حين يتحرر الإنسان من عبودية البشر.. رؤية الشهيد القائد لبناء الإنسان الواعي

لا ينظر الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه إلى الإنسان باعتباره كائناً ينتظر اكتمال معرفته حتى يبدأ حركته، ولا يرى المعرفة ترفاً فكرياً يُخزّن في الذهن، بل يطرحها باعتبارها قوة متحركة تتفاعل مع الواقع، وتكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى وعي وموقف وسلوك، ومن هنا تتكشف في مضامين الدرس الخامس والعشرين من دروس رمضان رؤية متكاملة لبناء الإنسان؛ تبدأ بتحريره من التعلق بغير الله، وتمر ببناء معرفته ووعيه، وتنتهي بصناعة إنسان يتحرك في الحياة على أساس من البصيرة والمسؤولية.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

الإنسان حين يضعف أمام البشر

ينطلق الشهيد القائد من قضية التوحيد ليصل إلى واحدة من أهم القضايا المرتبطة بكرامة الإنسان واستقلاله، ألا يحول أحداً من البشر إلى قوة مطلقة في وعيه، فالإنسان، بحسب هذه الرؤية، عندما يجعل لله أنداداً وشركاء، فإنه لا ينتقص من مكانة الله فحسب، بل «يحط نفسه»؛ لأنه يربط حاجاته ومصيره ورجاءه وخوفه بمخلوقات محدودة القدرة، وفي لحظات القوة قد يبدو الإنسان قادراً على الاعتماد على المال أو النفوذ أو العلاقات، لكن المرض والخطر والأزمات تكشف حدود هذه القوى، وتضع الإنسان أمام حقيقة حاجته العميقة إلى الله،  وهنا تتحول عقيدة التوحيد إلى مشروع لتحرير الوعي من التبعية؛ فلا بشر يملك للإنسان كل شيء، ولا قوة دنيوية تستطيع أن تكون بديلاً عن الله.

المعرفة التي تتحرك ولا تتجمد

من أقوى مضامين الرؤية رفض الفصل بين المعرفة والعمل، فالتأهيل، كما يوضح الشهيد القائد، لا يعني أن ينتظر الإنسان حتى يصل إلى «نسبة مائة في المائة» من المعرفة ثم يبدأ، لأن المعرفة نفسها تنمو مع الحركة، وتتطور بالممارسة، وتُختبر في مواجهة الواقع، إنها عملية مستمرة، يتعلم الإنسان، يتحرك، يواجه الواقع، يكتشف جوانب النقص، يتلقى التوجيه، ثم يواصل المسيرة بوعي أعمق، وبذلك تصبح المعرفة مشروعاً عملياً مفتوحاً، لا مجرد معلومات أو تنظير أو جدل، وهذه النقطة تحمل دلالة تربوية عميقة، أن الإنسان لا يصبح واعياً بمجرد امتلاكه المعلومات، وإنما عندما يستطيع أن يجعل معرفته أساساً لموقفه وسلوكه وخياراته.

الشدائد تكشف حقيقة الإنسان

يستحضر الخطاب المرض والخوف والمواقف الخطرة باعتبارها لحظات تسقط الكثير من الأقنعة،  فالإنسان قد ينشغل طويلاً بتساؤلات فكرية مختلفة، لكن عندما يجد نفسه أمام خطر حقيقي يتضح له حجم ضعفه، وحجم حاجته إلى الله، ولهذا تبدو الشدة في هذه الرؤية أكثر من مجرد محنة؛ إنها لحظة كشف تختبر حقيقة ما يؤمن به الإنسان، وتعيد ترتيب أولوياته،
فالوعي الحقيقي ليس ما يقوله الإنسان في أوقات الراحة، وإنما ما يثبت عليه عندما تتغير الظروف وتضيق الخيارات.

لا تجعلوا الدنيا معياراً للنجاح

ولا تتوقف الرؤية عند علاقة الإنسان بالله، بل تنتقل إلى موقفه من المال والرفاه والمكاسب الدنيوية، فالشهيد القائد يحذر من الاغترار بما يمتلكه الإنسان، لأن المال والأولاد والمكانة لا تمثل، في ذاتها، دليلاً على النجاح أو الرضا،
وقد يتحول التعلق بالمكاسب إلى قيد يجر الإنسان إلى مواقف لم يكن ليتخذها لو لم تصبح مصالحه هي الحاكم على قراراته، ومن هنا تأتي الصورة القوية التي يرسمها الخطاب للإنسان الذي يستجيب للباطل، ثم تتراكم حوله المكاسب ، بيت، سيارة، مال ومظاهر رفاه؛ حتى يصبح ما جمعه حوله أشبه بـ«الفحم» الذي يزيد شدة الاحتراق، إنها صورة تحذر من الانحراف التدريجي؛ فالخطر لا يأتي دائماً في صورة قرار واحد كبير، وإنما قد يبدأ بتنازل صغير، ثم مصلحة، ثم مكسب، ثم ارتباط، حتى يجد الإنسان نفسه أسيراً لما راكمه بيده.

من التوحيد إلى صناعة الإنسان

وعند جمع هذه المضامين، تتضح معادلة مركزية في رؤية الشهيد القائد، توحيدٌ يحرر الإنسان، ومعرفةٌ تبني وعيه، وحركةٌ تختبر معرفته، ومراجعةٌ تصحح مساره،  فالإنسان المطلوب ليس إنساناً منعزلاً عن الواقع، ولا مثقفاً يكتفي بالحديث، ولا متديناً يكتفي بالشعارات؛ بل إنسان يعرف، ويتحرك، ويتعلم، ويصحح، ويواجه، ومن هنا فإن القيمة الأساسية للمعرفة تكمن في قدرتها على تغيير الإنسان وإعادة تشكيل موقفه من الحياة.

الإنسان الذي لا يركع إلا لله

إن جوهر هذه الرؤية يتمثل في بناء إنسان لا يستمد قيمته من أصحاب النفوذ، ولا يجعل المال معياراً لكرامته، ولا يسمح للمكاسب أن تشتري موقفه، ولا يتعامل مع المعرفة باعتبارها ترفاً،
إنه الإنسان الذي يعرف أن البشر مهما بلغت قوتهم يظلون محدودين، وأن الدنيا مهما اتسعت تظل عابرة، وأن المعرفة إذا لم تتحول إلى حركة وموقف تفقد جوهرها، وبهذا المعنى، تصبح القضية في جوهرها معركة على وعي الإنسان،  أن يعرف لمن يتوجه، ومن أين يستمد قوته، وكيف يتعلم، وكيف يتحرك، وكيف يحافظ على حريته الداخلية أمام إغراء المال وسلطة البشر وضغوط الواقع، فالإنسان الذي يوحّد الله، ويتعلم وهو يتحرك، ويمتلك بصيرة تميّز بين الحق والباطل، لا يكون مجرد حامل للمعرفة؛ بل يتحول إلى إنسان يصعب أن تقوده التبعية أو تشتريه المصالح.

You might also like