. كيف تحررت المخا وتغيّر ميزان باب المندب؟
لم يكن قصف مطار صنعاء الدولي من قبل طائرات العدو السعودي في 13 يوليو 2026، وفق قراءة كتاب «من مطار صنعاء إلى باب المندب»، حادثة عسكرية معزولة، بل الشرارة التي أعادت ترتيب جبهات المواجهة اليمنية على امتداد الجو والبحر والحدود والساحل الغربي، مع العدو السعودي والمشروع الصهيوأمريكي، فخلال أقل من شهرين، انتقلت المعركة من مدرج المطار إلى ناقلات النفط والموانئ وخطوط الإمداد، وانتهت بتحرير المخا ومينائها وصولا إلى مضيق باب المندب أحد أهم الممرات استراتيجية في العالم إضافة إلى تحرير الجزر اليمنية ذات الطابع الاستراتيجي نفسه كجزيرة ميون وزقر وحنيش الصغرى والكبرى، في مسار يقدمه الكتاب بوصفه تحولًا من مرحلة الاحتواء والاستنزاف إلى فرض توازن جديد في البحر الأحمر وتغيير معادلة الصراع في المنطقة.
يمانيون| محسن علي
شرارة المطار وتبدل قواعد الاشتباك
يضع الكتاب الذي صدر عن دائرة البحوث بوكالة الأنباء اليمنية سبأ من إعداد الباحث أنس القاضي قصف مطار صنعاء الدولي في قلب الأحداث التي أعادت تشكيل المشهد العسكري والسياسي خلال الفترة الممتدة من 13 يوليو إلى 10 سبتمبر 2026، ووفق السرد الوارد فيه، جاء القصف بعد أربعة أعوام من حالة وصفها الكتاب بأنها «لا سلم ولا حرب»، أبقت خلالها القيود على المطارات والموانئ اليمنية، وأبقت ملفات خارطة الطريق والاقتصاد والوضع الإنساني من دون تسوية نهائية.
لم يتعامل الكتاب مع استهداف المطار باعتباره ضربة محدودة، بل رأى فيه محاولة لتثبيت حق الرياض في التحكم بحركة الطيران اليمني، وتحديد الدول التي تستطيع صنعاء التواصل معها، وربط سفر اليمنيين ووصول الدواء والبضائع بموافقة خارجية، ومن هذا المنظور، تحولت الواقعة إلى صراع على السيادة، لا إلى خلاف تقني بشأن رحلة جوية أو قواعد للطيران المدني.
في اليوم نفسه، جاء الرد اليمني باستهداف مطار أبها، لتظهر معادلة «المطار بالمطار»، ويقدم هذه المعادلة بوصفها رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن استمرار إغلاق مطار صنعاء لن يبقى بلا كلفة، وأن أي محاولة لتقييد حركة اليمنيين ستقابل بضغط على المطارات والمنشآت الحيوية في الجانب الآخر.
من المطار إلى الموانئ والنفط
بحسب الكتاب، لم تتوقف تداعيات التصعيد عند المجال الجوي، ففي 20 يوليو، أُعلن حظر الملاحة المرتبطة بالسعودية، لتنتقل المواجهة إلى حركة ناقلات النفط وصادرات الطاقة والموانئ والمنشآت الواقعة على امتداد البحر الأحمر.
ويقرأ هذا التحول باعتباره نقلًا للصراع من نقطة جغرافية محددة إلى شبكة مصالح مترابطة، فالسفن وخطوط الإمداد والمنشآت النفطية والتحشيدات البرية باتت، وفق تحليله، أجزاء من مسرح عمليات واحد، كما يشير إلى أن إبقاء الحظر محصورًا بالسفن المرتبطة بالسعودية، مع استبعاد الملاحة الدولية العامة، منح صنعاء فرصة لتقديم عملياتها باعتبارها ضغطًا على طرف محدد، لا إغلاقًا شاملًا للممر الملاحي الدولي.
