معركة الوعي.. حين يحاول العدو تدجين الأمة وإخماد قدرتها على الفعل

لا تبدأ هزيمة الأمم بالضرورة من سقوط الميدان، بل قد تبدأ من الداخل؛ حين تفقد قدرتها على إدراك ما يجري، وتعتاد على الاستهداف، وتتعامل مع الأحداث الكبرى كوقائع عابرة لا رابط بينها،  ومن هنا تبرز أهمية الرؤية التي طرحها السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله،  حول استراتيجية التدجين، باعتبارها بعداً يتجاوز المواجهة المباشرة إلى محاولة التأثير في وعي الأمة وإرادتها وقدرتها على الاستجابة،
فحين يقول إن الأعداء يحرصون على إبقاء الأمة في حالة تدجين، فإن جوهر الفكرة يتمثل في صناعة حالة من الجمود والغفلة والركود؛ حالة يصبح فيها الاستهداف متكرراً، لكن رد الفعل محدوداً، ويصبح الخطر واضحاً، لكن الإحساس به يتراجع تدريجياً.

 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

التدجين.. إخماد ردة الفعل قبل إخماد الموقف

أخطر ما في التدجين أنه لا يستهدف إلغاء الوعي دفعة واحدة، وإنما يعمل على إضعافه بصورة تدريجية، فالاعتداء المتكرر يمكن أن يتحول مع الوقت إلى مشهد مألوف، والضغط المستمر إلى أمر معتاد، والخطر المتصاعد إلى خبر عابر، وعندما تصل الأمة إلى هذه الحالة، يصبح المطلوب من الخصم أقل بكثير؛ إذ لا يحتاج إلى إسكات كل الأصوات، وإنما يكفي أن يجعل رد الفعل محدوداً ومؤقتاً، وأن يمنع تشكل وعي جمعي قادر على قراءة الأحداث باعتبارها حلقات ضمن مسار واحد، وهنا تتضح خطورة المسألة، المشكلة ليست في غياب رد الفعل تماماً، وإنما في بقائه محصوراً داخل لحظة الحدث.

الخطر في تحويل المعركة إلى أحداث منفصلة

تضع الرؤية إصبعها على ثغرة شديدة الخطورة،  الاعتقاد بأن كل أزمة هي المشكلة كلها، وأن انتهاء الحدث يعني انتهاء الخطر، هذه النظرة الجزئية قد تجعل المجتمع يستهلك طاقته في الاستجابة لكل واقعة منفردة، دون أن يسأل عن السياق الأوسع، أو طبيعة المسار، أو ما إذا كانت الأحداث المتعاقبة تحمل أهدافاً مترابطة، وهنا يظهر الفارق بين ردة الفعل العابرة والوعي المستدام، ردة الفعل تبدأ مع الحدث وتنتهي بانتهائه، أما الوعي فيحوّل الحدث إلى معرفة، والمعرفة إلى موقف، والموقف إلى سلوك ومشروع مستمر.

صناعة الغفلة.. أخطر من صناعة الخوف

لا يعتمد التدجين بالضرورة على التخويف وحده؛ فقد يكون الاعتياد أخطر من الخوف،
فالإنسان الذي يخاف من الخطر يدرك وجوده، أما الإنسان الذي يعتاد الخطر فقد يتوقف عن رؤيته بوصفه خطراً أصلاً، ومن هنا يمكن فهم التحذير من حالة “الجمود والغفلة والركود”، إنها حالة يفقد فيها المجتمع حساسيته تجاه التحديات، ويتراجع السؤال، ويضعف التحليل، وتتراجع المبادرة، فيتحول المجتمع إلى بيئة مفتوحة أمام التأثيرات الخارجية.

البيئة المفتوحة.. حين تغيب المناعة المجتمعية

المجتمع غير المحصن بالوعي يصبح أكثر عرضة للتأثير في أفكاره وأولوياته وطريقة فهمه للأحداث، ولا تقتصر الحصانة هنا على الجانب العسكري؛ بل تشمل الثقافة والإعلام والتعليم والاقتصاد والسياسة والنسيج الاجتماعي، فكلما امتلك المجتمع قدرة أكبر على الفهم والتحليل والتمييز، ازدادت قدرته على حماية قراره ومصالحه والتعامل مع الضغوط، ولهذا فإن المعركة على الوعي ليست قضية هامشية، بل ترتبط مباشرة بقدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه وفاعليته.

من الاستنكار إلى الفعل المنظم

المضمون الأبرز في رؤية السيد القائد هو الدعوة إلى تجاوز ردود الفعل المؤقتة نحو “تحرك بمشروع عملي”، وهذا يعني أن الوعي الحقيقي لا يقاس بكثرة الكلام عن الخطر، وإنما بقدرته على إنتاج سلوك منظم ومستمر، فمعرفة التحديات ينبغي أن تقود إلى تحديد الأولويات، وبناء المؤسسات، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ورفع مستوى المعرفة، ومعالجة نقاط الضعف، وتحويل الوعي إلى ممارسة يومية، إن المجتمع الذي يكتفي بالغضب عند وقوع الحدث ثم يعود إلى حالة السكون، يبقى أسير الحدث؛ أما المجتمع الذي يتعلم من الحدث ويبني على دروسه، فإنه يحول الأزمة إلى فرصة لتعزيز المناعة والقدرة على التعامل مع المستقبل.

المعركة الحقيقية: ألا يصبح الاستهداف أمراً عادياً

في جوهر الرؤية، تكمن رسالة شديدة الوضوح،  لا تسمحوا بأن يتحول الاستهداف إلى حالة اعتيادية، ولا أن تتحول القضايا الكبرى إلى أخبار عابرة، ولا أن تتحول ردة الفعل إلى بديل عن الوعي والمشروع، فالعدو، لا يستهدف فقط ما هو ظاهر ومادي، وإنما يسعى أيضاً إلى التأثير في قدرة الأمة على الإدراك والاستجابة،
ومن هنا تصبح المحافظة على الوعي، وربط الأحداث بسياقاتها، واستخلاص الدروس منها، وبناء استجابة مستمرة ومدروسة، عناصر أساسية في مواجهة حالة التدجين، إن المعركة التي تبدأ باستهداف الوعي قد تكون أطول وأعمق من أي مواجهة عابرة؛ لأن نتيجتها تحدد ما إذا كان المجتمع سيبقى متلقياً للأحداث أم قادراً على فهمها والتعامل معها بوعي وفاعلية، ولهذا فإن الرسالة المركزية في هذه الرؤية تتمثل في الانتقال من الغفلة إلى الوعي، ومن الجمود إلى المبادرة، ومن ردة الفعل المؤقتة إلى العمل المنظم، ومن التعامل مع الأحداث منفردة إلى فهم المسار العام،  فحين يبقى الوعي حياً، لا يصبح تكرار الأحداث سبباً في الاعتياد عليها، بل مناسبة لاستخلاص الدروس وتعزيز القدرة على التعامل مع التحديات القادمة.

You might also like