حرب الزيف والتضليل السعودية.. حين يعجز العدوان عن تحقيق أهدافه

لم يكن العدوان السعودي على اليمن حرباً عسكرية فحسب، بل كان منذ لحظته الأولى مشروعاً متكاملاً يجمع القصف والحصار والتدخل والتضليل وصناعة الرواية، فحين عجزت القوة العسكرية عن إخضاع اليمن، انتقلت المعركة إلى جبهة أخرى، جبهة الوعي، حيث محاولة تزييف الحقائق، وقلب الأدوار، وتحويل المعتدي إلى ضحية والضحية إلى متهم، في محاولة مفضوحة لاستمالة مواقف عربية وإسلامية لصالحها.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

من القصف إلى الافتراء

كلما تعقدت الحرب وازدادت كلفتها السياسية والإنسانية، احتاجت الرياض إلى روايات تستدر التعاطف وتعيد توجيه الأنظار بعيداً عن آثار العدوان في اليمن، ومن أخطر تلك الروايات الزج بمكة والمدينة في الصراع، فقد اتهم العدو السعودي القوات اليمنية بمحاولات استهداف مكة  واستهداف منشأة كهرباء في المدينة تزود المسجد النبوي بالطاقة، ولا تكمن خطورة هذه الروايات في مضمون الاتهام وحده، بل في توظيف المقدسات لتغيير صورة عدوان مستمر وحصار جائر، فبدلاً من أن يُسأل، لماذا شنت السعودية عدوانها؟ وما الذي فعلته الغارات بالمدنيين اليمنيين؟ يصبح السؤال  من يهدد مكة والمدينة؟ ، وهكذا يجري نقل المعركة من ملف عدوان وحرب ودمار إلى ملف حماية المقدسات، بما يفتح الباب لاستدرار التعاطف واستقطاب المواقف الدينية والسياسية.

حين تتحول القداسة إلى غطاء

إن المقدسات أكبر من أن تتحول إلى أداة في الصراع السياسي،  وهنا تظهر المفارقة، بينما تُرفع شعارات حماية المقدسات، وثقت الأمم المتحدة خلال سنوات العدوان مئات الحالات التي طالت فيها العمليات العسكرية للتحالف بقيادة العدو السعودي مدنيين وأعياناً مدنية، ومن بينها أطفال وأسواق ومرافق مختلفة،
إنها مفارقة تكشف جوهر حرب التضليل، استدعاء المقدسات لتغطية الجرائم، واستخدام الخوف الديني لحجب الأسئلة المتعلقة بالحرب نفسها.

الهزيمة العسكرية.. ومحاولة الانتصار في الإعلام

القوات المسلحة اليمنية فرضت معادلات عسكرية جديدة وألحقت بالسعودية وحلفائها خسائر وإخفاقات في ميادين متعددة، الأمر الذي جعل المعركة الإعلامية والسياسية أكثر أهمية بالنسبة للرياض، أما الوقائع العسكرية التفصيلية، فينبغي قياسها وفق بيانات ووقائع قابلة للتحقق، لكن مسار الحرب نفسه أظهر أن التدخل العسكري لم يحقق الحسم السريع الذي رافق إعلان العدوان، وانتهت سنوات القتال إلى مسارات تفاوضية وسياسية معقدة، لم يحصل منها العدو السعودي على شيء، سوى المزيد من الهزائم،  وهنا يصبح التضليل محاولة لـتعويض العجز عن الحسم في الميدان بحشد المواقف في الإعلام والسياسة، اتهام، ثم تضخيم، ثم استدعاء للمقدسات، ثم محاولة بناء موقف سياسي على رواية الحرب.

المرتزقة .. وقود لمشروع العدو

وفي تعز وغيرها، لا ينبغي أن يتحول أبناء اليمن إلى وقود لمشاريع الاحتلال السعودي المستفيد الأول من استمرار النزيف، ليصل إلى غايته ومبتغاه في فرض السيطرة على اليمن ومقدراته وقراره وسيادته.

الحقيقة.. المعركة التي لا يستطيع التضليل حسمها

لقد جمع العدوان بين القوة العسكرية وحرب الرواية؛ قصفٌ على الأرض، وتضليلٌ فوقها، ثم محاولة لإعادة كتابة المشهد بما يخدم مخططاته ،  لكن القنابل لا تستطيع إسقاط الوثائق، والبيانات لا تستطيع محو الشهادات، والدعاية لا تستطيع إلى الأبد إلغاء ذاكرة شعب عاش كل تفاصيل العدوان الغاشم والحصار الجائر ، والسؤال الذي  سيبقى حاضراً هو ، من بدأ العدوان على اليمن ؟  ومن يحاول اليوم تحويل الهزيمة في الميدان إلى انتصار في الرواية؟   هذه هي المعركة التي لا تستطيع ماكينة التضليل حسمها؛ لأن الحقيقة حين تُوثَّق تصبح أقوى من الدعاية، وذاكرة الشعوب لا تُمحى بالمال ولا بالبيانات ولا باستدعاء المقدسات.

You might also like