ويورد أن استهداف ناقلتي النفط «إنسليا» و«ليلى» يومي 22 و23 يوليو دفع سفنًا أخرى إلى تغيير مساراتها أو التراجع، ورفع تكاليف التأمين والنقل، ثم اتسع الضغط ليشمل منشآت أرامكو في جيزان وينبع، بعد الغارات التي طالت الحديدة وجزيرة كمران، لتدخل معادلة «الميناء بالميناء» حيز التنفيذ.
لكن أهمية هذه العمليات، في قراءة الكتاب، لا تقاس بالخسائر المباشرة وحدها، فقد أجبرت الرياض على توزيع منظومات الدفاع والمراقبة بين الموانئ والمنشآت النفطية والقواعد والمطارات، وقلّصت هامش المناورة المتاح لها، إذ إن تعزيز حماية ينبع وخط الشرق والغرب يعني تقليل كثافة الحماية في جبهات أخرى.
المخا.. قاعدة الإمداد ومركز الثقل
مع نهاية يوليو، بدأت المخا تظهر بوصفها مركز الثقل في الاستراتيجية السعودية على الساحل الغربي، فالميناء، وفق المعطيات التي يعرضها، لم يكن مجرد منشأة تجارية، بل تحول إلى نقطة لاستقبال الأسلحة والزوارق والمعدات، ومركز للقيادة والاستطلاع والإسناد، وقاعدة متقدمة للتحركات القريبة من الجزر والممر الملاحي،
ويرى أن أهمية المخا نابعة من موقعها الذي يربط بين جبهات تعز والساحل وباب المندب، ولذلك فإن الضغط عليها لم يكن هدفًا منفصلًا، بل جزءًا من محاولة تفكيك البنية التي تحمي النفوذ السعودي والإماراتي في جنوب البحر الأحمر.
في المقابل، واجهت تحشيدات العدو السعودي المدافعة عن المخا مشكلة تعدد القيادات، فقد بقيت تشكيلات العميل الفار طارق صالح، وكافة التحشيدات والفصائل الأخرى المأجورة للعدو السعودي ولحكومة الفنادق، محتفظة بهياكلها وولاءاتها ومصادر تمويلها، ويخلص إلى أن هذا التعدد سمح بالتنسيق الوظيفي، لكنه حال دون بناء قيادة ميدانية موحدة قادرة على إدارة معركة طويلة ومركبة.
الاستنزاف قبل الهجوم البري
يؤكد الكتاب أن الهجوم على المخا لم يبدأ في 3 سبتمبر بصورة مفاجئة، بل سبقته مرحلة طويلة من الاستنزاف،وخلال أغسطس، تعرضت مخازن السلاح ومراكز القيادة والزوارق وطرق الإمداد لضربات متكررة، فيما امتدت العمليات إلى خطوط التحشيد في مأرب والوديعة والعبر والرويك.
ويعرض هذه المرحلة باعتبارها عملية عزل تدريجي للمخا، فقد جرى الضغط على الميناء، وقطع بعض مسارات الإمداد، واستهداف وسائل النقل، وتوزيع الضربات على الساحل والجبهات الداخلية، لمنع القوات المدافعة من تركيز دفاعاتها أو إعادة تنظيمها بسرعة.
ومن أبرز ما يورده الكتاب في هذا السياق أن القوات اليمنية أعلنت في 19 أغسطس استهداف ثماني سفن نفطية ومنع 48 سفينة من العبور، إلى جانب تنفيذ عمليات داخل السعودية وضد التحشيدات ووسائل النقل لإظهار طبيعة الاستراتيجية: الضغط على النفط، واستهداف طرق الإمداد، وإجبار السعودية على حماية مسرح عمليات واسع ومتشعب.
كما يذكر أن استهداف ناقلة «أمزان» قبالة ينبع في 24 أغسطس، بالتزامن مع ضرب أرتال وتحشيدات في العبر والوديعة، جعل الضغط يمتد من جنوب البحر الأحمر إلى شماله، وبذلك لم تعد المخا محمية بإمداد ساحلي آمن، بل أصبحت مرتبطة بشبكة طرق بحرية وبرية معرضة للاستهداف.
تعثر الرد السعودي
يرى الباحث أن الرد السعودي تحرك في ثلاثة اتجاهات: إعادة تنظيم القوات التابعة له، تشديد الضغط الاقتصادي والتجاري على مناطق صنعاء، ومحاولة تدويل المواجهة تحت عنوان حماية باب المندب، غير أن هذه المسارات، وفق القراءة الواردة، لم تنتج قوة ميدانية موحدة قادرة على استعادة زمام المبادرة.
فقد حاولت الرياض جمع قيادات التشكيلات المختلفة في ترتيبات تنسيق عملياتي، لكنها اصطدمت بتباين المشاريع السياسية والولاءات المحلية، كما سعت إلى تشكيل تحالف بحري إقليمي، إلا أن التأييد بقي سياسيًا، من دون قوة مشتركة أو قواعد اشتباك واضحة أو التزام معلن بخوض حرب واسعة داخل اليمن.
وفي الوقت نفسه، لجأت حكومة العمالة المدعومة سعوديًا إلى تحويل ملف الموانئ والتهريب إلى منظومة رقابة مالية وتجارية وأمنية، شملت المصارف والجمارك وخفر السواحل وقوائم التجار والشركات، ويقرأ الكتاب هذا المسار بوصفه محاولة لتعويض التعثر العسكري بضغط اقتصادي، وإعادة صياغة الحصار في صورة إجراءات أمنية وتجارية.
لكن هذه الإجراءات واجهت، انقسام السلطات والقوات وتعدد مراكز القرار، إضافة إلى أزمات الرواتب والخدمات والوقود، وهكذا ظل المشروع السعودي بحاجة إلى تمويل مستمر لتغطية نفقات تشكيلات لا يجمعها مركز قيادة واحد، ما جعل توسيع الحرب مرتبطًا بكلفة سياسية ومالية متزايدة.
عملية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا»
في 3 سبتمبر، بدأت العملية التي حملت لاحقًا اسم «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا»، عبر مسارات متزامنة في محافظتي تعز والحديدة، حيث لم يكن الهدف الاندفاع المباشر نحو المخا، بل تفكيك الانتشار العسكري المحيط بها، وقطع الطرق، وضرب مراكز القيادة والإمداد، وإجبار الوحدات المدافعة على الانسحاب المتتابع، فخلال الأيام التالية، تذبذبت أخبار السيطرة والانسحاب، وظهرت مؤشرات على ضعف التنسيق بين القوات المدافعة، ثم ركزت الضربات على اجتماعات القيادات والمخازن والطرق، بالتزامن مع تقدم بري، الأمر الذي منع إعادة بناء خطوط الدفاع بالسرعة المطلوبة.
ويشير إلى أن فتح جبهة في الجوف وتكثيف الغارات على عدد من المحافظات كان محاولة لتشتيت الجهد اليمني وتخفيف الضغط عن الساحل، غير أن هذا التصعيد لم يوقف المسار العام للعملية، لأن البنية اللوجستية للمخا كانت قد تعرضت للاستنزاف خلال أسابيع، ولأن خطوطها الدفاعية أصبحت موزعة على مساحة طويلة ومفتوحة.
تحرير المخا وبداية توازن جديد
في 10 سبتمبر 2026، دخلت القوات المسلحة اليمنية مدينة المخا وميناءها، بعد انهيار خطوط تحشيدات العدو السعودي المدافعة وانسحاب تشكيلاتها جنوبًا، بعد ضربات منكلة وجهتها القوات المسلحة اليمنية، ويؤكد أن سقوط المدينة لم يكن نتيجة معركة منفردة داخلها، بل حصيلة عزلها عن محيطها، وقطع طرق الإمداد، وضرب مراكز القيادة، والضغط المتزامن على محاور متعددة.
وفي اليوم التالي، أعلنت القوات المسلحة اليمنية نتائج العملية، وتحدثت عن طرد التحشيدات السعودية من ست مديريات في تعز والحديدة، وضرب سبع فرق عسكرية تضم 38 لواءً، والسيطرة على مناطق واسعة وصولًا إلى المخا. ويعرض الكتاب هذه الأرقام بوصفها مؤشرًا إلى أن العملية استهدفت منظومة الساحل بأكملها، لا الميناء وحده.
ويمنح الكتاب لتحرير المخا أبعادًا تتجاوز الخريطة العسكرية، فهي، في تحليله، كانت قاعدة نفوذ للسعودية والإمارات، ومركزًا لخدمة مصالح غربية وصهيونية في البحر الأحمر، وأداة لربط تعز بالمضيق، لذلك فإن خسارتها تعني تراجع قدرة القوى المدعومة خارجيًا على تقديم نفسها حارسًا محليًا لباب المندب، بعد ذلك، امتد الحضور اليمني إلى ذوباب وميون وزقر وحنيش، ويبرز الباحث جزيرة ميون على وجه الخصوص بسبب موقعها في منتصف المضيق، وقدرتها على توفير نقطة مراقبة متقدمة والتحكم في مسارات الحركة البحرية، فيما يمنح ذوباب عمقًا بريًا للمواقع الساحلية.
باب المندب بين السيطرة والإغلاق
من أبرز الأفكار التي يكررها الباحث التمييز بين امتلاك الحضور في باب المندب وبين إغلاقه أمام الملاحة الدولية، فبحسب روايته، بقي الحظر مرتبطًا بالسفن السعودية والإسرائيلية، بينما استمرت السفن الأخرى في العبور، هذا التمييز باعتباره عاملًا أضعف محاولات تحويل المعركة إلى حرب دولية شاملة تحت عنوان حماية التجارة العالمية، فالدول الكبرى، وفق تحليله، تريد إبقاء المضيق مفتوحًا، لكنها لا تبدو مستعدة لخوض حرب واسعة بهدف استعادة قاعدة أو نفوذ سعودي على الساحل اليمني.
وعليه، يخلص الكتاب إلى أن المرحلة التي بدأت بقصف مدرج مطار صنعاء انتهت بتوازن جديد في البحر الأحمر: حضور يمني مباشر في الساحل والجزر المتصلة بالمضيق، وتراجع أدوات النفوذ السعودي، واعتماد أكبر على الدعم الخارجي والغارات والمعلومات الاستخبارية.
ختاما
يقدم كتاب «من مطار صنعاء إلى باب المندب» قراءة متسلسلة لجولة عسكرية قصيرة زمنيًا، لكنها واسعة التأثير، فالقصة، كما يعرضها، بدأت بمحاولة فرض السيطرة على مطار صنعاء، ثم تحولت إلى معركة على حرية الحركة والسيادة، وانتقلت إلى النفط والموانئ والسفن، قبل أن تستقر في المخا وباب المندب، فتحرير المخا لم يكن نتاج ضربة واحدة، بل نتيجة استراتيجية تراكمية جمعت بين الضغط البحري، واستهداف الإمداد، وإرباك القيادة، وتوسيع مسرح العمليات، ثم تنفيذ هجوم بري منسق، وفي المقابل، عجز المعسكر المدافع عن المخا عن تحويل تعدد تشكيلاته إلى قيادة موحدة، كما لم تنجح محاولات تدويل المعركة في إنتاج قوة قادرة على تغيير الواقع الميداني.
ومن هنا، يضع الكتاب تحرير المخا في سياق أوسع من السيطرة على مدينة وتحريرها، فهو يقدمه بوصفه انتقالًا للقوة اليمنية إلى الساحل والجزر والمضيق، وتراجعًا للنفوذ السعودي والإماراتي، وقيام معادلة جديدة في البحر الأحمر، عنوانها أن باب المندب لم يعد بعيدًا عن مركز القرار اليمني.
للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب.